بغداد / تميم الحسن
بدأت قوى شيعية تنظر بقلق إلى التحركات المتسارعة التي يقودها رئيس الوزراء علي الزيدي، وسط مخاوف متزايدة من أن تكون البلاد أمام ما يشبه "انقلابًا سياسيًا باردًا" يعيد رسم موازين القوة داخل الدولة، وينتهي بتقليص نفوذ القوى التقليدية التي حكمت المشهد طوال العقدين الماضيين.
وحتى الآن لا يبدو أن العلاقة بين الزيدي والفصائل أو القوى المنضوية في "الإطار التنسيقي" قد وصلت إلى مرحلة الصدام المباشر، لكن تسريبات متداولة داخل الأوساط السياسية تصف رئيس الوزراء بأنه "شديد الحزم"، ما يجعل كثيرين يتوقعون أن لحظة المواجهة قد تكون مؤجلة لا أكثر.
ويعتقد مراقبون أن التغييرات المفاجئة والسريعة التي ينفذها الزيدي لم تكن خيارًا سياسيًا محضًا، بل جاءت استجابة لتفاهمات وضغوط خارجية، خصوصًا من الجانب الأميركي. والمفارقة أن تلك الملفات نفسها تكاد تتطابق مع الشروط التي طرحها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الأمر الذي دفع خصوم الزيدي إلى الاعتقاد بأنه يستند إلى غطاء مزدوج، داخلي وخارجي، يمنحه هامشًا واسعًا للحركة.
أربعة ملفات دفعة واحدة
منذ تسلمه السلطة منتصف أيار الماضي، فتح الزيدي أربعة ملفات كبرى دفعة واحدة.
الملف الأول يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، والثاني بإعادة هيكلة الاقتصاد، والثالث باسترداد أموال الفساد وملاحقة المتورطين فيها، فيما أضاف سريعًا ملفًا رابعًا تمثل بإعادة تشكيل الطبقة الثانية من المناصب العليا في الدولة، قبل اكتمال تشكيل حكومته.
ويقول نائب شيعي سابق لـ"المدى" إن "رئيس الوزراء لا يريد انتظار الصراعات السياسية الخاصة باستكمال تشكيل الحكومة، في وقت تواجه فيه الدولة ملفات ملحة لا تحتمل التأجيل".
ورغم أن النائب السابق، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، لا يحدد الجهة التي تقف وراء حالة الاستعجال، فإنه يربط بين ارتفاع وتيرة القرارات الحكومية وبين زيارة المبعوث الأميركي توم باراك إلى بغداد منتصف حزيران الحالي، الذي اجتمع مع الزيدي وحده أربع ساعات.
وباتت تلك الزيارة توصف في الأوساط السياسية بأنها "نقطة الصفر" التي انطلقت منها عملية تحريك الملفات الأربعة دفعة واحدة، خصوصًا أن باراك يُنظر إليه داخل بعض الأوساط السياسية باعتباره الشخصية التي لعبت دورًا أساسيًا في تقديم الزيدي إلى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
تجاوز قواعد ما بعد 2003
ما يثير قلق خصوم الزيدي ليس فقط طبيعة الملفات التي فتحها، بل الطريقة التي يتعامل بها معها.
فمنذ عام 2003 جرى العرف السياسي على أن تبدأ الحكومات بمفاوضات تشكيل السلطة التنفيذية، ثم توزيع الوزارات، قبل الانتقال إلى الهيئات المستقلة والدرجات الخاصة.
لكن الزيدي قفز على هذا التسلسل التقليدي، وبدأ مبكرًا بإعادة ترتيب مواقع النفوذ داخل مؤسسات الدولة، وهو ما أثار مخاوف داخل "الإطار التنسيقي".
ويقول النائب السابق إن بعض القوى باتت تخشى أن يكون رئيس الوزراء بصدد تنفيذ "انقلاب هادئ" يبعد القوى التقليدية تدريجيًا عن مراكز القرار والتأثير، لتجد نفسها في النهاية أمام واقع سياسي جديد لا تمتلك فيه الأدوات التي كانت تعتمد عليها سابقًا.
حكومة ناقصة وصراع مستمر
في المقابل، لا يزال ملف تشكيل الحكومة يعكس حجم التباينات داخل القوى الشيعية.
فحتى الآن ما زالت الخلافات قائمة بين ائتلاف دولة القانون وفريق رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني بشأن عدد من الأسماء المرشحة للمناصب الوزارية، فيما لا تزال 9 وزارات شاغرة.
ويقول فهد الجبوري، القيادي في تيار الحكمة لـ(المدى)، إن "أسماء الوزراء موجودة بالفعل، لكن الملف الذي يعطل الحسم هو ملف حصر السلاح".
كما يواصل ائتلاف دولة القانون تحركاته القضائية بشأن بعض المرشحين الذين عُرضت أسماؤهم للتصويت البرلماني من دون أن تحصل على الأصوات الكافية، إذ يعتقد الائتلاف أن عملية التصويت شابتها مخالفات تستوجب المراجعة القضائية.
وكان الزيدي قد بدأ حملته من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في العراق، عبر السعي إلى حصر السلاح بيد الدولة وانتزاعه من جماعات تمتلك نفوذًا سياسيًا وبرلمانيًا واسعًا، باستثناء التيار الصدري الذي أعلن في وقت سابق تسليم سلاحه طوعًا.
بالتوازي مع ذلك، فتحت الحكومة ملفات فساد طالت شخصيات متهمة بإدارة شبكات مصالح معقدة تتقاطع مع أحزاب نافذة وفصائل مسلحة، في خطوة بدت جزءًا من مسار أوسع لإعادة ترتيب مراكز القوة داخل الدولة.
أما المحور الثالث فتمثل في استهداف ما يُعرف بـ"الدولة العميقة"، أي البنية الإدارية والسياسية التي تشكلت خلال السنوات الماضية وأصبحت تمثل امتدادًا لنفوذ القوى التقليدية داخل مؤسسات الدولة.
وضمن هذا السياق، أجرت الحكومة حتى الآن تغييرات في نحو 80 موقعًا حساسًا، شملت مناصب بارزة في مستشارية الأمن القومي وجهاز الأمن الوطني والبنك المركزي. وتذهب تقديرات سياسية إلى أن هذه الموجة لم تبلغ نهايتها بعد، إذ يتوقع أن تمتد إلى هيئة الحشد الشعبي وهيئة النزاهة ومواقع سيادية أخرى ضمن الدرجات الخاصة.
وتشير تقديرات متداولة إلى أن عدد المناصب العليا والحساسة في الدولة يتجاوز خمسة آلاف موقع، تسيطر الأحزاب السياسية المرتبطة بفصائل مسلحة على ما لا يقل عن نصفها، الأمر الذي يجعل معركة إعادة توزيع النفوذ داخل مؤسسات الدولة واحدة من أكثر المعارك السياسية تعقيدًا منذ عام 2003.
مشروع وطني أم قرار خارجي؟
ويؤكد خالد وليد، عضو ائتلاف الإعمار والتنمية بزعامة محمد شياع السوداني لـ(المدى)، أن قوى «الإطار التنسيقي» وافقت بإرادتها على مشروع حصر السلاح، ولم تكن مجبرة على تبني هذا الموقف.
لكن هذا الطرح يواجه تشكيكًا من خصومه.
فمحاولات حصر السلاح ليست جديدة، وقد سبقت الزيدي حكومات عدة، بينها حكومات حيدر العبادي والكاظمي والسوداني، لكنها لم تحقق نتائج ملموسة.
ويرى منتقدون أن التحول الحقيقي بدأ بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025، ثم إرسال توم باراك إلى بغداد لمتابعة تنفيذ هذا المسار.
ويقول أوس الخفاجي، وهو قائد سابق في إحدى الجماعات المسلحة، خلال مقابلة تلفزيونية، إن ما يجري في ملف حصر السلاح "قرار خارجي"، مضيفًا: "لا ينبغي أن يضحك أحد علينا".
في المقابل، تصر قوى شيعية على أن المشروع "وطني ويحظى بدعم المرجعية الدينية".
"الزيدي يريد فريقًا يشبهه"
ويرى إحسان الشمري، أستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، أن الخط العام للتغييرات يشير إلى رغبة رئيس الوزراء في تشكيل فريق حكومي وإداري يتوافق مع رؤيته لإدارة الدولة.
ويقول لـ(المدى) إن الرسالة الأبرز في هذه التغييرات هي أن الحكومة الحالية لا تريد السير وفق الأساليب التي اتبعتها الحكومات السابقة.
ويضيف أن الزيدي يحاول قطع الطريق أمام تحويل المناصب العليا إلى حصص حزبية، والعمل على الفصل بين مؤسسات الدولة وبين النفوذ الحزبي الذي تمدد داخلها خلال السنوات الماضية.
وبحسب الشمري، فإن التغييرات التي طالت بعض المواقع الأمنية تمثل الخطوة الأولى في مشروع إعادة الهيكلة واختبار ردود فعل القوى التقليدية، متوقعًا أن يقود نجاح هذه المرحلة إلى التوجه نحو مواقع أكثر حساسية.
ويرى أن الزيدي يستثمر حاليًا زخم اختياره والدعم الداخلي والخارجي الذي يحظى به، ولذلك لا يريد إضاعة الوقت في سجالات المصالح السياسية.
ويعتقد الشمري أن ما يجري لا يعني بالضرورة خروج التغييرات من إطار التفاهم مع "الإطار التنسيقي"، إذ تشير المعلومات المتداولة إلى أن رئيس الوزراء عرض خطة لإعادة توزيع المناصب خلال اجتماعات التحالف الشيعي.
لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن هدوء "الإطار" لا يعني غياب الخلافات، محذرًا من أن تصادم المصالح قد يفرض نفسه لاحقًا إذا استمرت التغييرات بالوتيرة الحالية أو إذا توسعت لتشمل شخصيات من خارج المنظومة التقليدية.
جس نبض قبل المعركة الكبرى
أما الباحث والأكاديمي محمد نعناع فيعتقد أن ما يجري يمثل عملية "جس نبض" واسعة للقوى السياسية.
ويقول لـ(المدى) إن المعلومات المتوفرة تشير إلى أن كثيرًا من التغييرات وملفات النزاهة فتحت بعيدًا عن رغبة "الإطار التنسيقي"، وإن رئيس الوزراء يحاول اختبار حدود رد فعل القوى التي وافقت على تسميته.
ويضيف أن الزيدي يتعمد الحفاظ على التوازن في قراراته، بحيث تشمل التغييرات مواقع شيعية وسنية وكردية، لتجنب ظهورها وكأنها تستهدف طرفًا بعينه.
ويرى نعناع أن الرسالة التي يبعث بها رئيس الوزراء إلى القوى السياسية مفادها أن البديل عن هذه التعديلات قد يكون أكثر قسوة، خصوصًا في ظل الضغوط الدولية المتزايدة على بغداد.
ويخلص إلى أن التغييرات الحالية وملفات الفساد وعمليات الاعتقال ليست سوى مقدمة لخطوات أكبر ستجد الحكومة نفسها مضطرة إلى تنفيذها خلال المرحلة المقبلة.