تغيير حجم الخط     

مهمة باراك: حل "الحشد" وتجفيف مالية طهران

مشاركة » الثلاثاء يونيو 02, 2026 12:26 pm

4.jpg
 
بغداد/ تميم الحسن


تتزايد المؤشرات في بغداد على أن الدوائر اللصيقة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب لن تقتنع بإعلانات نزع السلاح الشكلي التي قادتها خمسة فصائل مسلحة، بل إن طموح واشنطن الفعلي يذهب باتجاه تفكيك "الحشد الشعبي" بالكامل، بوصفه الظهير الأبرز لإيران في المنطقة.
وتشير المعلومات التي حصلت عليها "المدى" إلى أن استراتيجية ترامب غير المعلنة للعراق، والموكول تنفيذها إلى مبعوثه الرئاسي الخاص توماس باراك، لن تكتفي بالبعد العسكري، بل تستهدف تجفيف الأوردة المالية وشرايين الدعم الاقتصادي المتجهة إلى طهران.
وداخليًا، يندفع رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي في حقل ألغام سياسي، مستندًا إلى قوتين متناقضتين جذريًا في الأيديولوجيا والمصالح: الولايات المتحدة الأميركية من جهة، وزعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر من جهة أخرى، بغية إنجاز هدفين رئيسيين: حصر السلاح بيد الدولة، وضرب كبار حيتان الفساد.
"تفكيك الفصائل ليس ضمانة"!
وتفيد معطيات متقاطعة بأن عمليات نزع سلاح الفصائل الخمسة، والتي يُفترض أنها انطلقت فعليًا، لا تُشكّل ضمانة كافية لإنهاء التجميد الأميركي للكابينة الوزارية الشاغرة، إذ تنقل المعلومات عن قيادات في "الإطار التنسيقي" مخاوف حقيقية من أن ترامب لن يتوقف عند عتبة نزع السلاح الشكلي، بل سيتحرك لفرض حل الحشد كجزء من الصراع الشامل مع إيران.
وترى أوساط التحالف الشيعي أن توماس باراك، الذي تسلم عمليًا الملف العراقي في شباط الماضي قبل إعلانه رسميًا عقب اختفاء المبعوث السابق مارك سافيا في ظروف غامضة، جاء لتنفيذ هذا المخطط تحديدًا.
وعلى الضفة المقابلة، ينفي عضو منظمة بدر، أبو ميثاق المساري، وجود أي إملاءات أميركية بهذا الخصوص، مؤكدًا لـ"المدى" أن الجنرال المتقاعد ديفيد بترايوس، الذي حمل رسالة وساطة قبل العيد لتخفيف تشدد ترامب، لم يحمل أي شروط تتعلق بهيكلية الحشد، جازمًا بالقول: "القوى الشعبية لن تقبل بحل الحشد.. الحشد وجد ليبقى وسنعارض ونقاتل كل من يسعى إلى ذلك".
يأتي هذا في وقت أرسل فيه بترايوس رد واشنطن المتضمن رفضًا قاطعًا لمنح بغداد مهلة الأشهر الثلاثة لتجميد نشاط الفصائل، مع رفض حاسم لمنح أي حقيبة وزارية لأحزاب مسلحة حتى لو أعلنت نزع سلاحها، على الرغم من الآلية الحكومية التي كشف عنها الزيدي وبدأت بتسلم سلاح سرايا السلام تمهيدًا لانخراط عصائب أهل الحق في المسار ذاته.
توم باراك: "مبعوث الصفقات الكبرى"
ويشرح الأكاديمي والباحث السياسي محمد نعناع ملامح الدور الأميركي المستجد في العراق، مشيرًا إلى وجود ثلاث مقاربات رئيسية يتداولها المراقبون لفهم مهمة توماس باراك.
فريق من الخبراء يرى أن واشنطن تنظر إلى العراق بوصفه ساحة أزمات وصراعات تتطلب تدخلًا سريعًا ومرنًا، وهو ما يفسر اختيار باراك مبعوثًا خاصًا بدلًا من تعيين سفير تقليدي في بغداد.
في المقابل، تذهب قراءة أخرى إلى أن الإدارة الأميركية تسعى إلى تقليص نفوذ الفصائل المسلحة في القرار العراقي عبر شخصية تمتلك قدرة على إدارة التفاهمات والضغوط معًا، مستفيدة من التحديات الاقتصادية التي يواجهها العراق والمتغيرات المتسارعة في سوريا ولبنان وإيران.
أما الرؤية الثالثة فتربط تعيين باراك بالنهج الذي يتبناه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والقائم على الدبلوماسية الشخصية وعقد التسويات السياسية والاقتصادية الكبرى، بهدف احتواء الأزمات وإعادة ترتيب الملفات العالقة.
ويؤكد نعناع أن الجدل حول طبيعة مهمة باراك، سواء باعتباره رجل صفقات أو مبعوثًا لإدارة الصراعات، لا يغير من حقيقة الهدف الأميركي المركزي، والمتمثل في تقليص النفوذ الإيراني داخل العراق باستخدام مختلف الأدوات والوسائل المتاحة.
وكان الرئيس ترامب قد أعلن رسميًا عبر منصة «تروث سوشيال» تسمية سفيره لدى تركيا، توماس باراك، مبعوثًا رئاسيًا خاصًا إلى سوريا والعراق معًا، بعد منشور لوزير الخارجية ماركو روبيو أكد فيه انتهاء مهام باراك السابقة في الملف السوري منفردًا.
تحييد المؤسسات وخطورة "المنطقة الرمادية"
من جانبه، يقدم السياسي المستقل والنائب السابق مثال الآلوسي قراءة مغايرة وأكثر قلقًا لمهام باراك، مستغربًا في حديثه لـ"المدى" إخضاع مصير شعوب العراق وسوريا ولبنان لتقديرات وانفعالات شخص واحد لا يمثل الدبلوماسية أو الحرفية الأميركية المؤسساتية بقدر ما يمثل الرئيس ترامب شخصيًا كصديق مقرب له.
ويحذر الآلوسي من أن تكليف باراك يعني "تحييدًا تامًا للخارجية الأميركية والمؤسسات الكلاسيكية من البنتاغون والمؤسسات الأمنية والاقتصادية التي يحتاجها العراق"، واختزال العلاقة الاستراتيجية في عقلية تجارية تتعامل مع الدول كـ"شركات يجب أن تديرها إدارة صارمة".
ويضيف الآلوسي: "إن غياب سفير أميركي أصيل في بغداد يلقي بالعراق في الحسابات الأميركية داخل (منطقة رمادية) تتقلب وفق وتيرة التقارب أو الصدام الأميركي مع أطراف المنطقة (إيران، تركيا، سوريا، إسرائيل)، وهو ما يفتقر إلى مصالح الشعب العراقي والدستور".
ويكشف الآلوسي عن كواليس غائبة بالإشارة إلى أن توم باراك كان من أكبر الداعمين لتجديد الولاية لرئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، "ولولا خطأ السوداني الفادح بالسماح للمليشيات باستهداف الموكب الأميركي الذاهب إلى المطار برفقة الصحفية الأميركية التي كانت مختطفة، لكان السوداني رئيسًا للحكومة اليوم".
وينتقد الآلوسي النظرة الفوقية للمبعوث الجديد قائلًا: "الخطر في باراك أنه ينظر للمنطقة بنظرة الأميركي المتعالي إلى (الهنود الحمر)، وهذه مجازفة بالاستقرار. وأتمنى أن تعزز الخارجية الأميركية سفارتها بحرفيين، وأن يعيد ترامب النظر في حصر مصير المنطقة في انفعالات شخص هو مجرد صديق للرئيس وليس موظفًا سلكيًا أو عسكريًا".
وفي قراءته لآفاق الدعم الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لحكومة بغداد ورئيس وزرائها في ملفات نزع السلاح، والإصلاح، وتجديد بنية الدولة، يبدي الآلوسي تشكيكًا عميقًا في إمكانية بلوغ هذه الأهداف الطموحة عبر "اختزالها في تجربة شخص واحد وانفعالاته"، معقبًا بالقول: «إن الوصول إلى استقرار حقيقي يمر حتمًا عبر بوابات التعاون المؤسساتي المشترك بين بغداد وواشنطن، وتحقيق الأهداف الفعلية التي تضع المصالح الاستراتيجية للشعبين العراقي والأميركي كأولوية مطلقة، وهي مصالح بالتأكيد أكبر بكثير وأعمق من اعتبارات وأولويات ثلاث أو أربع شركات تجارية يبدو أنها كل ما يقع في دائرة اهتمام السفير توم باراك».
جبهة الفساد: تدوير الواجهات واختبار الجرأة
تتجاوز مهام المبعوث الأميركي المثير للجدل، توماس باراك، الترتيبات العسكرية الصرفة لتلامس ملفات المال السياسي، إذ تتحدث الأوساط السياسية في بغداد عن احتمال إشرافه الضمني على حملة ملاحقة "حيتان الفساد" المتهمين بتوفير قنوات التمويل الحيوي لطهران عبر واجهات الفصائل، على غرار ما جرى في عملية الإطاحة بالمسؤول الرفيع في وزارة النفط عدنان الجميلي.
وفي محاولة لشرعنة هذا الحراك، سارع رئيس الوزراء علي الزيدي إلى الإعلان عن تشكيل "المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام"، وهي خطوة تعيد إلى الأذهان مجالس وهيئات مماثلة ولدت وماتت في أروقة بغداد على مدى العشرين عامًا الماضية، وشكّلها أسلافه في المنصب: المالكي، والعبادي، وعبد المهدي، والكاظمي، وأخيرًا السوداني.
ويرى الباحث الاقتصادي زياد الهاشمي أن حملة رئيس الحكومة الجديد ضد الفساد تهدف إلى تحسين سمعته وإثبات جدارته، مشيرًا إلى أن ملاحقة "الواجهات" لا تكفي، لأن الفساد في العراق بنية مؤسسية محمية ومدعومة من قوى الأحزاب والسلاح التي تشكل "صانعة الملوك" الفوقية، والتي لا يمكن لأي رئيس وزراء تجاوز خطوطها الحمر.
وإذ يدعو الهاشمي، في تعليق على لجان الفساد، إلى عدم الإفراط في التفاؤل كون الحكومة ولدت من رحم المنظومة المسببة للأزمات ذاتها، يشير إلى أن الضغوط والمتغيرات الدولية والإقليمية الراهنة قد تكون هي العامل الحاسم في تقزيم الفساد والتضييق عليه تدريجيًا، ومنح الحكومة مساحة للتحرك إن امتلكت الجرأة ونظافة اليد.
ويندفع الزيدي هذه المرة محاطًا بدعم يبدو قويًا وثقيل الوزن من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر؛ دعم تجسد عمليًا في الزيارة الخاطفة واللافتة التي قام بها رئيس الوزراء قبل يومين إلى مقر إقامة الصدر في الحنانة بالنجف الأشرف. وتفيد مصادر مطلعة بأن الزيارة جاءت لتأكيد التزام الحكومة ببنود "المهلة الصدرية" المشروطة بـ90 يومًا، والتي وضعها زعيم التيار كاختبار حاسم لجدية العهد الجديد، مشترطًا تفكيك الفصائل المسلحة وبدء حملة مكاشفة وملاحقة لملفات الفساد الكبرى، كشرط وحيد ومقابل موضوعي لاستمرار المظلة السياسي الشعبية التي يوفرها التيار للحكومة في مواجهة خصومها.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى محليات

cron