تغيير حجم الخط     

على قاعدة “درء الضرر”.. هل تمنح دول الخليج شبكة أمان لإيران أمام ترامب

مشاركة » الاثنين مايو 25, 2026 5:19 pm

يبدو أن لا أحد يراهن الآن على احتمالية تجدد الحرب، التي كانت قبل ثلاثة أشهر احتمالية كبيرة. لو نظرنا إلى التقويم لوجدنا أن ترامب لم يكن يرغب في شن هجوم قبل انتهاء موسم الحج، الذي يأتي بعده عيد الأضحى. ويتوقع أن يبدأ العيد الأربعاء ويستمر أربعة أيام. وقد استجاب ترامب بالفعل لطلب السعودية المبكر بعدم استئناف الحرب ما دام أكثر من مليون ونصف مليون حاج في السعودية، وأن الحرب قد تمنعهم من العودة إلى بلادهم.

جاءت التقارير التي تتحدث عن “تقارب في المواقف” بين إيران وأمريكا، وعن مسودة اتفاق “شبه نهائية”، تنتظر الرد الأمريكي، في أعقاب حملة وساطة كثيفة جرت الجمعة في طهران، شارك فيها إلى جانب وفد باكستان برئاسة رئيس الأركان عاصم منير، وفد قطري رسمي، للمرة الأولى منذ بداية الحرب. وإذا ما تحقق “تقارب جوهري” يفضي إلى صياغة “مذكرة تفاهم” فيتوقع تمديد وقف إطلاق النار لستين يوما آخر، تناقش فيها التفاصيل الفنية والملف النووي.

يبدو أن هذا الاختراق تحقق بعد موافقة إيران، التي كانت تشترط فصل التفاوض حول مضيق هرمز عن الملف النووي، على توحيد النقاش في الموضوعين في الوقت نفسه. كان موقف إيران أن ألا تجرى المفاوضات النووية إلا بعد التوصل إلى اتفاق حول وقف كامل للحرب في كل الجبهات، والحصول على ضمانات بعدم استئنافها، والاتفاق على كيفية تحرير أموالها وأصولها المجمدة في أرجاء العالم، التي تقدر بأكثر من 120 مليار دولار، إضافة إلى رفع العقوبات والتوصل إلى ترتيبات للتعويض عن الأضرار الناتجة عن الحرب.

في المقابل، صممت الولايات المتحدة حتى الآن على مناقشة الموضوع النووي أيضاً، الذي يشمل إخراج اليورانيوم عالي التخصيب من إيران، وحظر تخصيب اليورانيوم في إيران، واستخدام ذلك كأداة ضغط لفتح مضيق هرمز. يبدو أن ترامب، مثل إيران، اضطر إلى التنازل والموافقة على ما يوصف بأنه “اتفاق تدريجي”. وقد تشير مشاركة قطر في المحادثات، “كمساعدة وليس كوسيط” كما حددت إيران دورها، إلى نية التعامل مع الأموال المجمدة كخطوة تمهيدية و”خطوة لبناء الثقة”، من شأنها تقريب المواقف بين الولايات المتحدة وإيران.

ما زالت قطر تحتفظ بحوالي 6 مليارات دولار أمريكي تم تحويلها إلى حساب خاص من كوريا الجنوبية، بموجب اتفاق لتبادل الأسرى والمحتجزين الذي وقع في ولاية بايدن في 2023، الذي توسطت فيه قطر أيضاً. وحسب هذا الاتفاق، سمح لإيران باستخدام هذه الأموال لأغراض إنسانية فقط. ولكن عند اندلاع الحرب في غزة في 7 تشرين الأول، طلب بايدن من قطر تجميد الأموال بالكامل ومنع استخدامها لهذه الأغراض أيضاً. وقد استمرت قطر، التي تعرضت لهجوم بالصواريخ والمسيرات من إيران، أدى إلى تعطيل منشأة إنتاج الغاز الهامة في رأس لافان، التي تنتج حوالي 20 في المئة من الغاز الطبيعي السائل في العالم، في الحفاظ على اتصالها مع إيران طوال فترة الحرب، حتى لو لم تكن كوسيطة رسمية. وجدير بالذكر أنها “نسقت” مع إيران هجوماً “رمزياً” على قاعدة العديد الأمريكية الكبيرة على أراضيها، وذلك في أعقاب الهجوم على إيران في حزيران الماضي.

قد تتولى قطر الآن إدارة ترتيب الإفراج عن بعض أموال إيران المجمدة، والعمل كجهة تمثل موقف دول الخليج في المفاوضات، قبل أي اتفاق سيوقع بين إيران وأمريكا حول مستقبل ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز وأمن الملاحة في الخليج بشكل عام. وقد أوضحت هذه الدول التي تحملت وطأة الهجمات الإيرانية للرئيس ترامب بأنها لا تنوي البقاء في موقع المراقب وانتظار توقيع اتفاق بدون معرفتها، لأن ذلك سيضر بمصالحها. هذا يعني بشكل أساسي طلب إيران الاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز وتحصيل رسوم عبور من كل ناقلة وسفينة تمر فيه. ويعارض ترامب هذا الطلب بشدة (حتى الآن)، حيث يبدو أنه لا ينوي مناقشة طلب إيران بالتعويضات. مع ذلك، ستسعى إيران التي تقدم سيطرتها على المضيق كجزء من “حقها السيادي”، وليس فقط ورقة مساومة، إلى تحقيق أكبر فائدة مالية ممكنة من ذلك. ترغب إيران في التمسك بالملف النووي كأداة ضغط للحصول على الاعتراف بسيطرتها على مضيق هرمز، الذي لم يعد مجرد مصدر دخل محتمل لها، بل أصبح رصيداً حاسماً في تحديد انتصارها في الحرب.

ويفسر النظام الإيراني ذلك في وسائل الإعلام لديه بأن ترامب لا يهتم باستئناف الحرب، وأنه مستعد لدفع ثمن باهظ مقابل “استعراض النصر”. وفي آذار الماضي، نشرت رسائل مسربة لمجموعة خاصة في تلغرام، نسبت لوزير الخارجية السابق جواد ظريف، الذي شغل أيضاً منصب المستشار الخاص للرئيس الحالي مسعود بزشكيان، وكان في السابق رئيس وفد التفاوض حول الاتفاق النووي الذي وقع في 2015. وكتب ظريف بأن “الرئيس الأمريكي لا يصبر على الخطط الطويلة والتقنية، وأن تلميحاته الايجابية قد تكون أكثر فائدة، مثل إعلان إيران بإنهاء حالة العداء بين إيران والولايات المتحدة بعد 47 سنة”.

لا يتوقع من النظام الإيراني أن يكرر الأناشيد التي يشير إليها ظريف، لكن تفسيره لسلوك ترامب يعكس تفسير النظام، الذي يتوقع منه الآن نقل مبدأ “الثبات” من الساحة العسكرية إلى طاولة المفاوضات. وقد وصف أنور قرقاش، المستشار السياسي لرئيس دولة الإمارات، أسلوب عمل إيران بأنه “مفاوضات مفرطة”، ما تسبب -حسب رأيه- في تفويت فرص كثيرة. ويأمل قرقاش ألا تقتصر المفاوضات الحالية على وقف إطلاق النار، بل علاج جذور الصراع، والأهم إعادة الوضع في مضيق هرمز إلى ما كان عليه قبل الحرب.

تشعر دول الخليج بقلق من انخراط الرئيس في “مفاوضات مفرطة”. ومع ذلك، خلافاً لإسرائيل التي تعمل على إقناع ترامب بإنهاء المناورات الدبلوماسية والعودة إلى هجوم واسع وسريع، تبدو دول الخليج قلقة من استئناف الحرب أكثر من قلقها من حل دبلوماسي جزئي وغير كاف. وإن عدم قطع علاقاتها مع إيران رغم الهجمات (دولة الإمارات أغلقت سفارتها في طهران ولكنها لم تعلن عن قطع العلاقات)، والاستمرار في إجراء محادثات مع كبار المسؤولين في إيران، بل ومشاركتها بشكل غير مباشر في جهود الوساطة، قد تشير إلى أنها ستوفر لإيران “شبكة أمان” لتنفيذ الاتفاق مع الولايات المتحدة.

هذه الشبكة قد تشمل أيضاً ترتيبات مشتركة لإدارة الملاحة في الخليج. ورغم عجز هذه الدول عن منع مهاجمة إيران، لكنها أثبتت قدرة تأثير على واشنطن لوقف إطلاق النار وتمديده، ومنع ترامب من كسر القواعد.

تشير المحادثات التي أجراها ترامب مع زعماء السعودية وقطر والإمارات ومصر وتركيا، إضافة إلى نتنياهو، إلى أنه قد استوعب ضرورة التشاور مع هذه الدول وتبديد شكوكها حول انحيازه لإسرائيل.

من جهة أخرى، لا يملك زعماء هذه الدول أي نفوذ للضغط على إيران حول الملف النووي، المتوقع أن يدخل ترامب في مفاوضات شاقة دون ضمانات أو تنازلات، باستثناء التهديد باستخدام القوة إذا خرقت إيران الاتفاق. مع ذلك، خطر هذا التهديد لا يقارن بخطره قبل الحرب عندما أجريت في ظلها المفاوضات السابقة بين الولايات المتحدة وإيران. من غير المعروف بعد ما إذا كانت إيران قد وافقت على نقل اليورانيوم المخصب إلى خارج أراضيها وإلى أين، ومن الذي تنازل عن قضية تخصيب اليورانيوم، وما هي طبيعة ونطاق آلية الرقابة الدولية المكلفة بمنع تخصيب اليورانيوم. من المفروض مناقشة هذه القضايا خلال المفاوضات التي ستمتد 60 يوماً. ويفضل عدم الوقوف مع ساعة توقيت.

تسفي برئيل

هآرتس 25/5/2026
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات

cron