بغداد/ تميم الحسن
شهدت مواقع عسكرية هجمات جديدة يُعتقد أنها أميركية، بعد ساعات فقط من إعلان بغداد منح قواتها "حق الرد" على مصادر النيران.
وأثار القرار جدلاً واسعاً، إذ اعتبره سياسي مقرّب من الحكومة خطوة تهدف إلى "ضبط إيقاع الفصائل"، فيما رأى أحد المحللين أنه "قرار فوضوي".
وفي الحبانية، شرقي الأنبار، كانت الصورة أكثر دموية. أعلنت وزارة الدفاع مقتل وإصابة 20 من عناصر الجيش في هجوم هو الثاني في المنطقة خلال يومين، وسط تضارب في الروايات حول طبيعته.
مصادر أمنية ومحلية قالت إن الاستهداف كان موجهاً أساساً إلى "أمن الحشد الشعبي" داخل مقر مشترك مع الجيش، فيما أشارت معلومات أخرى إلى أن الموقع تعرض لضربات صاروخية، قبل أن ترد طائرات أميركية من طراز (A-10) – المعروفة بـ"الخنزير البري" – على مصادر نيران من داخل المقر نفسه.
رسم بيان الجيش صورة أكثر وضوحاً للحادث، وقال: "إن ضربة جوية استهدفت مستوصف الحبانية العسكري وشعبة الأشغال، أعقبها قصف مدفعي من الطائرات، ما أدى إلى مقتل 7 جنود وإصابة 13 آخرين".
وصفت وزارة الدفاع الهجوم في البيان بأنه "انتهاك صارخ وخطير" للقوانين الدولية، مؤكدة أن استهداف منشآت طبية يُعد تصعيداً يستوجب الرد والمحاسبة، ومشددة على احتفاظها "بحق اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة".
في المقابل، كانت القيادة العسكرية قد منحت الأجهزة الأمنية و"الحشد الشعبي" حق الرد والدفاع عن النفس، بعد مقتل 15 عنصراً من الحشد، بينهم قيادي، في قصف سابق نُسب إلى واشنطن.
وفي تطور لاحق، أعلنت الحكومة أمس استدعاء القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة في بغداد، وتقديم مذكرة احتجاج شديدة اللهجة، على خلفية استهداف مستوصف الحبانية العسكري.
قرار "حق الرد"
في تعليق على القرار، أوضح خالد وليد، عضو ائتلاف "الإعمار والتنمية" الذي يرأسه السوداني، أن إجراءات مجلس الأمن الوطني لا تعني "إعلان حرب أو الدخول في أزمة جديدة"، بل تمثل – بحسب وصفه – عودة إلى إدارة "توازنات دقيقة وواقعية"، تقوم على ترسيخ مفهوم السيادة الوطنية ومنع أي طرف عسكري أو أمني أو سياسي من الانجرار خارج إطار الدولة.
وأشار لـ(المدى) إلى أن هذه الإجراءات تتضمن "تفعيل الملاحقة والمتابعة بحق أي جهة متورطة باستهداف البعثات أو المصالح العامة والخاصة"، إلى جانب اعتماد دبلوماسية حازمة في التعامل مع أطراف الصراع عبر القنوات المتاحة.
وأكد وليد أن الدولة العراقية تقف أمام "تحدٍ صعب وخطير"، يتطلب الحفاظ على البلاد وشعبها ومقدراتها، وتقليل تداعيات ما شهدته الأسابيع الماضية.
وشدد على أن "لا سيادة دون حصر السلاح بيد الدولة"، ولا استقرار دون قرار سيادي واضح، مؤكداً أن إعلان الحرب هو حق حصري للمؤسسات الدستورية، وأن أمن العراق ومؤسساته والبعثات الدبلوماسية يمثل "خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه".
في غضون ذلك، جاء هذا الموقف على وقع تصعيد أمني لافت، كان أبرز فصوله الهجوم الذي استهدف مبنى جهاز المخابرات وسط بغداد مطلع الأسبوع، حيث وُجهت أصابع الاتهام فيه إلى فصائل عراقية.
وفي تطور متصل، دعت "كتائب حزب الله" إلى المشاركة في تحقيقات مشتركة مع الحكومة، متهمةً بعض عناصر جهاز المخابرات بنقل معلومات إلى "الموساد"، بعد اتهامات سابقة أشارت إلى ارتباطهم بدولة الإمارات.
شروط إعلان الحرب
وفي سياق تصاعد الحديث عن الحرب، أعلن "الإطار التنسيقي"، مساء الثلاثاء، دعمه لقرار المجلس الوزاري للأمن الوطني القاضي بالسماح للقوات الأمنية العراقية بالدفاع عن نفسها، في خطوة تعكس غطاءً سياسياً للتحركات الميدانية الأخيرة.
وفي موازاة ذلك، كشف فائق زيدان عن توضيح الإجراءات القضائية المتخذة بحق الجهات التي تستهدف مؤسسات الدولة والبعثات الدبلوماسية، خلال الاجتماع الأخير للتحالف الشيعي.
وذكر بيان صادر عن مجلس القضاء الأعلى أن زيدان حضر اجتماع "الإطار التنسيقي"، حيث استعرض الآليات الدستورية والقانونية الواجب اتباعها في حال إعلان الحرب، إلى جانب شرح الإجراءات القضائية بحق من يخرق الدستور عبر الاعتداء على المؤسسات الرسمية أو البعثات الأجنبية.
وبحسب الدستور العراقي، فإن قرار إعلان الحرب والسلم لا يُتخذ بشكل منفرد، بل يُعد من الصلاحيات السيادية المشتركة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
وتنص المادة (61/تاسعاً/أ) على أن مجلس النواب يختص بالموافقة على إعلان الحرب وحالة الطوارئ بأغلبية الثلثين، بناءً على طلب مشترك من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، ما يعكس تعقيد هذا القرار في ظل الظروف الحالية.
"فوضى القرارات"
وفي قراءة أكثر حدة، يرى الباحث المقيم في أستراليا ورئيس المركز العربي–الأسترالي للدراسات الاستراتيجية، أحمد الياسري، لـ(المدى)، أن المشهد العراقي يعيش "فوضى قرارات" تعكس غياب مسار منظومي قادر على ضبط الإيقاع الداخلي، وهو ما ينعكس مباشرة على الارتباك في إدارة العلاقات الخارجية.
ويعتقد الياسري أن العراق، لو امتلك قراراً سيادياً وأمنياً موحداً، لكان قادراً على "فرض شروطه" في مواجهة التنافس الأميركي–الإيراني، بدلاً من أن يتحول إلى ساحة مفتوحة تُستهدف من الطرفين.
وانتقد ما وصفه بـ"ضعف الرؤية السياسية" لدى محمد شياع السوداني، معتبراً أن قراراته الأخيرة تمنح مبررات إضافية لاستهداف "الحشد الشعبي"، وفي الوقت نفسه تفتح المجال أمام الفصائل لتكثيف هجماتها ضد المصالح الأميركية، ما يوسع دائرة الاشتباك داخل البلاد.
ويضيف أن الرد الحكومي، بصيغته الحالية، يعزز "مركزية الفصائل" على حساب "مركزية الدولة"، ويغذي حالة التصادم الداخلي، ويزيد من تعقيد التنافس بين واشنطن وطهران على الساحة العراقية.
كما يشير إلى أن الولايات المتحدة وعدداً من الدول العربية لا تتبنى فكرة الفصل بين "الحشد" والفصائل المسلحة، بل تنظر إلى المنظومة ككل على أنها مصدر تهديد إقليمي، وهو تصور قديم – بحسب قوله – لم يتغير رغم محاولات الفصل إعلامياً.
ويستدل الياسري على ذلك بالتداخل البنيوي بين الطرفين، حيث إن العديد من الفصائل تمتلك ألوية ضمن "الحشد الشعبي"، فيما يشغل قادتها مناصب رسمية داخله، ما يجعل الفصل بينهما عملياً أمراً شديد التعقيد.
ويخلص إلى أن غياب معالجة تشريعية واضحة منذ إقرار قانون الحشد عام 2016 أدى إلى هذا التداخل، بحيث لم يتم تحصين المؤسسة رسمياً، بل جرى – وفق تعبيره – "التضحية بالحشد من أجل حماية الفصائل"، وهو ما فاقم الأزمة بدل حلها.