بغداد/ تميم الحسن
رفعت الفصائل المسلحة وتيرة هجماتها داخل العاصمة، كردٍّ مباشر على اعتقال الحكومة عدداً من المسؤولين المتورطين في الهجمات الأخيرة، بحسب معلومات حصلت عليها (المدى).
مصادر أمنية أكدت أن السلطات نجحت بالفعل في إلقاء القبض على عدد من المسؤولين عن تلك الهجمات، من دون الكشف عن أعدادهم أو هوياتهم، لكنها أقرت بأن هذا الإجراء أشعل فتيل التصعيد.
وسط هذا المشهد، تجد بغداد نفسها في لحظة "غير منطقية"، كما يصفها محللون، تحاول فيها الإمساك بخيطٍ رفيع بين واشنطن وطهران.
وداخل السلطة، يعود ما يسميه سياسي شيعي "سيناريو المخاتلة"، حيث يختلط العمل السياسي بالفعل الفصائلي.
وللمرة الأولى، امتدت الهجمات إلى أهداف غير مألوفة، إذ طالت فنادق فاخرة في بغداد، في تطورٍ وصف بأنه غير مسبوق، ويعكس تحوّلاً في طبيعة الرسائل التي تحاول تلك الجماعات إيصالها.
رئيس الحكومة المنتهية ولايته، محمد شياع السوداني، أعلن من جانبه ملاحقة مرتكبي الهجمات التي استهدفت حقل مجنون النفطي، وفندق الرشيد، ومقر السفارة الأميركية.
وأكد، عبر الناطق باسم القائد العام صباح النعمان، أن هذه الاعتداءات تمثل تهديداً مباشراً لأمن البلاد واستقرارها، وتقويضاً لجهود البناء.
وشدد البيان على أن القوات الأمنية تتعرض بدورها لهجمات، سقط فيها قتلى وجرحى، فيما تتكرر الاعتداءات على منشآت حيوية وبعثات دبلوماسية.
وأمر السوداني الأجهزة الأمنية بتعقب المنفذين "فوراً"، مؤكداً أن "أمن الدولة خط أحمر".
هذه التوجيهات جاءت بعد ليلةٍ وُصفت بأنها من الأكثر توتراً، حيث استهدفت صواريخ وخمس طائرات مسيّرة، على الأقل، السفارة الأميركية في بغداد.
وتم إسقاط اثنتين من المسيّرات بواسطة منظومة "سي-رام"، فيما سقطت الثالثة داخل المجمع، مخلفةً ألسنة نار ودخان. ولاحقاً، تعرضت منشأة دبلوماسية قرب مطار بغداد لهجومٍ آخر، وسط دوي صفارات الإنذار.
هذا التصعيد ليس معزولاً. فالجماعات المسلحة، وفق بياناتها، شنت أكثر من 300 هجوم على المصالح الأميركية في العراق منذ اندلاع الحرب في 28 شباط.
وفي تطور موازٍ، أعلنت "كتائب حزب الله" مقتل أحد قادتها البارزين، أبو علي العسكري، وتعيين بديلٍ له هو أبو مجاهد العساف، فيما أكدت قوات "الحشد الشعبي" مقتل ثمانية من مقاتليها بضربات جوية في القائم، نُسبت إلى إسرائيل.
وفي الداخل، انتشرت القوات الأمنية، وأُغلقت المنطقة الخضراء، التي تضم المؤسسات الحكومية والبعثات الدبلوماسية، في محاولة لاحتواء الموقف.
توازن هشّ على حافة الانفجار
سياسياً، يكشف سياسي شيعي أن أطرافاً داخل "الإطار التنسيقي" تدعم، بشكل غير معلن، ضرب المصالح الأميركية، معتبرةً ذلك تعبيراً عن "رد فعل شعبي".
ويقول: "هذا لم يأتِ من فراغ، بل تغذّى على وقع الضربات التي تنفذها واشنطن وإسرائيل ضد إيران وجنوب لبنان، ما أضفى على الهجمات بُعداً يتجاوز الداخل العراقي".
السياسي الشيعي، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه لحساسية المعلومات، يقرأ المشهد بوصفه إعادة إنتاج لسيناريو قديم. يقول إن ما يجري اليوم ليس جديداً، بل تكرار لما شهدته البلاد في السنوات الماضية من "مخاتلة" بين العمل السياسي والنشاط الفصائلي، وهي إشكالية لطالما اشتكى منها كلٌّ من مصطفى الكاظمي وحيدر العبادي خلال فترتي حكمهما.
ورغم تأكيد محمد شياع السوداني في أكثر من مناسبة أن قرار السلم والحرب هو من اختصاص الدولة وحدها، إلا أن الوقائع على الأرض تبدو أكثر تعقيداً.
في قلب هذه المعادلة، يوضح خالد المرسومي، عضو ائتلاف "الإعمار والتنمية"، أن الحكومة تقف أمام توازنات "دقيقة ومعقدة وخطرة جداً". فمن جهة، هناك التزامات دولية تفرض على بغداد حماية السفارات والبعثات الأجنبية والشركات العاملة في البلاد، حفاظاً على المصالح السيادية سياسياً واقتصادياً. ومن جهة أخرى، تواجه الحكومة ضغوطاً متزايدة بسبب الخروقات الأمنية واستهداف مواقع "الحشد الشعبي"، بوصفه مؤسسة أمنية عراقية.
ويحذر المرسومي في حديث لـ(المدى) من أن أي انزلاق نحو صراع داخلي قد يجعل الوضع أكثر هشاشة، في وقت تحاول فيه الحكومة تقليل الأضرار واحتواء تداعيات المرحلة. ويشير إلى أن بغداد تسعى إلى فتح قنوات سياسية ودبلوماسية لوقف التصعيد، بالتوازي مع جهود لإعادة استقرار تصدير النفط إلى الأسواق العالمية، تجنباً لأزمة اقتصادية قد تضرب البلاد على المدى المتوسط.
وفي هذا السياق، يكثف السوداني تحركاته عبر ما بات يُعرف بـ"دبلوماسية الهاتف"، من خلال اتصالات مع قادة الخليج ودول عربية، في محاولة لاحتواء اتساع رقعة الحرب ومنع انعكاساتها من التفاقم داخل العراق.
بغداد أمام خيار حاسم: واشنطن أم الفصائل؟
وفي قراءة أكثر حدّة، يقدّم الدبلوماسي السابق غازي فيصل توصيفاً مختلفاً للمشهد، إذ يرى أن الحكومة العراقية، بحكم تركيبتها القائمة على قوى "الإطار التنسيقي"، لا يمكن فصلها عن مواقف هذه الأحزاب التي تعلن صراحة تحالفها وعلاقاتها الاستراتيجية مع إيران.
من هذا المنطلق، يعتقد فيصل في حديث لـ(المدى) أن على الحكومة أن تحسم خيارها، وأن تذهب إلى مواجهة واضحة لوقف هجمات الفصائل المسلحة التي تستهدف السفارة الأميركية ومطار بغداد ومواقع حيوية أخرى، سواء داخل العاصمة أو في إقليم كردستان وباقي المحافظات، إضافة إلى عمليات الاغتيال والخطف.
ويشير إلى أن نشاط هذه الفصائل لا يقتصر على الداخل العراقي، بل يمتد إلى استهداف القواعد الأميركية في الخليج والأردن، ما يعني، بحسب رأيه، أن هذه الجماعات باتت في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة على مستوى الإقليم بأكمله.
هذا الواقع، كما يصفه فيصل، يضع بغداد أمام تناقض صارخ: كيف يمكن أن تحافظ على صفة "الحليف" لواشنطن، في ظل وجود اتفاقيات استراتيجية وتحالف دولي لمكافحة الإرهاب بقيادتها، بينما تستمر في الوقت ذاته بدعم أو الدفاع عن فصائل تصنّفها الولايات المتحدة كتنظيمات إرهابية، في حين تعتبرها الحكومة جزءاً من منظومة الأمن الوطني؟
ويرى أن هذا التناقض لا يمكن تسويته عبر الدبلوماسية أو التفاهمات المؤقتة، بل يفرض خياراً حاسماً: إما الانخراط الكامل ضمن تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة وأوروبا، أو الانزلاق نحو نموذج تهيمن فيه الفصائل المسلحة على القرار، على غرار تجارب إقليمية أخرى، تحت مظلة "الحرب المقدسة" ومرجعية "الولي الفقيه".
وفي خضم هذا الجدل، كانت بغداد قد أعلنت في أيلول 2023 بدء انسحاب القوات الأميركية من القواعد العراقية على مرحلتين، على أن يكتمل الانسحاب بحلول نهاية عام 2026.
"جراحة النظام"
ويذهب غازي فيصل، الذي يرأس أيضاً المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، أبعد من تشخيص الأزمة، ليطرح ما يصفه بـ"الحل الجذري" لأزمة الدولة في العراق. فبرأيه، لا يمكن معالجة هذه الإشكالية عبر إجراءات مؤقتة أو تسويات سياسية، بل تتطلب "جراحة عميقة" تطال بنية النظام السياسي والدستور معاً.
ويؤكد أن المدخل الحقيقي للحل يكمن في ترسيخ مفهوم "الدولة المدنية الديمقراطية التعددية، القائمة على مؤسسات واضحة وفصل حقيقي بين الدين والسياسة"، وهو ما يراه غائباً في التطبيق رغم حضوره في النصوص.
ويشير إلى مفارقة يصفها بـ"غير المعقولة"، إذ ينص الدستور على أن العراق دولة مدنية ديمقراطية، بينما تحتكر الأحزاب الدينية السنية والشيعية مفاصل السلطة، وتسيطر على الرئاسات منذ عام 2005، في تناقض صارخ مع مبدأ التداول السلمي للسلطة.
ويحذر فيصل من تصاعد ما يسميه "الدعوات الخطيرة" لدى بعض القيادات، التي تتحدث عن "الحاكمية الشيعية"، معتبراً أنها تعني عملياً ترسيخ نموذج "ولاية الفقيه" داخل العراق، وهو ما يعمّق أزمة النظام بدل حلها.
وبحسب رؤيته، فإن هذه التناقضات المتراكمة لا يمكن تجاوزها إلا عبر "تعديلات جوهرية" تعيد بناء الدولة على أسس ديمقراطية حقيقية، تقوم على فصل السلطات، وإنهاء التداخل بين الديني والسياسي، وضمان انتقال سلمي فعلي للسلطة.
ويخلص إلى أن نموذج الدولة المدنية في العالم لا يقوم على هيمنة الأحزاب الدينية، بل على مؤسسات محايدة، وهو ما يجعل العراق – وفق هذا الطرح – أمام استحقاق إعادة تعريف نظامه السياسي بالكامل.