لندن ـ «القدس العربي»: تحطم صاروخ صيني خارج عن السيطرة في جنوب المحيط الهادئ، فيما فعّلت بريطانيا نظام الإنذار في حالات الطوارئ تحسباً لسقوط حطام فضائي، في الوقت الذي اندلعت فيه حالة من الرعب خشية أن يؤدي هذا الحطام المحتمل إلى خسائر أو يسقط على رؤوس البشر فوق المناطق المأهولة.
وقال تقرير نشرته جريدة «دايلي ميل» البريطانية، واطلعت عليه «القدس العربي»، إن الحكومة البريطانية طلبت الأسبوع الماضي من مزودي شبكات الهاتف المحمول ضمان جاهزية نظام الإنذار، تحسباً لاحتمالية الاصطدام.
ومع ذلك، هبط الصاروخ في وقت لاحق بسلام في المحيط على بعد حوالي 2000 كيلومتر (1200 ميل) جنوب شرق نيوزيلندا.
وتحطم الصاروخ، وهو من طراز «Zq-3» الصيني الذي أُطلق في أوائل كانون الأول/ديسمبر 2025، على الأرض في تمام الساعة 12:39 بتوقيت غرينتش من يوم الاثنين الثاني من شباط/فبراير 2026، وفقاً لقوة الفضاء الأمريكية.
وبكتلة تُقدر بـ11 طناً، حذرت وكالة مراقبة وتتبع الفضاء التابعة للاتحاد الأوروبي من أن Zq-3 R/B «جسم كبير الحجم نسبياً يستحق مراقبة دقيقة».
وبينما تحترق الغالبية العظمى من الحطام الفضائي الذي يسقط على الأرض في الغلاف الجوي أو لا يُعثر عليه أبداً، يؤكد الخبراء أننا نستطيع التأكد من سقوط هذا الصاروخ بسلام.
ويقول الدكتور ماركو لانبروك، خبير تتبع الحطام من جامعة دلفت للتكنولوجيا، إنه «يشتبه بشدة» في أن القوات الفضائية الأمريكية رصدت كرة اللهب العائدة إلى الغلاف الجوي باستخدام قمر اصطناعي.
ويضع هذا حداً للغموض الشديد الذي ساد حول موقع هبوط الصاروخ المحتمل، بعد أن أشارت التوقعات إلى احتمالية اصطدامه بشمال أوروبا والمملكة المتحدة.
وأُطلق الصاروخ من قبل شركة الفضاء الخاصة «لاند سبيس» من مركز جيوتشوان لإطلاق الأقمار الاصطناعية في مقاطعة قانسو الصينية في 3 كانون الأول/ديسمبر 2025.
ووصل الصاروخ التجريبي، المسمى «ZQ-3 R/B»، إلى مداره بنجاح، لكن مرحلته المعززة القابلة لإعادة الاستخدام، والمصممة على غرار صاروخ فالكون 9 التابع لشركة سبيس إكس، انفجرت أثناء الهبوط.
وبدأت المراحل العليا وحمولتها «الوهمية»، على شكل خزان معدني كبير، بالانزلاق ببطء خارج مدارها.
وبسبب زاوية دخول الصاروخ المنخفضة، كان من الصعب للغاية التنبؤ بدقة بمكان سقوط أي من أجزائه.
وفي ذلك الوقت، صرّح البروفيسور جوناثان ماكدويل، عالم الفلك من مركز هارفارد-سميثسونيان للفيزياء الفلكية والخبير في تتبع الحطام الفضائي: «سيمر فوق منطقة إنفرنيس-أبردين الساعة 12:00 بالتوقيت العالمي المنسق، لذا هناك احتمال ضئيل -بضعة بالمئة- أن يعود إلى الغلاف الجوي هناك، وإلا فلن يحدث ذلك فوق بريطانيا». وليس من النادر أن تسقط أجزاء من حطام الصواريخ والأقمار الاصطناعية على الأرض، حيث يمر الحطام فوق بريطانيا حوالي 70 مرة شهرياً.
وتحترق الغالبية العظمى من المواد عند دخولها الغلاف الجوي نتيجة احتكاكها به. وفي بعض الحالات، قد تصل قطع كبيرة جدًا من الحطام أو شظايا من مواد مقاومة للحرارة، مثل الفولاذ المقاوم للصدأ أو التيتانيوم، إلى الأرض.
مع ذلك، تتناثر هذه القطع عادةً فوق المحيطات أو المناطق غير المأهولة.
صرح متحدث باسم الحكومة البريطانية: «من المستبعد جداً دخول أي حطام إلى المجال الجوي البريطاني. وكما هو متوقع، لدينا خطط مُحكمة التدريب لمواجهة مختلف المخاطر، بما في ذلك تلك المتعلقة بالفضاء، والتي تُختبر بشكل دوري مع شركائنا».
وبينما يكاد يكون من المستحيل أن يتسبب هذا الصاروخ الساقط في أضرار للأرواح أو الممتلكات، حذر الباحثون من تزايد خطر الحطام الفضائي.
والحالة الوحيدة المسجلة لإصابة شخص بحطام فضائي وقعت عام 1997، عندما أصيبت امرأة بقطعة وزنها 16 غراماً من صاروخ دلتا2 أمريكي الصنع، لكنها لم تُصب بأذى.
ومع ازدياد عدد عمليات الإطلاق التجارية، يزداد أيضاً حجم عمليات العودة غير المنضبطة إلى الغلاف الجوي.
وأشارت دراسة حديثة أجراها علماء في جامعة كولومبيا إلى أن هناك احتمالاً بنسبة 10 في المئة لوفاة شخص أو أكثر بسبب حطام فضائي خلال العقد القادم.
وبالمثل، حذر باحثون بشكل متزايد من أن الحطام المتساقط قد يُشكل تهديدًا لحركة الطيران، مع احتمال بنسبة 26 في المئة لسقوط جسم ما في بعض أكثر الأجواء ازدحاماً في العالم سنوياً.
والاحتمالات الفعلية لإصابة طائرة ضئيلة جداً حالياً، لكن قطعة كبيرة من الحطام الفضائي قد تؤدي إلى إغلاقات واسعة النطاق وفوضى عارمة في حركة السفر.
ومع ذلك، قدّرت دراسة أجريت عام 2020 أن خطر اصطدام أي رحلة تجارية بصاروخ قد يرتفع إلى حوالي واحد من كل ألف بحلول عام 2030.
وليست هذه المرة الأولى التي يسقط فيها صاروخ صيني الصنع ضخم خارج مداره بشكل غير متوقع. ففي عام 2024 سقطت مرحلة معززة من صاروخ لونغ مارش 3ب، شبه مكتملة، فوق قرية في منطقة حرجية بمقاطعة قوانغشي الصينية، وانفجرت في كرة نارية هائلة.
ويقول علماء الفضاء ومراكز الرصد إنه يوجد حالياً أكثر من 170 مليون قطعة من الأقمار الصناعية المعطلة والصواريخ المستهلكة ورقائق الطلاء تُشكل «تهديداً» لصناعة الفضاء.
ويُقدر وجود 170 مليون قطعة مما يُسمى «الحطام الفضائي»، وهي بقايا مهمات فضائية تتراوح أحجامها بين أجزاء الصواريخ المستهلكة ورقائق الطلاء، في المدار إلى جانب بنية تحتية فضائية تُقدر قيمتها بنحو 700 مليار دولار أمريكي.
لكن لا يتم تتبع سوى 27 ألف قطعة منها، ونظراً لقدرة هذه الشظايا على التحرك بسرعات تتجاوز 27 ألف كيلومتر في الساعة، فإنه حتى القطع الصغيرة منها قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بالأقمار الاصطناعية أو تدميرها.
ومع ذلك، فإن طرق الإمساك التقليدية غير فعالة في الفضاء، حيث لا تعمل أكواب الشفط في الفراغ، كما أن درجات الحرارة منخفضة جداً بحيث لا تسمح باستخدام مواد مثل الشريط اللاصق والغراء. أما أدوات الإمساك التي تعتمد على المغناطيس فهي عديمة الجدوى لأن معظم الحطام الموجود في مدار الأرض غير مغناطيسي.
ومعظم الحلول المقترحة، بما فيها رماح الحطام، تتطلب أو تُسبب تفاعلاً قاسياً مع الحطام، مما قد يدفع هذه الأجسام في اتجاهات غير مقصودة وغير متوقعة.
ويشير العلماء إلى حادثتين فاقمتا مشكلة الحطام الفضائي بشكل كبير، الأولى كانت في شباط/فبراير 2009، عندما اصطدم قمر اصطناعي للاتصالات تابع لشركة إيريديوم مع قمر كوسموس-2251، وهو قمر اصطناعي عسكري روسي، عن طريق الخطأ.
أما الثانية كانت في كانون الثاني/يناير 2007، عندما اختبرت الصين سلاحاً مضاداً للأقمار الاصطناعية على قمر اصطناعي قديم للأرصاد الجوية تابع لشركة فنغيون.
وأشار الخبراء إلى أن الموقعين أصبحا مكتظين بشكل مثير للقلق، حيث إن الأول هو المدار الأرضي المنخفض الذي تستخدمه أقمار الملاحة الفضائية، ومحطة الفضاء الدولية، والبعثات الصينية المأهولة، وتلسكوب هابل، وغيرها.
أما الثاني فهو المدار الثابت بالنسبة للأرض، وتستخدمه أقمار الاتصالات والأرصاد الجوية والمراقبة التي يجب أن تحافظ على موقع ثابت بالنسبة للأرض.