الوثيقة | مشاهدة الموضوع - عراقيون في المهجر يرفضون العودة لبلدهم فما هي الأسباب؟ خالد الخليل
تغيير حجم الخط     

عراقيون في المهجر يرفضون العودة لبلدهم فما هي الأسباب؟ خالد الخليل

مشاركة » الأحد ديسمبر 08, 2019 5:40 am

9.jpg
 
لقد مرّ أكثر من عامين منذ إعلان القوات العراقية هزيمة تنظيم “الدولة” في كافة أنحاء العراق، إلا أن كثيرا من النازحين والمهجرين داخل وخارج البلد ما زالوا عازفين عن العودة إلى مناطقهم. فما هي الأسباب؟ وما أبرز المعوقات؟ وهل تقوم الحكومة العراقية بواجبها في تذليل العقبات التي تُثنيهم عن العودة؟

“لقد هربتُ من منزل عمري في أوّل شهر آب/اغسطس عام 2014 بعد أن استيقظنا ليلا على أخبار اجتياح تنظيم “الدولة” لمنطقتنا قره قوش، شرق الموصل، فتركنا كل شيء إلا ما خف حمله متوجهين نحو المجهول. وصلنا أربيل فبتنا في الشوارع أول ليلة، وكانت ليلة لا تنسى، ثم استأجرنا منزلا في أطراف المدينة. اضطررتُ بعدها لأن أعمل ساعات طويلة كي أستطيع توفير لقمة عيش وأدنى درجات الحياة الكريمة لزوجتي وأطفالي. لقد بدأتُ من الصفر بعد أن ظننا أننا بنينا كل شيء” يقول ربيع ميلاد (39 عاما) مسيحي من ناحية الحمدانية شمال العراق لـ”القدس العربي” من ضواحي باريس، وأضاف “وصل بي المطاف إلى فرنسا بعد رحلة تهريب محفوفة بالمخاطر اجتزتُ خلالها بحارا وغابات، وعانيت طويلا حتى حصلت على اللجوء، فهل من السهل اليوم أن أتخذ قرار العودة إلى حيث سبب ومبدأ المعاناة؟”. وحكى أيضا عن معارف وأصدقاء له عادوا إلى منازلهم التي هجروها في المنطقة نفسها التي كان يعيش فيها، فوجدوها إما ركاما بفعل القصف، أو سوداء محترقة نتيجة الحرب” وأوضح أن “أصحابها ما زالوا ينتظرون تعويضات وعدتهم بها حكومة بغداد، إذ هم غير قادرين على إعادة بنائها”.

وعلى عكس ما كان يُظَن، فإن زوال تنظيم “الدولة” لم يعنِ بالضرورة عودة المهجرين والنازحين سريعا إلى ديارهم، حيث كشفت منظمة الهجرة الدولية عن أسباب كثيرة تقف وراء عدم استعداد مهجري الخارج أو الداخل العودة إلى مدنهم الأصلية، أبرزها عدم وجود دور للسكن بديلة عن تلك التي دمرتها الحرب، وغياب مصادر العيش، والوضع الأمني الهش. وقالت المنظمة في دراسة أجرَتها أن 61 في المئة من النازحين تجاوزت مدة نزوحهم ثلاث سنوات، وأنهم أصبحوا شبه مستوطنين في مناطقهم المستضيفة. وكشفت المنظمة أيضا عن أن 52 في المئة ممن استطلعت آرائهم لم يُبدوا رغبة في العودة.

غسان عبد يعمل في شركة الرافدين العراقية للنقل البري داخل مدينة سامسون التركية، قال إن أعداد العائدين إلى العراق عن طريق شركتهم تراجعت بشكل كبير منذ أواسط العام 2018. وأضاف لـ”القدس العربي” أنهم “كانوا يأخذون أسعارا كبيرة كأجرة للشخص الواحد إذا ما رغب بالعودة للعراق، وذلك لوجود زخم حجوزات باتجاه العراق حينئذ” لكنهم اليوم حسب قوله “يعرضون مبالغ رمزية زهيدة لتشجيع من يرغب في العودة، ولكي لا ترجع نقليات شركتهم فارغة إلى العراق، ومع هذا فإن أكثر من نصف المقاعد تظل خالية”.

تركيا تعد اليوم المكان الأبرز للعراقيين المهجرين، ذلك أنها كانت مقصد كل من ضاقت به الأرض عقب أزمة الحرب الشاملة ضد تنظيم “الدولة” وكانت محطة للتوجه إلى أوروبا. فعلى أرضها يتواجد ما يقارب المئة ألف من الذين يحملون ورقة الحماية الدولية المؤقتة، ومثلهم تقريبا ممن يحمل صفة مقيم سياحي، لكنهم يستخدمون ذلك لأغراض اللجوء حسب وزارة الداخلية التركية. ويعيش أغلب المهجرين العراقيين هناك في بيوت مستأجرة، ويعملون في مهن بدنية بعضها شاق جدا. ودائما ما تُوجّه اتهامات لأرباب العمل الأتراك باستغلال العمالة العراقية وتشغيلهم بمبالغ زهيدة.

إلى ذلك، قال كرار عباس الموظف في القنصلية العراقية في إسطنبول خلال اتصال أجريناه معه أنهم “يستلمون يوميا عشرات الطلبات الورقية والإلكترونية من العراقيين المقيمين في عموم تركيا لاستصدار جوازات جديدة أو تجديد قديمة” مبينا أنه “تم إنجاز 1542 معاملة خلال شهر تشرين الأول/اكتوبر الماضي” وقال إن “القنصلية تقوم بتوجيه من السفارة على تشجيع المراجعين للعودة الطوعية إلى العراق، من خلال توفير باصات نقل مجانية لكل من يرغب في العودة” لكنه أوضح أن “التقارير التي يرفعونها إلى مراجعهم في العراق كجزء من مسؤولياتهم، تُبيّن مستوىً ثابتاً تقريبا لعديد المهجرين في هذا البلد، وهو ما يدل على أن الناس ما زالت عازفة عن العودة إلى بلدها”.

وبجانب هذا، هناك أسباب كثيرة يسردها كل مـن التقينا أو اتصلنا به من النازحين العراقيين في تركيا ومصر والأردن، وكان مجملها يدور حول الخوف من التعرض للتمييز في حال العودة، أو الدخل المحدود من خلال ضعف مصادر الرزق، وكذلك الخشية من تكرار الأزمات السابقة، وأيضا، غياب القانون الحقيقي ومركزية الدولة. في هذا السياق قال العميد المتقاعد وعد حنوش الذي يسكن مع عائلته في القاهرة، أنهم “غير مستعدين للعودة إلى مدينتهم بغداد التي هجروها عام 2006 وذلك لبقاء الظروف التي تركوا البلد بسببها، كالتهديد الميليشياوي، وضعف يد القانون”. وأوضح حنوش أنه يعيش هناك في شقة مستأجرة، ويدرس أولاده في مدرسة خاصة، ويصرف من راتبه التقاعدي الذي يستلمه عن طريق بطاقة ماستر كارد.

إلى ذلك، فإن ظروف وأسباب عزوف النازحين عن العودة إلى العراق تختلف من مكان إلى آخر، إذ أن النازحين في تركيا مثلا يتوجسون أمنيا في حال عودتهم، بينما أولئك الذين وصلوا أوروبا ينوي أغلبهم البقاء سعيا وراء الجنسية الأوروبية، وإكمال إجراءات اللجوء. وهو ما قالته آمال طه (أم لثلاثة أطفال) وتعيش في ألمانيا، حيث بينت أنها لا تنوي مغادرة ألمانيا حتى تحصل على الجنسية، وأفادت “بعد حصولي على الجنسية يمكنني حينها أن أذهب حيث أشاء”. وهذا يمثل رأي أغلب من سألناهم.

وكانت ألمانيا أعلنت العام الماضي نيّتها ترحيل 10 آلاف عراقي إلى بلدهم، لكن أغلبهم يرفضون العودة، وخلال زيارة سابقة لوزير التنمية الألماني غيرد مولر إلى بغداد أعلن عن توقيع مذكرة تفاهم مع بغداد لإعادة اللاجئين الذين انتفت أسباب بقائهم، وطالب غيرد اللاجئين بالعودة طواعية وليس كـ “خاسرين”. وأضاف أنهم “يعملون مع بغداد لتهيئة كافة الأجواء لعودة 10 آلاف لاجئ من خلال خلق فرص عمل وبيئة اقتصادية مشجعة لهم، وتحدث عن “مركز مشورة تم افتتاحه في العراق لتقديم النصح للعائدين”. وحسب بيانات وزارة التنمية الألمانية، فإن هناك نحو 12 ألف عراقي من إجمالي 240 ألفا في ألمانيا ملزمين بالرحيل.

تعقيبا، أعلنت وزارة الهجرة العراقية في أكثر من مناسبة رفضها الإعادة القسرية للاجئين العراقيين في دول المهجر، وقالت إنها تتواصل مع الجهات المعنية عبر سفاراتها في تلك الدول لتذليل كافة العقبات أمام اللاجئين، أو من قدموا طلبات لجوء، أو حتى أولئك الذين رُفضت طلبات لجوئهم، من أجل إيجاد أفضل الحلول للمشاكل والصعوبات التي تواجههم.

وتنوي الولايات المتحدة الأمريكية ترحيل ما يقارب 1400 لاجئ عراقي إلى بغداد، لكن العراق ظل يرفض استقبال لاجئين عائدين قسرا سوى أولئك المتهمين بقضايا إرهابية حتى قبوله مؤخرا باستقبال المرحلين قسرا مقابل رفعه من قائمة الدول السبع التي حظر الرئيس ترامب سفر مواطنيها إلى الولايات المتحدة، وقد قامت الولايات المتحدة بالفعل بترحيل ما يقارب الأربعين لاجئ قسريا عن طريق بلد ثالث. حيث قال أحمد (اسم مستعار كونه رفض كشف هويته) لـ”القدس العربي” إنه تم ترحيله من الولايات المتحدة نهاية عام 2017 بعد مخالفات قانونية ارتكبها هناك، وكذلك نقص في وثائقه العراقية، وهو الأمر الذي تعده الولايات المتحدة مُستدعياً للترحيل، وأضاف أنه وُضع في طائرة متوجهة للبحرين ورافقه عنصران أمريكيان من وكالة الاستخبارات الأمريكية حتى وصوله، ثم أُركِب طائرة إلى بغداد. وادّعى أحمد أن العنصرين هدّداه بكشف نوع الجرائم التي ارتكبها في أمريكا للحكومة العراقية إذا لم يقم بالتوقيع على أوراق الترحيل، وأخبراه أنه سيسجن في العراق إذا ما كُشِفت جرائمه. يذكر أنه بعد أن وافق العراق على استقبال المبعدين قسريا، اعتقلت الولايات المتحدة أكثر من 300 عراقي واحتجزتهم، ثم أُمروا بالرحيل رغم إقامة العديد منهم بصورة قانونية في الولايات المتحدة لعقود، وامتلاكهم روابط عائلية ومجتمعية واسعة هناك.

وقد ناشد كل من التقت “القدس العربي” به من عراقيي المهجر الحكومة العراقية عموما ووزارة الهجرة والمهجرين على وجه الخصوص أن يلتفتوا إلى مشاكلهم بحرص ورحمة، وأن يتواصلوا مع كل صاحب علاقة لتيسير الصعوبات، وتمنوا أيضا أن تنتهي كل المشاكل السياسية والاقتصادية والأمنية ليتمكنوا من العودة الطوعية إلى بلدهم العراق.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات