الوثيقة | مشاهدة الموضوع - نسخة الاستعمار الحديث العراق يدفع ثمن حصار إيران الاقتصادي : سامي البدري
تغيير حجم الخط     

نسخة الاستعمار الحديث العراق يدفع ثمن حصار إيران الاقتصادي : سامي البدري

مشاركة » الأحد ديسمبر 08, 2019 5:37 am

8.jpg
 
مثلما لا يخفى على أحد التدخل الإيراني في العراق، وبالذات بصيغته الايديولوجية، فإن المواطن العراقي لم يعد لديه أدنى شك بهيمنة طهران على مفاصل دولته ومفاعيل عمليتها الاقتصادية، ليس عبر التسريبات الإعلامية من داخل دوائر الحكومة العراقية وحسب، إنما عبر أشكال الغزو التجاري للأسواق العراقية وتعطيل كل أشكال هذه العملية، زراعيا وصناعيا وحصر النشاط التجاري مع إيران، من السيارات التي غزت شوارع البلاد وحتى قطع الحلوى التي يمضغها الطفل العراقي.

هيمنة تسلطية

وبغض النظر عما إذا كانت الهيمنة الإيرانية تجري بالاتفاق مع المحتل الأمريكي أم لا، فإن المراقب والمواطن العراقي، لم يعد لديهما أدنى شك في هيمنة إيران على مفاعيل العملية الاقتصادية مستغلة تبعية وولاء الحكومات العراقية، التي توالت على حكم العراق منذ الغزو الأمريكي لهذا البلد، عام 2003 وحتى هذه اللحظة، وكذلك ما تنفذه الميليشيات التابعة لها، تنظيميا وايديولوجيا، كقوى مسيطرة على مفاصل مؤسسات الدولة سياسيا، والشارع العراقي أمنيا.

فمنذ السنوات الأولى للاحتلال الأمريكي شهدت الأسواق العراقية غزوا منظما للبضائع الإيرانية، تساوق مع محاربة منظمة للتجار الذين رفضوا التعامل مع البضائع الإيرانية، سواء بالتهديد أو بتعطيل شحناتهم التجارية في المنافذ الحدودية العراقية. ومع تصاعد حلقات الحصار الاقتصادي الذي فرضته الولايات المتحدة على إيران، لم يبق أمام هذه الدولة من وسيلة لتعويض خسائرها وأضرار هذا الحصار، غير الخزينة والسوق العراقيين. فوفق تسريبات من داخل الحكومة العراقية، فإن حكومة نوري المالكي قدمت هبات مالية للحكومة الإيرانية، تجاوزت قيمتها خمسة وثلاثين مليار دولار، على شكل ثلاث دفعات، وإن حكومة ابراهيم الجعفري تبرعت للحكومة الإيرانية بما يزيد على سبعة عشر مليار دولار، وأهدت حكومة العبادي مبلغ 12 مليارا، وكل هذه الاموال كانت منحا غير قابلة للرد، هذا إضافة إلى فتح أسواق البلاد أمام البضائع والخدمات الإيرانية وفرضها على التجار والمؤسسات المحلية، سواء بالترهيب أو بالمحاربة الإدارية وحجز بضائعهم في المنافذ البرية والبحرية أو مصادرتها.

ومنذ عام 2008 هيمنت البضائع والسلع الاستهلاكية الإيرانية على الأسواق العراقية، وخاصة السيارات والمواد الغذائية والخضر والفواكه بشكل لافت للنظر، خارج كل حساب لشروط العملية الاقتصادية وموازناتها واستحقاقاتها. وكما قال أحد الخبراء الاقتصاديين العراقيين، فإن فتح الأسواق العراقية أمام البضائع الإيرانية بهذا الشكل من الانفلات، والذي تزامن مع محاربة القوات الأمنية والميليشيات الحزبية للفلاحين ومنعهم من العمل وتخريب مزارعهم وحقولهم بشكل متعمد، لم يكن هدفه سوى تعطيل العمليات الإنتاجية للعراق وتحويله إلى سوق للبضائع الإيرانية، من أجل سحب كميات كبيرة من العملة الصعبة لدعم الاقتصاد الإيراني المتداعي.

ومع وصول الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض وبدئه بفرض العقوبات والحصار الاقتصادي على إيران، فرضت إيران على حلفائها في الحكومة العراقية، المزيد من خطط تحطيم العمليات الإنتاجية والزراعية من أجل تعطيلها وتحويل العراق إلى مستهلك تام للبضائع والمنتجات الزراعية الإيرانية.

الأعباء غير المنظورة

لعل من بين أخطر السياسات الاقتصادية الصامتة التي اعتمدتها إيران في العراق هي تعطيل المرافق الإنتاجية والمصانع، بما فيها البنى التحتية، من أجل أن يعتمد العراق في كل شؤونه وحاجاته وأهمها الطاقة الكهربائية، التي حرصت على أن لا يعاد إصلاح محطات توليدها، التي تضررت أثناء حرب غزو العراق، من أجل أن تجبر العراق على شراء حاجته من الطاقة الكهربائية من شركات إنتاجها، بصفتها دولة جوار. وكما يقول المهندس واثق. م، أحد مسؤولي قطاع الكهرباء في العراق، فإن إيران قد حرصت حرصا مستميتا على أن لا يعاد تأهيل أو تشغيل محطات توليد الكهرباء، أو بناء محطات جديدة من أجل إبقاء العراق معطلا أولا من هذه الطاقة الحيوية، ومن أجل إبقائه كسوق لشراء هذه الطاقة من شركات إنتاجها، رغم أن شركات إنتاجها غير قادرة على سد حاجة العراق الفعلية من هذه الطاقة.

ويضيف المهندس واثق. م: والحلقة الأخطر في هذه المشكلة، والتي تركت المواطن العراقي في صلب معاناة لا تحتمل، بسبب عدم توفر هذه الطاقة الحيوية، هي وجود العناصر الفاسدة، في الحكومة العراقية ووزارة الكهرباء، التي حرصت على تنفيذ أوامر إيران حرفيا من أجل تعطيل هذا القطاع، سواء بسرقة أموال وزارة الكهرباء أو باستيراد محطات توليد صغيرة وغازية، ليضطر العراق إلى استيراد غاز تشغيلها من إيران، لقلة إنتاج العراق من الغاز”.

وقد اعتمدت إيران السياسة ذاتها مع قطاع إنتاج المحروقات، بتعطيل المصافي العراقية، أو تهريب منتجاتها من قبل وكلائها، من أجل إجبار الحكومة العراقية على استيراد حاجة السوق المحلية من المحروقات من شركات إنتاجها الإيرانية. وقد ظهرت هذه المشكلة في أوضح صورها، كما صرح لنا أحد مسؤولي مصفى بيجي، في المنطقة الشمالية: “عقب العمليات العسكرية التي حدثت في محافظة صلاح الدين، عام 2014 قامت الميليشيات التابعة لأحزاب السلطة بالسيطرة التامة على مصفى بيجي العملاق، والذي يسد إنتاجه 40 في المئة من حاجة العراق من المحروقات، وطرد جميع منتسبيه ومنعهم من الدخول إليه، وقامت هذه الميليشيات بعمليات تفجير مفتعلة لتدمير خطوط الإنتاج فيه مع تفكيك الأجزاء الحيوية منه وبيعها إلى إيران بأبخس الأثمان، وطبعا هذا خلق شحة في المحروقات في العراق، الأمر الذي أجبر وزارة النفط على تعويض النقص بالاستيراد من إيران بالعملة الصعبة”.

العملة الصعبة

وتأتي عملية سرقة العملات الصعبة وتهريبها إلى إيران، كحلقة مكملة لتدمير مفاعيل العملية الاقتصادية في العراق. فقد حرصت الحكومات العراقية المتعاقبة، عقب انتهاء ولاية بول بريمر، الحاكم الأمريكي للعراق، على إقامة مزادات يومية في البنك المركزي العراقي لبيع العملة الصعبة للمصارف الأهلية وشركات التحويل المالي، بحجة إبقاء سعر الدولار ثابتا في السوق المحلية، رغم علم الحكومة وإدارة البنك المركزي بأن ما تبيعه في تلك المزادات يفوق حاجة السوق العراقية بعدة أضعاف، وواقع الأمر هو أن إيران هي من تشتري الجزء الأعظم من تلك العملة عن طريق وكلاء لها، وتهربها إلى بنوكها، من أجل تعويض نقص هذه العملة، بسبب وقف تصدير النفط الإيراني تحت طائلة العقوبات الاقتصادية التي فرضها عليها الرئيس الأمريكي ترامب من أجل إجبارها على توقيع معاهدة جديدة بخصوص مشروعها النووي.

الإنتاج الزراعي والحيواني

ومنذ الاحتلال العثماني للعراق، كان العراق سلة الغذاء في المشرق العربي، في قطاعيّ الإنتاج الزراعي والحيواني، ولم تمر حقبة على البلاد شهد فيها عملية استيراد منتجات هذين القطاعين، باستثناء بعض الفواكه التي لا تنتجها أراضيه، في حين أن عراق ما بعد الهيمنة الإيرانية، صار يستورد أغلب المنتوجات الزراعية والألبان من إيران، بسبب التعطيل المتعمد للعملية الزراعية وتعطيل معامل إنتاج الألبان وحقول بيض المائدة.

والغريب أن تعطيل إنتاج هذين القطاعين الحيويين يأتي بتدبير من الحكومة العراقية وميليشيات أحزابها، برفع الدعم عن الفلاحين ومربيّ الحيوانات الإنتاجية، بعدم توفير مواد العملية الزراعية، وأيضا بتجريف القوات الأمنية للحقول الزراعية والبساتين وتهجير الفلاحين من أراضيهم، بحجة الوضع الأمني والعمليات العسكرية في تلك الأراضي.

وكنتيجة لهذا الوضع الشاذ فقد تحول العراق من منتج لهذه المواد إلى مستورد من الأسواق الإيرانية، لتتصاعد قيمة عمليات التبادل التجاري في هذين القطاعين، من مليار ومئتي مليون دولار، عام 2004 إلى 12 مليارا عام 2018. وحسب تقارير الخبراء الاقتصاديين فإن هذه المبالغ الفلكية ذهبت كأثمان لصفقات تثير السخرية، مثل استيراد البطيخ والطماطم، التي كانت تسد حاجتها مدينة سامراء، في محافظة صلاح الدين، لوحدها طوال موسم الصيف من كل عام.

بل إن العراق، بلد النخيل والتمور، منذ فجر التأريخ، استورد ما قيمته 870 مليون دولار، من التمور من إيران والسعودية والإمارات هذا العام، بسبب إهمال الدولة لهذا القطاع وتجريف بساتينه في الجنوب العراقي وحرقها بسبب العمليات العسكرية. فأي مستقبل ينتظر هذا البلد، بعد رهن عملياته الاقتصادية والإنتاجية بهذه الطريقة؟ والمشكلة أن عملية الرهن هذه تتم بإرادة وتدبير عدوته، ككيان سياسي وسيادي، هذا العدو المعبأ بأحقاد تاريخية لا يستطيع الفكاك منها، ولتوفره على جوقة من العملاء المخلصين، والذين يتفانون في خدمته وتحقيق أهدافه ومصالحه في بلدهم وعلى حسابه؟
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات