الوثيقة | مشاهدة الموضوع - مصير النظام الإيراني : عبد الحليم قنديل
تغيير حجم الخط     

مصير النظام الإيراني : عبد الحليم قنديل

مشاركة » السبت ديسمبر 07, 2019 12:36 am

لا يبدو سقوط النظام الإيراني وشيكا ولا قريبا، رغم الآثار الكارثية لعقوبات أمريكا الخانقة على اقتصاده، وتململ قطاعات متزايدة من القواعد الشعبية، وتواتر انتفاضات الغضب، واتساعها جغرافيا إلى عشرات المدن والحواضر الإيرانية.
وعلى نحو صارت دوراته متقاربة، ومن دون أن يكسب النظام استقرارا كامل المعنى، رغم نجاته الموقوتة، بفعل ضراوة وتوحش القمع الدموي.
وقد نلحظ بوضوح، أن طبائع الانتفاض الشعبي الإيراني، صارت مختلفة نوعيا، فقبل عشر سنوات، كانت «الحركة الخضراء» هي العنوان، وكانت نصرة لمرشحين على موقع الرئاسة وقتها، هما مير حسين موسوي ومهدي كروبي، وكلاهما من التيار الذي تعودنا على وصفه بالإصلاحيين في إيران، وهم جناح جوهري في النظام، يضاد تيار المحافظين دينيا واجتماعيا، المحتمين بقوة «الحرس الثوري»، واعتقاداته حول أزلية الثورة الإيرانية الدينية، وطاعته المطلقة للمرشد غير المنتخب شعبيا، والنظر إلى أوامره كأنها أوامر الله، والتمترس خلف أطواق دينية قامعة لأي تفتح اجتماعي، إضافة لارتباطه بمصالح اقتصادية ومالية ضخمة، تكاد تحرم النظام الإيراني ككل، من أي فرصة لتجديد الخطاب والسلوك، ما يدفع رموز الإصلاحيين إلى موقع آخر، يكاد يترك مواقع الولاء عموما لمبادئ النظام الخميني، ويندفع إلى تحييد التحركات الشعبية المتواترة، حتى لو بدت راغبة في خلع نظام «ولاية الفقيه» بالجملة، وهو ما بدا في انتقادات حادة جدا، صدرت عن موسوي وكروبي، رغم استمرارهما في قضاء عقوبة الإقامة الجبرية، وقد تطاولت سنواتها، منذ قمع انتفاضة «الحركة الخضراء».
ورغم حظر الكلام، فقد خرج الرجلان عن الصمت الجبري، بسبب ضراوة القمع لانتفاضات الاحتجاج الأخيرة، وقد كانت شرارتها مرتبطة بقرارات مضاعفة أسعار المحروقات، في بلد عظيم الثراء بتروليا، وما أن خرج المحتجون إلى الشارع، حتي طالت الهتافات والشعارات أسس وجود النظام ذاته، وعبرت عن رغبة عارمة في التخلص من حكم «الولي الفقيه» على خامنئي، ووصفته بالديكتاتور، وأحرقت صوره، بما دفع القوة الباطشة المسلحة للنظام، إلى خوض حرب شوارع كاسحة ضد المتظاهرين، وقتل المئات، واعتقال الآلاف، وبدعوى عمالة المظاهرات والمتظاهرين لأمريكا، بما أخرج الإصلاحيين عن سكوتهم الممتد زمنيا، وإلى حد تنديد مهدي كروبي علنا بالقمع غير المسبوق، وإعلان الرئيس الأسبق محمد خاتمي عن دعمه لمطالب المتظاهرين الاجتماعية والاقتصادية، في ما ذهب مير حسين موسوي إلى ما هو أبعد، ووصف ما جرى في إيران أخيرا، بأنه يشبه قمع الشاه لثورة الشعب في شهور حكمه الأخيرة.
والمعنى ببساطة، أن جناح الإصلاحيين وصل إلى حافة اليأس، ولم يعد يحرص على تمييز نفسه عن المعارضين من خارج النظام، وهم طيف متسع من حركات القوميات المقهورة، إضافة لحركات معارضة في المنفى، لها ثأر قديم مع النظام القائم، وتحصل بالفعل على دعم مرئي من أمريكا ودول غربية أخرى، فضلا عن عون مالي كبير من نظم عربية خليجية، تتمنى زوال النظام الإيراني في غمضة عين.
وهذه كلها مخاطر داخلية، تهدد بقاء النظام الإيراني على المدى الأبعد، جوهر التطور فيها، أن الميل المعارض، لم يعد إصلاحيا من داخل النظام، كما كان طويلا، بل تغييريا، يريد قلب النظام وإسقاطه، فالضغوط الاقتصادية والاجتماعية تتزايد، ليس بسبب وطأة العقوبات وحدها، بل بدواعي سوء الإدارة، وتفشي الفساد فيها، وإفشال سعي الرئيس المعتدل نسبيا الشيخ حسن روحاني، إلى تخفيف الكبت المتزمت ثقافيا تجاه الشباب، وإلي إحداث مواءمات مع الدول الخليجية المجاورة، والتواصل مع الأوروبيين والروس والصينيين للضغط على موقف الإدارة الأمريكية، تمهيدا لمفاوضات، قد تنتهي إلى اتفاق نووي جديد، يسمح بإنعاش الاقتصاد الإيراني المختنق بشدة، والعودة إلى المعدلات السابقة لتصدير البترول الإيراني، بما يوفر موارد مالية مطلوبة، قد تساعد على عودة النمو الإيجابي للاقتصاد الإيراني، الذي ينمو بالسالب الآن، وعلى نحو خطر مدمر، يقلص بإطراد حجم الناتج القومي، وكلها نتائج منسوبة في النهاية إلى روحاني وفريقه، الذي يتحول إلى موقع الضحية المعتصرة، بين مطرقة الضغط الأمريكي الاقتصادي، وسندان تشدد المحافظين المسلحين بدعم المرشد، ومن دون أمل قريب، في التوصل إلى صياغة وسطى، تتضاءل فرصها، مع توحش سيطرة المحافظين الأصوليين، ودفعهم روحاني إلى إبداء الرضا عما لا يعتقده يقينا، خصوصا بعد التجريم المعلن لسيرة التفاوض النووي كلها، وتصوير كل مطلب تجديد، اقتصاديا كان أو سياسيا أو ثقافيا، على أنه شروع في خيانة وعمالة مباشرة لأمريكا وإسرائيل، وهو ما يغلق الباب بالضبة والمفتاح على نوايا ومطامح الإصلاحيين من داخل النظام، ويترك ساحات النقد والمعارضة خالية مفتوحة، يتصدرها الذين يعارضون بقاء النظام من حيث المبدأ، مع تزايد نزعة الإصلاحيين لمفارقة «بيت النظام» من بابه، أو هربا من النوافذ، يأسا من إمكانية إصلاحه، خصوصا مع تواتر نذر خطر كامنة وظاهرة على خرائط النفوذ الإيراني في المنطقة، بأثر من امتداد موجة الانتفاضات العربية المعاصرة إلى ساحات نفوذ طهران، وعلى نحو ما جري ويجري في لبنان، وفي العراق بالذات، وفي أوساط شيعة العراق بالذات، وتداعي صدامات شارع مسلحة، تتورط فيها إيران وفصائل تابعة لحرسها الثوري، وعلى نحو فاقع ومكشوف، بما يثير في شيعة العراق، رغبة متزايدة في العودة لخانة الوطنية العراقية الجامعة، وضيقا ظاهرا بالهيمنة الإيرانية المصاحبة، والتالية للاحتلال الأمريكي، بما حطم وجود العراق كدولة مستقلة، عبر حل الجيش الوطني العراقي الذي كان قائما على مبدأ التجنيد الوطني العام، ثم قانون اجتثاث حزب البعث وكوادره التقنية والعلمية والإدارية، ثم طاعون حكم جماعات الإسلام السياسي الشيعي التابع لمرجعية إيران، وبما جعل من انتفاضة العراق حربا للتحرير الوطني، بدت فيها إيران كأنها العدو الأول للعراقيين، تماما بتمام مع قواعد الاحتلال الأمريكي، أو ربما تسبقها في ترتيبات الهيمنة وسلب استقلال العراق.

جناح الإصلاحيين الإيرانيين وصل إلى حافة اليأس، ولم يعد يحرص على تمييز نفسه عن المعارضين من خارج النظام

وفي المحصلة، يبدو الخطر محيطا بالنظام الإيراني، من داخل حدود إيران، ومن جوارها الأقرب، وإن بدرجات متفاوتة، فالنزعة ضد إيران في العراق أقوى، بينما تبدو أخف في لبنان، ربما بسبب أن حليف إيران في لبنان، أي «حزب الله» وسلاحه الإيراني، لم يكن موضوعا لسخط ظاهر في انتفاضة اللبنانيين، لكن النزعة الشعبية ضد إيران متنامية على أي حال في بلدان المشرق العربي بعامة، وهو ما يعطي دعما معنويا بالعدوى الحميدة لمعارضي النظام الإيراني في الداخل، بدلالة الاتصال في الروح والزمن بين انتفاضة إيران وانتفاضات عرب المشرق، وإلى حد بدت معه الانتفاضة الإيرانية الأخيرة المقموعة، وكأنها غزو من الروح العربية إلى الداخل الإيراني المحتبس.
ومع تصاعد المخاطر الشعبية هذه المرة، بدا أن النظام الإيراني تضيق عليه الدوائر، ويوضع في مأزق غير مسبوق، لن تنجح القوة المفرطة في تجاوزه طويلا، فقد يستطيع النظام الإيراني الحفاظ على البقاء في المدى الأقرب، وبتكلفة دموية فادحة، وبدعم من قطاعات في الشعوب الإيرانية نفسها، لا تزال تساند نظاما يتحدي الأمريكيين بوصفهم شيطانا أكبر، ويحافظ على أولوية وسيادة المبدأ الشيعي الجعفري، فإيران دولة متعددة القوميات، لا يشكل الفرس فيها أغلبية قومية، بل تتعدد القوميات من العرب والكرد والتركمان والبلوش والأوزبك وغيرهم، ولا تكاد تجمع قوميات إيران المتعددة، سوى أغلبية الانتماء للمذهب الشيعي، الذي يشكل بدوره «قومية دينية» بديلة، عابرة للقوميات العرقية المتعددة، وهو ما يسعى النظام الديني إلى تأكيده، ويلعب على وتره دائما، حفظا لخزان شعبي مؤيد، وإلهابا لمشاعره في التصدي لمخاطر «الأغيار» من غير الشيعة، فوق استثارة الروح الوطنية الجامعة دفاعا عن المشروع النووي الإيراني، والنظر إليه كمفخرة تستحق التضحية من أجلها، ولو باستئصال شأفة المعارضين والإصلاحيين جميعا.
ربما هي لعبة الزمن، وتداعيات التراكم، فقد تبددت في المنطقة كلها عناصر إغواء سابقة، من نوع جاذبية تجريب البديل المسمى بالتيار الإسلامي، الذي كانت إيران الخمينية من أبرز عناوينه، وقد ضعفت وتضعف هذه الجاذبية على نحو مطرد، بعد تجارب طويلة وقصيرة العمر، كان حصادها مريرا بامتياز، وهو ما قد يفيد خطاب المعارضة المدنية الإيرانية على المديين المتوسط والأطول، ويهدد فرص البقاء الآمن للنظام الإيراني، ويجعل مصيره النهائي محل تساؤل وشكوك عميقة.
كاتب مصري
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات