الوثيقة | مشاهدة الموضوع - العراق.. رحلة البحث عن الدولة وسط ركام الحرب!
تغيير حجم الخط     

العراق.. رحلة البحث عن الدولة وسط ركام الحرب!

القسم الاخباري

مشاركة » السبت نوفمبر 16, 2019 1:15 pm

37.jpg
 
كتب وقاص القاضي
لم يعد بالإمكان اعتبار العراق اليوم دولة بعد أن فَقد معظم معاييره العالمية التي ينبغي توفرها، فكل شيء فيه مدمر ومنهار، وما زال يتصدر قائمة الدول الأكثر فساداً. لا ينافسه في ذلك سوى بلدان تكاد تعيش في عصور ما قبل التاريخ كالصومال وأفغانستان، وفقاً لتقارير استقصائية صادرة عن عدة منظمات ومنها الشفافية الدولية.

التعريف المبسط للدولة هو ذاك الكيان المستقل الذي يملك حدوداً ذات سيادة ويضم شعباً متجانساً، ينبثق عنه جيشاً قوياً يدافع عنه في الأزمات ويصد الهجمات، وهي عناصر يفتقر لها العراق. أما المتوفر منها الآن فهو إما مُخترق أو مُشوه، فنظام المحاصصة السياسية للأحزاب الحاكمة انعكس سلباً على المجتمع الذي بات عبارة عن كانتونات تعيش طوائفه في معزل عن بعضها البعض.

أما تطوير الصناعة وخطة الاكتفاء الذاتي - والتي تعد من أساسيات ضمان الاستقلال السيادي - فقد ذهبت وعودها أدراج الريح.

حتى أن رئيس الجبهة التركمانية العراقية أرشد الصالح قال في أحدث تصريح له بأنه لم يعد هناك وجود لما يسمى بالعرب في العراق، بل هناك شيعة وسنة حسب وصفه. أما الأكراد فلا يؤخر صدامهم المسلح فيما بينهم سوى ترقبهم وعيونهم شاخصة لمواقف وقرارات عدوهم التقليدي المشترك وهي الحكومة المركزية في بغداد.

وبالنسبة لسور الوطن المتمثل بقوات الأمن والجيش وهو أحد أهم عناصر الدولة، فرغم ما يمتلكه من تجهيزات تُعد الأحدث في المنطقة بعد أن أنفقت عليه المليارات. حيث أكدت وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" أنه بحاجه لعقود كي يصبح مؤهلاً ليتسلم زمام الأمور دون الاستعانة بقوات التحالف الدولي المنتشرة في العراق.

اخُتطِف العراق في ساعة غفلة بعد أن رُوج إلى أن القادم سيكون أجمل، ولكن سرعان ما تبددت تلك الأحلام وفزع الناس من كابوسهم الذي أشعرهم بأنهم قد اِستُغفلوا واستُغلت مظلوميتهم من قبل جماعات قدمت ما وصفته برؤيتها للحكم الجديد عام 2003. والذي كانت أبرز بنوده إلغاء عسكرة المجتمع وبناء دولة مؤسسات وفصل الدين عن السياسة واعتماد منهج المواطنة والعدالة.

فإذا بالسجون تُملأ وتكتظ بنزلائها بحسب تأكيدات للجنة حقوق الإنسان البرلمانية، وكان الحل تشييد وبناء سجون أخرى إضافية. أما تطوير الصناعة وخطة الاكتفاء الذاتي - والتي تعد من أساسيات ضمان الاستقلال السيادي - فقد ذهبت وعودها أدراج الريح. حيث عُطلت في العراق أكثر من 80 ألف منشأة ومعمل، فيما تم خصخصة المتبقي منه وبيعه كشركات خاسرة بأباخس الأثمان. ولم تكن بصمة إيران ببعيدة عن ذلك، فالقيادي السابق في التيار الصدري "بهاء الأعرجي" كشف عن مساعي طهران المستمرة في تخريب الاقتصاد العراقي، ليبقى سوقاً زاخراً لاستهلاك البضائع الإيرانية.

المستغل من أراضيه اليوم هي أقل من الثُلث فقط نتيجة الإهمال وسوء التخطيط، حيث جفت مساحات واسعة وأصابت غيرها البوار بعد ارتفاع نسبة الملوحة فيها.

أما بشأن الزراعة ورغم امتلاك العراق لثروات نفطية ومعدنية ضخمة، فإنه ومنذ فجر تاريخه يعد بلداً زراعياً لما يمتلكه من روافد نهرية وتربة خصبة. إلا أن المستغل من أراضيه اليوم هي أقل من الثُلث فقط نتيجة الإهمال وسوء التخطيط، حيث جفت مساحات واسعة وأصابت غيرها البوار بعد ارتفاع نسبة الملوحة فيها. فهجر الفلاحون مهنتهم وتركوا زرعهم الذي تحول لحطب ولجئوا إلى المدن التي زحفوا باتجاهها وزاحموا فيها مصادر عيش أهلها التي تكاد تكون معدومة أساساً في ظل بطالة بلغت نسبتها نحو35 بالمائة وفقاً لوزارة التخطيط العراقية.

نحو ألف مليار دولار أُهدرت منذ 14 عاماً بين عمليات نهب وتهريب منظمة ومشاريع وهمية وباعتراف مسؤولين كانوا على اطلاع تام لتحرك الأموال وتنقلاتها، ومنهم القاضي رحيم العكيلي - رئيس هيئة النزاهة الأسبق - وكلا من عضوي اللجنة المالية السابقين - رحيم الدراجي وماجدة التميمي - واللذان وصفا واردات العراق من النفط والمنافذ الحدودية والموانئ بالمخيفة والمهولة. إلا أنها ضائعة بلا كشوفات صرف أو متابعة إنفاق، نتيجة لهيمنة الأحزاب ونفوذها، ولا ننسى من ذلك كمثال على أساليب تبرير عمليات الهدر المالي ما صرح به محافظ البنك المركزي الذي تذرع بنفاد مياه الأمطار إلى الغرفة المحصنة داخل سرداب البنك، نتيجة وجود فتحة غير محكمة كانت سبباً بتلف سبعة مليارات دينار!

ميزانيات العراق منذ العام 2003 كانت انفجارية كما يصفها البعض، حيث بلغ معدلها في أبسط حالاتها نحو 100 مليار دولار، اعتمد 90 بالمائة من تمويلها على صادرات النفط والباقي من المشتقات والأسمدة ومواد أخرى، لا ترقى بمجملها لتكون بصمة تمثل جودة التصنيع المحلي. فيما كان ينفق الجزء الأكبر من تلك الموازنات على المصاريف التشغيلية كرواتب موظفي الدولة والمتقاعدين وشرائح المنتفعين، والذي يبلغ عددهم نحو 9 ملايين. الأمر الذي جعل العراق الدولة الأكثر على مستوى العالم بعدد موظفيه نسبةً إلى عدد سكانه وهي كارثة لوحدها لدى بلد ريعي يعتمد مورداً واحداً محكوماً بسوق عالمية، وبالتالي يجعله أمام خطر دائم في ظل تقلبات سعر النفط.

الأسوأ من هذا كله والذي يستوجب الوقوف عنده بتمعن، هو تخصيص ما نسبته ربع موارد البلاد للمجهود الحربي والإنفاق العسكري وللعام 2019 أيضاً رغم انتهاء المعارك. والذي عده مراقبون بأنه دليل على أن العراق يُدار من قِبل أمراء حرب يعتاشون ويُمولون أنفسهم وفصائلهم المسلحة من النزاعات. وهو ما يفسر وجود 150 ألف عنصر تابعين لمليشيات شكلت بفتوى دينية تعجز الحكومة عن حلها إلا بفتوى دينية أخرى، وفقاً لنائب رئيس هيئة مليشيا الحشد الذي توعد بصولات وجولات ضد كل من يلوح بتحجيم دور "الحشد الشعبي" والذي بات بمثابة جناحاً عسكرياً لحماية الدولة العميقة. ليتحول العراق من جمهورية تُعد الأقدم في استقلالها ضمن منطقة الشرق الأوسط، إلى دولة داخل دولة وفقاً لتقرير حديث صادر عن وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون".

الحكم في العراق تحول إلى عائلي بامتياز وتُدار أبرز مؤسساته من قِبل تجار أسلحة باتوا يتحكمون بدفه ملف اختيار الشخصيات وتوزيرها لحقائب مؤسسات حساسية كالدفاع والداخلية وفقاً لما كشف عنه النائب في البرلمان علي البديري. فيما تعصف الفوضى الأمنية بالبلاد لدرجة أن وكالة المخابرات الأمريكية ولكي تُعطي انطباعاً تصويرياً لدى المتلقي بشأن فظاعة المشهد وتفاقم مستوى العنف في مدينة أكابولكو المكسيكية، فإنها تستشهد بالعراق وتقول أن الأوضاع في كلاهما متشابه لحد كبير. وهي بيئة أتاحت لفرق الاغتيال التي شكلها الحرس الثوري الإيراني لتصفية معارضي ومنتقدي نفوذ إيران التوسعي في العراق، بحسب تقرير أصدرته صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية مؤخرا. لم يبقى من العراق اليوم إلا اسمه رغم حرص شعراءه فيما مضى أن لا يكسروا حرف العين فيه عند ذكره لشدة اعتزازهم بعنفوانه وعظمة قدره حين كان العراق دولة.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى الاخبار