لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا أعده أندرو إنغلاند قال فيه إن الهجوم الحوثي هز السعودية بعد هزيمة القوات اليمنية التي ساعدت على دعمها وتدريبها.
ونقلت الصحيفة شهادات عما حدث أثناء الهجوم الحوثي الخاطف، حيث قام بعض مقاتلي الجيش اليمني بدفن أسلحتهم في الصحراء وباعها آخرون في الأسواق المحلية، أما الجميع، فقد فروا أملاً في النجاة.
وفي الوقت الذي أمطر فيه الحوثيون خصومهم بالصواريخ والطائرات المسيرة، انسحبت القوات الموالية للحكومة اليمنية جنوبا ليلا، مما فتح الطريق أمام المتمردين المدعومين من إيران للسيطرة على ميناء المخا على البحر الأحمر الأسبوع الماضي، والزحف نحو مضيق باب المندب، محكمين قبضتهم على هذا الممر البحري الاستراتيجي.
ونقلت الصحيفة عن حسن، وهو مقاتل موال للحكومة: “اكتشفنا أن معظم رفاقنا قد فروا بالفعل. لم يكن أمامنا خيار سوى مغادرة المخا في تلك الليلة نفسها والانسحاب”. وقد أدى انهيار فصيل حسن إلى توريط السعودية، التي ساعدت في تسليح وتدريب القوات المناهضة للحوثيين، وتسعى الآن لصد هجوم المتمردين الخاطف هذا الشهر، في أكبر أزمة تشهدها منذ سنوات. وقد أعاد هذا الانهيار إشعال فتيل صراع سعى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان منذ فترة طويلة إلى إخراج المملكة منه، وساهم في رفع أسعار النفط الخام إلى أعلى مستوياتها منذ منتصف أيار/مايو.
وأضاف حسن، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه الحقيقي، إنه ورفاقه المنتمين إلى قوات “المقاومة الوطنية” دفنوا بنادقهم الهجومية من طراز إي كي-47 في الصحراء بدلا من إجبارهم على العودة إلى خطوط المواجهة. وتظاهروا بأنهم مدنيون نازحون أثناء لجوئهم إلى المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة في الجنوب. وأضاف: “عندما رأينا أن قادتنا قد فروا وأننا أصبحنا ضحايا الحرب، هربنا باتجاه عدن”.
وقالت الصحيفة إن الحوثيين تحملوا حملة قصف استمرت سنوات من قبل تحالف تقوده السعودية تدخل في حرب اليمن عام 2015، وأشهرا من الغارات الجوية الأمريكية بعد أن بدأوا بمهاجمة السفن في البحر الأحمر عقب اندلاع حرب غزة عام 2023.
وهم قوة لا ترحم، ويتهمون بتجنيد الأطفال وفرض حكم قمعي على المناطق الخاضعة لسيطرتهم.
ويواجهون تحالفا من جماعات مسلحة متباينة، تتظاهر بالولاء للحكومة اليمنية الضعيفة، لكنها غالبا ما تتنافس فيما بينها. ويقدر المحللون أن السعودية كانت تجند ما يصل إلى 400,000 مقاتل يمني قبل الهجوم الأخير، مع أن الشكوك تثار حول فعاليتهم، وقد أثبت المتمركزون على الساحل عدم قدرتهم على مجاراة الحوثيين.
ونقلت الصحيفة عن فارع المسلمي من “تشاتام هاوس” في لندن قوله: “كان هناك نقص في الترابط واستهانة بالطرف الآخر وعدم توفر في المعلومات الاستخباراتية، وضعف في التنسيق ونظام اتصالات ضعيف جدا بين مختلف الفصائل. وقال إن “الحوثيين لا يبالون بالسكان تحت سيطرتهم، فكل إيراداتهم تنفق على المجهود الحربي”.
وأضاف أن الحوثيين مولوا عملياتهم باستيراد الوقود والغاز من إيران ورسوم الجمارك والضرائب وشبكات الاتصالات وغير ذلك، حيث استخدموا هذه الأموال لتعزيز ترساناتهم. وفي الوقت الذي أرسلت فيه الحكومة اليمنية تعزيزات إلى المخا، التي كانت خاضعة لسيطرة جبهة المقاومة الوطنية المدعومة سابقا من الإمارات، إلا أن رامي، وهو اسم مستعار لمقاتل موال للحكومة، يشعر “بالخيانة” عندما وصل إلى ساحة المعركة. وقال: “بينما كنا نقاتل على الخطوط الأمامية، لم يكن هناك من يدعمنا من الخلف وأدركنا متأخرا أن قادتنا قد فروا”. وأضاف أن بعض زملائه استسلموا للحوثيين، بينما باع آخرون أسلحتهم في السوق وفروا، في حين اختار هو الاحتفاظ ببندقيته الكلاشينكوف. ودفع لمهربين ليقودوه عبر التضاريس الجبلية إلى بر الأمان في محافظة تعز.
وكثفت السعودية قصفها لمواقع الحوثيين في أنحاء اليمن، حيث أفاد المتمردون بأن المملكة شنت أكثر من 300 غارة جوية خلال الأسبوع الماضي. وعندما سيطر الحوثيون آخر مرة على المنطقة المحيطة بباب المندب، بعد اجتياحهم جنوبا مطلع عام 2015 ووصولهم إلى عدن، تمكن التحالف بقيادة السعودية من دحرهم إلى ميناء الحديدة على البحر الأحمر.
وقد استغرق الأمر استغرق أكثر من 18 شهرا، وأدى إلى تفاقم الحرب الأهلية التي وصفتها الأمم المتحدة بأنها أسوأ أزمة إنسانية من صنع الإنسان في العالم. وذكرت لجنة من خبراء الأمم المتحدة في عام 2018 أن جميع أطراف النزاع ارتكبت انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب، حيث اتهم التحالف الذي تقوده السعودية بحصار الموانئ وقتل آلاف المدنيين في غارات جوية.
واتفقت الأطراف المتحاربة على وقف إطلاق النار في عام 2022، في الوقت الذي سعت فيه السعودية إلى الانسحاب من هذا النزاع المكلف للغاية والتركيز على خططها التنموية المحلية التي تبلغ قيمتها تريليونات الدولارات. ويواجه الحوثيون ضغوطا اقتصادية متزايدة. ونقضوا الهدنة في تموز/يونيو بإعلانهم حصارا على موانئ المملكة على البحر الأحمر ومهاجمة ناقلات النفط السعودية، واستهداف بنيتها التحتية النفطية.
ويقول المحللون إن الحوثيين يتصرفون في الغالب لمصالحهم الخاصة، فهم يسعون إلى إجبار السعودية على السماح بحرية حركة المرور في المطارات والموانئ الخاضعة لسيطرتهم، ومطالبة الرياض بدفع رواتب العاملين في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون ومنحهم حق الوصول إلى عائدات النفط اليمني.
ومع ذلك، فتصعيدهم ينسجم أيضا مع مساعي حليفتهم إيران لمواصلة الضغط على أسواق الطاقة العالمية في حربها مع الولايات المتحدة. ولكن اليمنيين يخشى من العودة إلى أحلك أيام الحرب. وتتدفق العائلات التي أجبرها القتال على الفرار من منازلها إلى محافظات عدن ولحج وتعز بشكل متواصل، وينتهي المطاف بالعديد منهم في مخيمات مؤقتة مكتظة تفتقر إلى الخدمات الأساسية.
وأفادت الأمم المتحدة بأن ما لا يقل عن 125,000 شخص نزحوا من ديارهم منذ بداية الشهر. وأضافت أن نحو 5 ملايين من سكان البلاد البالغ عددهم 42 مليون نسمة نازحون داخليا بسبب النزاع، وأن ما يقرب من نصف السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
وقال أحمد ناجي، محلل الشؤون اليمنية في مجموعة الأزمات الدولية، إنه لا يزال بإمكان القوات المدعومة من السعودية دحر الحوثيين. لكن المحللين يحذرون من أن المهمة ستكون شاقة للغاية. فالتحالف الذي تقوده السعودية لديه قوات يمنية على الأرض أكثر مما كانت عليه في عام 2015، لكن الحوثيين أيضا أقوى ولديهم مواقع أكثر تحصينا. وأضاف ناجي: “ليس لدى السعودية خيارات جيدة مطروحة”، و”بإمكانهم اتباع المسار السياسي، لكن حتى هذا الخيار سيكون مكلفا جدا، لأنهم سيتفاوضون من موقع ضعف” و”سيزيد الحوثيون من مطالبهم لأنهم يسيطرون على المزيد من الأراضي، وبالنسبة لهم هذا نصر كبير ويجب أن ينعكس ذلك في أي اتفاق سياسي مع السعوديين”.
كما أن الخيارات السعودية تبدو صعبة بعدما رفضت إدارة دونالد ترامب المشاركة في عملية ضد الحوثيين. وذكرت صحيفة “الغارديان” في تقرير أعده المحرر الدبلوماسي باتريك وينتور أشار فيه إلى لقاء مسؤولين أمريكيين مع قادة الحوثيين خلال عطلة نهاية الأسبوع في السفارة الأمريكية بمسقط، ما أدى إلى قرار الولايات المتحدة بعدم التدخل لمساعدة السعودية في صد تقدم الحوثيين داخل اليمن.
وطمأنت الجماعة المسلحة المدعومة من إيران الولايات المتحدة بأن اتفاق وقف إطلاق النار بين الجانبين، المبرم عام 2025، لا يزال ساريا وأن الحركة لا تنوي مهاجمة السفن الأمريكية في البحر الأحمر. وأكد الحوثيون أن السفن المرتبطة بالسعودية فقط هي التي تعتبر هدفا نظرا لحصارها لليمن.
وقد ساعد الاجتماع في تفسير قرار دونالد ترامب بإدانة تقدم الحوثيين على طول الساحل الغربي لليمن لتهديده حرية الملاحة عبر مضيق باب المندب، ولكنه رفض حتى الآن أي رد عسكري لدعم الرياض.
وصنفت الولايات المتحدة الحوثيين كيانا إرهابيا أجنبيا في آذار/مارس 2025، لكن مسؤولين أمريكيين التقوا في الآونة الأخيرة بقادة من حماس وحزب الله وإيران. وأكد نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، يوم الاثنين، أن الولايات المتحدة على اتصال مباشر مع الحوثيين.
وقال نبيل خوري، نائب السفير الأمريكي السابق لدى اليمن، إنه تم التوصل إلى “نوع من التفاهم الضمني” بين إدارة ترامب والحوثيين. وأضاف خوري: “يعد الحوثيون الإدارة الأمريكية بأن الملاحة الأمريكية والدولية لن تتأثر في البحر الأحمر، لكن الخطر الوحيد يكمن في السفن السعودية أو تلك التي تحمل النفط السعودي”.
وفي سياق منفصل، سرب مسؤولون إسرائيليون تفاصيل اجتماع سري عقد الأسبوع الماضي في ألمانيا بين قادة عسكريين من الولايات المتحدة وإسرائيل وعدة دول عربية لمناقشة الحرب التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران. وذكر تقرير للصحافي باراك رافيد من موقع “أكسيوس” أن “الاجتماع الخاص” نظمه قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر.
وأفاد رافيد، نقلا عن مسؤولين إسرائيليين قولهما إن الاجتماع حضره رؤساء أركان جيوش إسرائيل والسعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر. وكان هذا أول اجتماع من نوعه منذ أن دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل في حرب مع إيران قبل أكثر من ستة أشهر. وتعرض إسرائيل التدخل في اليمن نيابة عن السعودية.
وعلقت “الغارديان” في افتتاحيتها على تقدم الحوثيين بأنه صدم المراقبين، مع أن المنطقة التي تعيش الاضطرابات معتادة على المفاجآت. وأشارت إلى أن الرياض التي انسحبت بصعوبة من الحرب في اليمن، كانت تأمل في أن تتمكن من ضبط ردها على رحلة جوية من إيران إلى صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين في تموز/يوليو، وهي الأولى منذ أكثر من عقد، بما يكفي لإنقاذ هدنة 2022.
لكن قصف مطار صنعاء منح الحوثيين فرصة للتصعيد مع إلقاء اللوم على الرياض. وأشارت أن الحوثيين ليسوا مجرد وكلاء لإيران، بل تتزايد مصالحهم تقاربا، بفضل حرب ترامب غير الشرعية على إيران. فهم بحاجة إلى الحفاظ على الدعم الإيراني، وقد أتاحت أزمة مضيق هرمز فرصة جديدة لممارسة ضغوط اقتصادية وربما خلق مصدر دخل جديد، عبر مكاسب استراتيجية على طول الساحل.
أما القوى التي تقف في وجههم، بما فيها الحكومة والانفصاليون الجنوبيون، فهي أكثر انقساما من أي وقت مضى. وقد سحبت الإمارات العربية المتحدة، التي كانت على خلاف مع حليفتها المقربة سابقا السعودية، قواتها من اليمن مع بداية العام.
وقالت الصحيفة إن الضربات السعودية لن تكفي وحدها لدحر الحوثيين. لكن ترامب رفض طلبات المساعدة. ويواجه السعوديون خيارا بين التفاوض مع عدو ازداد جرأة ولديه الآن مطالب متشددة أو العودة إلى حرب شاملة من النوع الذي ندموا عليه سابقا. مع أن تاريخ اليمن الحديث يبرهن أن الحل العسكري عبثي، ففي نهاية المطاف، يستحق مواطنوه حكومة لا تعتمد على الرياض ولا على طهران.