تغيير حجم الخط     

السكوت عن "تحكم المالكي" بالمناصب يهدد بانقلاب على زعامات شيعية تقليدية

مشاركة » الخميس سبتمبر 17, 2026 12:19 am

5.jpg
 
بغداد/ تميم الحسن

كان يفترض أن يكون الأسبوع الأخير هو أسبوع إكمال الحكومة. لكن الأسبوع انتهى، ولم يصل رئيس الوزراء علي الزيدي إلى البرلمان بـ9 وزراء جدد. بدلاً من ذلك، اختار التحالف الشيعي ما يمكن وصفه بـ"الصمت المؤقت". لا اجتماعات معلنة، ولا تصعيد سياسي، ولا موعد جديد واضح لإنهاء الشواغر. حتى الاجتماع الاعتيادي للإطار التنسيقي، الذي يعقد في العادة كل يوم اثنين تقريباً، لم ينعقد في أسبوع كان يفترض أن يكون حاسماً.

وبحسب مصادر داخل الإطار التنسيقي تحدثت لـ(المدى)، فإن استكمال الحكومة لم يعد مرتبطاً بخلاف سياسي واحد، والملفات تراكمت فوق بعضها.
هناك صراع داخل الإطار، واعتراضات على مرشحين، وحسابات مالية، وموقف أميركي من بعض الأسماء، ثم جاءت الهجمات على السعودية لتضيف طبقة جديدة من التعقيد.
وبعد أكثر من أربعة أشهر على تشكيل الحكومة، ما تزال 9 وزارات شاغرة.
والآن، يبدو أن أفضل موعد محتمل لإكمالها قد يكون بعد 30 أيلول.

الخلاف ليس بين طرفين فقط
في داخل الإطار التنسيقي، لا توجد مشكلة واحدة يمكن حلها بصفقة واحدة.
تقول المصادر إن واحدة من أكثر العقد صعوداً هي الخلاف بين عصائب أهل الحق ودولة القانون، وخصوصاً بين نوري المالكي، من جهة، وقيادات في العصائب دون قيس الخزعلي، من جهة أخرى.
وتقول المصادر إن قرار العصائب، في بعض الملفات، يبدو وكأنه يصاغ بعيداً عن الخزعلي، مع وجود شخصيات داخل التنظيم تسعى إلى تأمين مواقع سياسية عليا، حتى لو أدى ذلك إلى تصعيد الخلاف مع قوى أخرى في الإطار.
ويظهر اسم ليث الخزعلي، شقيق قيس، في قلب هذه الحسابات. فإلى جانب طرحه لمنصب نائب رئيس الوزراء، برز اسمه في بعض النقاشات السياسية بوصفه شخصية يمكن الدفع بها في الجانب السياسي، في وقت كانت فيه العصائب تطالب أيضاً بوزارة الداخلية، التي يفترض أنها من حصة دولة القانون. لكن حتى هذا الملف لا ينحصر بين العصائب ودولة القانون، وفق ماترويه مصادر داخل "الاطار التنسيقي".
فالأسماء التي تعترض عليها دولة القانون، تقول المصادر، تواجه اعتراضات من تحالف "الإعمار والتنمية" بزعامة محمد السوداني، خصوصاً في ما يتعلق بوزارة الداخلية واسم المرشح المطروح لها.
وتقول المصادر: "بمعنى آخر، كل اسم يفتح خلافاً جديداً، وكل وزارة تحمل معها حسابات أوسع من حصتها في الحكومة".

المالكي يعطل المناصب الأربعة
وفي الوقت نفسه، كان نوري المالكي قد نجح، على مايبدو، في تعطيل خطة لاستحداث أربعة مناصب لنواب رئيس الوزراء، كان من بينهم ليث الخزعلي. وقالت مصادر سياسية في وقت سابق لـ(المدى) إن المالكي كان الوحيد من بين 12 قيادياً شيعياً اعترض على استحداث المناصب، بحجة أن الخطوة ستضيف أعباء مالية إلى الدولة في وقت تواجه فيه ضغوطاً اقتصادية.
لكن موقفه لم يبق معزولاً داخل البيئة الشيعية.
فقد وصلت، قبل أكثر من أسبوع، رسالة من المرجعية في النجف، بحسب المصادر، تؤيد وجهة نظر المالكي من دون أن تسميه.
ولا يعرف على وجه الدقة ما إذا كانت المرجعية قد قدمت ما تسميه الأوساط الشيعية "النصيحة غير الملزمة"، أم أن قيادياً شيعياً تواصل معها في هذا الشأن. ومن بين الشخصيات التي يعرف عنها التواصل مع النجف همام حمودي، القيادي في الإطار التنسيقي، والذي يسعى إلى تحويل التحالف إلى ما يسميه "مجلس قيادة".
وأثار اعتراض المالكي أزمة داخل الإطار قبل أن تتجه القوى إلى التهدئة خلال الأيام الماضية. وتوقفت التصريحات التصعيدية، لكن أصل الخلاف لم يحسم. وكانت ترتيبات استحداث المناصب الأربعة قد تجاوزت النقاش السياسي ووصلت إلى ترتيبات عملية.
وقالت المصادر إن أحد الأحزاب التي كان يفترض أن تحصل على أحد المناصب اختار بالفعل مكتباً فاخراً لنائب رئيس الوزراء المنتظر، وأنفق على تجهيزه نحو خمسة ملايين دولار، أي ما يقارب 7 مليارات دينار.
كما حصلت الجهة نفسها على نحو 800 درجة وظيفية لتشكيل فوج حماية لنائب رئيس الوزراء.

واشنطن تدخل من باب الوزراء
التهدئة داخل "الإطار التنسيقي" التي أعلن عنها المالكي قبل أسبوع ورفضة ما وصفه بـ"نشر الغسيل"، لم تكن حلاً. كانت المشكلة فقط قد انتقلت من العلن إلى الانتظار.
ثم ظهر عامل آخر، وهي الولايات المتحدة.
ومنذ البداية، كانت واشنطن تعترض على تسليم بعض المناصب إلى شخصيات مرتبطة بالفصائل المسلحة، مثل ليث الخزعلي، المدرج على قوائم الخزانة الأميركية منذ سنوات بتهم تتعلق بتهريب النفط.
سياسي قريب من الفصائل تحدث لـ(المدى) بشرط عدم نشر اسمه، يقول إن الزيدي هو من دفع واشنطن إلى التدخل في ملف الوزراء.
بحسب روايته، تعهد رئيس الحكومة أمام دونالد ترامب خلال زيارته إلى الولايات المتحدة في تموز الماضي، بتسليم سلاح الفصائل في 30 أيلول. ويقول السياسي إن الموعد لم يكن في الأصل مرتبطاً سوى بخروج القوات الأميركية، قبل أن يتحول إلى موعد يتعلق أيضاً بملف سلاح الفصائل. لكن الزيدي، بحسب السياسي، لم يتمكن من الحفاظ على تعهده.
الفصائل ترفض الآن، وفق المصدر نفسه، تنفيذ التعهد. وفي هذه النقطة تحديداً، يقول السياسي، وجدت الولايات المتحدة وسيلة للضغط على الحكومة، وهي منع تمرير بعض الأسماء، مع التلويح بعقوبات إذا لم تنزع الفصائل سلاحها.
وهذه الرواية لا تحظى بإجماع داخل بغداد. لكن فكرة العقوبات نفسها بدأت تظهر بصورة أكثر وضوحاً في النقاش السياسي العراقي.
ويعتقد محللون وسياسيون، من بينهم وزير الخارجية السابق هوشيار زيباري، أن واشنطن قد تفرض عقوبات على العراق.

الهجوم الذي غير حسابات بغداد
في الأسبوع نفسه الذي كان يفترض أن تنتهي فيه مهلة تقديم الوزراء، كانت بغداد تواجه تداعيات الهجمات على السعودية.
وللمرة الأولى، أقرت بغداد بأن الهجوم انطلق من جنوب البلاد، وأنه أصاب خطوط نفط مهمة في المملكة.
محمد نعناع، الأكاديمي والباحث في الشأن السياسي، يرى أن استكمال الاستعدادات لمسك الملف الأمني يمثل أولوية كبرى للزيدي في هذه المرحلة، لأنه، بحسب تعبيره، يثبت رؤية الحكومة لطبيعة العلاقات الحقيقية مع الولايات المتحدة.
ويقول نعناع لـ(المدى): "إكمال تشكيل الحكومة لن يتحقق إلا بعد 30/9، خصوصاً إنه هنالك متعلقات أن الوزارات المعنية هي وزارات أمنية، فلن ترضى الولايات المتحدة الأمريكية بصياغتها داخل الإطار التنسيقي، ولن تقبل بشخصيات لن تلتزم بالاتفاق اللي صار بين واشنطن وبغداد عند ذهاب الزيدي إلى الولايات المتحدة الأمريكية ولقائه الرئيس ترامب ووزير دفاعه ووزير خارجيته ورئيس أركانه".
ثم يضيف أن القضية، في نظره، لا تتعلق فقط بتأخير الزيدي للملف أو بمحاولة اختيار "الخيارات الصحيحة" وسط خلافات الإطار بل بما سيحدث للمؤسسات الأمنية بعد الاتفاق العراقي ـ الأميركي.
ويقول: "بمعنى إنه الزيدي ليس فقط يؤخر هذا الموضوع أو يريد أن يمعن بمسألة الخيارات الصحيحة لأنه هناك خلافات بالإطار التنسيقي، وإنما ينظر إلى أنه كيف تعمل المؤسسات الأمنية وفقاً للاتفاق العراقي-الأمريكي في واشنطن للمرحلة المقبلة".
وعند هذه النقطة، تصبح القصة أكثر تعقيداً بسبب الضغط من الداخل حول الوزارات والمناصب وضغط من الخارج بسبب السلاح والعلاقة مع واشنطن. وفوقهما هجوم على السعودية يجعل أي خطوة عراقية في ملف الفصائل أكثر حساسية.
لذلك، يرى نعناع أن استكمال الحكومة خلال الأسابيع القليلة التي تسبق 30 أيلول يبدو مستبعداً، وربما حتى بعد ذلك الموعد إذا لم تتحقق استحقاقات على الأرض.

الإطار يختار التهدئة
في المقابل، بدا الخطاب الرسمي لقوى الإطار التنسيقي أكثر هدوءاً خلال الأيام الأخيرة، بعد تفاهم غير معلن على التهدئة.
وقال خالد وليد، عضو المكتب السياسي لائتلاف الإعمار والتنمية بزعامة محمد السوداني، إن الائتلاف يؤكد ضرورة الإسراع بحسم مرشحي القوى السياسية لاستكمال الكابينة الوزارية، بما يعزز عمل الحكومة ويمكّنها من أداء مسؤولياتها وفق البرنامج الحكومي.
وأضاف لـ(المدى) أن الائتلاف مستعد للقيام بدور إيجابي في تقريب وجهات النظر بين القوى السياسية وتذليل العقبات أمام استكمال التشكيلة الوزارية، بما يدعم رئيس الوزراء ويعزز الاستقرار السياسي وقدرة الحكومة على تنفيذ برنامجها.
وفي ما يتعلق بمناصب نواب رئيس الوزراء، قال وليد إن الائتلاف "داعم للحلول وفق الاتفاقات السياسية التي تشكلت بموجبها الحكومة بما يضمن تحقيق الاستقرار وعدم إثارة أي ملف خلافي في الوقت الحاضر".
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى محليات