تغيير حجم الخط     

فخري كريم يروي في شهادة استثنائية: سقوط الجعفري وولادة المالكي.. من وهم القداسة إلى شروط السفير الجزء الخامس

مشاركة » الخميس سبتمبر 03, 2026 9:50 am

حاوره: ياسر السالم

ختم فخري كريم الجزء السابق من شهادته، بالكشف عن كيفية إعلان ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء، بعد الإعلان المفاجئ الذي حسم به إبراهيم الجعفري مصيره السياسي بتصريح صحفي، معلنا استقالته وترشيحه زميله القيادي في حزب الدعوة الإسلامية، قبل أن يكتمل اجتماع قيادة الحزب نفسه على قرار في هذا الشأن. عند تلك النقطة توقفت الرواية امام وصف دقيق لميلاد ترشيح لم يصنعه توافق ولا تصويت، وإنما صنعته إرادة الانسحاب من مرشحين آخرين وتصريح للصحافة.
وفي هذه الحلقة، يعود إلى المشهد نفسه ليمنحه عمقا مضاعفا من جهتين. فمن جهة، يستكمل تشخيصه لعهد الجعفري في أشهره الأخيرة، كاشفا عن الوهم الذي تلبس صاحبه باعتبار نفسه «عهدة إلهية»، « وموثقا الانهيار الأمني والطائفي الذي رافق تلك الأشهر، من أزمة كركوك إلى الصراع الدستوري إلى مأساة جسر الأئمة، وصولا إلى اللحظة التي رفض فيها الجعفري فرض حظر التجول الذي كان يمكن أن يحول دون مزيد من سفك دماء الأبرياء والانزلاق إلى حرب أهلية.
ومن جهة أخرى، يفتح الباب على ما ظل خلف الإعلان المجرد الذي أنهت به الحلقة السابقة روايتها: كيف جرى اختيار المالكي فعليا؟ من كان أمامه من مرشحين، وعلى رأسهم علي الأديب وحيدر العبادي؟ وما الصراع الخفي الذي كان يدور بين المجلس الإسلامي الأعلى الذي يطرح الدكتور عادل عبد المهدي وحزب الدعوة على تصدر المشهد؟ وكيف اختبر السفير الأمريكي زلماي خليل زاد — كطرفٍ أمريكي رئيسي في صناعة القرار — المالكي شخصيا عبر لقاءات «جس النبض»، ثم اختباره بشروطٍ محددة قبل أن يبارك تسميته؟
بذلك تكتمل صورة انتقال السلطة من الجعفري إلى المالكي، من لحظة الإعلان المجرد في الحلقة الرابعة، إلى المشهد الكامل بخلفياته وشروطه ولاعبيه في هذه الحلقة.
وهم «العهدة الإلهية» وانكشاف الطينة
يفتتح فخري كريم مراجعته لخاتمة عهد الجعفري من زاوية الوهم الذي حكم سلوكه في السلطة، قبل أن ينتقل إلى تفصيل الانهيار الذي رافق ذلك الوهم على الأرض.
يقول كريم: «غادر الجعفري رئاسة الحكومة بعد أن استنفد كل وسائل الممانعة، ومن كان يتعامل معه كظهير لن يتخل عنه. لكن الأمر لم يتوقف عند العناد الذي يميزه، بقدر الوهم الذي كان يتلبسه باعتباره شخصا يرقى إلى مستوى القداسة، أو باعتباره عهدة إلهية مرسلة إلى العراق وشعبه».
ويضيف كريم، إن الجعفري قد فعَّل في تلك الأيام الهتاف المشهور «ماكو ولي إلا علي، ونريد حاكم جعفري»، وكأنه هتاف يعنيه شخصيا. ويستدرك: «هذا الضجيج الذي كان يحيط به نفسه – ربما بترتيب من حاشيته ومريديه – أصابه مقتلا، وكشف طينته التي بانت وهو يستعرض مواهبه وقدراته الفلسفية والثقافية ومعرفته الكلية، حتى إنه كان يكثر من استحضار المصطلحات والمعطيات، وإقحامها أحياناً في غير موضعها وسياقها».
وبشيء من الابتسامة، يتذكر كريم أن الجعفري «أعاد اكتشاف منبع دجلة والفرات، فأكد خلافا للسائد أنهما ينبعان من إيران وليس من تركيا! وحين قاطعه محاوره المصري في القناة الرسمية بعد لقائه الرئيس المصري انذاك، مصححاّ بالقول: «سيادتك تقصد من تركيا» فاجابه الجعفري بثقة: «لا اقصد ايران»، مضيفاّ اسماء انهرٍ وروافد تصب في النهرين من الجمهورية الاسلامية!
«بل إنه أذهل الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش بسيل من معلوماته عن الرؤساء الأمريكيين، من المؤسسين وصولاً إلى ونستون تشرشل! كما يروي زلماي خليل زاد عن فترة عمله سفيراً في العراق. ويبدو أن المفاجأة كانت أكبر من أن تمر بصمت، حتى إن بوش أومأ إلى خليل زاد مستوضحاً، في مشهد اختلطت فيه دهشة الرئيس بحيرة السفير: ما المطلوب من استعراضه سيرة رؤساء الولايات المتحدة امام الرئيس ومتى كان أصبح تشرشل رئيساً للولايات المتحدة؟!»
هذا المشهد الساخر من استعراض المعرفة الموهومة يمهد، عند كريم، لما هو أخطر بكثير، ذلك الانهيار الأمني والاقتتال الطائفي الذي تصاعد في ظل حكم الجعفري. وترافق مع تصدع في علاقته بحلفائه وعزلته حتى عن حزبه والمرجعية الدينية العليا في النجف.
يقول إن «الجعفري، وخلال الفترة التي تولى فيها حكم العراق حيث اعاد القيصر بول بريمر بناء ما « يُشبه دولة « محطمة الأركان من بقايا فضلات هياكل نظام صدام حسين – وضع البلاد المنكوبة على أبواب انهيار وتقاتل على الهوية كادا أن يتحولا إلى حرب أهلية طاحنة».
وما يكفي لإدانة تلك الفترة المظلمة، كما يرى كريم، «تحريض الجعفري على العنف وسفك الدماء، وتحويل النزعات الطائفية والمذهبية إلى سياسة ممنهجة وانتقام وإثارة لكل ما يحيي الضغائن ويحرض على تفكك المجتمع العراقي بمكوناته وقواه».
ثم يتوقف عند المشكلات السياسية التي أثارها في فترة حكمه القصيرة، وهي، بحسب كريم «قضايا عقدية كانت موضع خلافٍ بين أطراف العملية السياسية وجدت تسويات لها عبر حوارات طوال شهور لتنتهي الى إقرار « القانون الإداري الانتقالي «.. غير أن الجعفري أعاد تفجير الخلاف مع الكرد حول كركوك والمناطق المتنازع عليها، وجعل من قضية تلك المحافظة وقضية الفيدرالية عموما، نقاط احتكاك رئيسية بينه وبين الحليف الكردي الذي انحاز إلى جانبه عند طرح تسميته رئيسا للحكومة!».
ويضيف: « وتمادى في مداخلاته المتشددة طائفيا في التعامل مع وجهات النظر المختلفة حول الدستور بين العرب السنة والكرد وبين الإسلاميين الشيعة، رغم انها نوقشت باستفاضة في مجلس الحكم توطئة لاقرارها بالاستشارة المستمرة مع المرجع السيستاني ليتم تثبيتها في الدستور المؤقت».
ولم يكتف الجعفري بذلك وحسب، فكريم يؤكد «دوره السلبي بالتحريض على تكريس مواد في الدستور تجعل من النظام السياسي إسلاميا – خلافا لما جرى الاتفاق عليه بين الفرقاء في العملية السياسية – وبشكل خاص التأكيد على أن « الإسلام هو المصدر الاساسي للتشريع». والإيحاء كلما كان يُجابه به من رفض بأن هذا ما تريده المرجعية العليا في النجف!
وقد اكتمل التضييق عليه وتشديد عزلته «من خلال تخل المرجعية الدينية العليا في النجف عن دعمه وتزكية نهجه وسياسته، بسبب الانتهاكات التي مورست في عهده»، ثم يضيف: «وانعكس ذلك الموقف من المرجعية في امتناعها عن منح الائتلاف العراقي الموحد دعما مماثلا لما شهدته انتخابات كانون الأول ٢٠٠٥، حيث عبرت المرجعية عن خيبة أملها من أداء الحكومة والاتهامات المتعلقة بالفساد والتجاوزات الأمنية، وبينها فضيحة اكتشاف معتقل الجادرية السري التابع لوزارة الداخلية، حيث وجد فيه ١٧٠ معتقلا، وظهرت أدلة واتهامات خطيرة بالتعذيب. وقد كشفت الانتهاكات المذكورة للرأي العام هول الاختراقات داخل الأجهزة الأمنية».
ويسترسل كريم في تأشير «المظاهر المستفزة» التي شهدتها البلاد في عهده، ومنها «احتدام الصراع السياسي حول صياغة الدستور، بما يؤجج الخلاف بين أطراف العملية السياسية، خصوصا ما يتعلق بالفيدرالية وهوية الدولة ودور الإسلام وصلاحيات الحكومة الاتحادية وتوزيع النفط والثروات الطبيعية. وهي قضايا نوقشت وثبتت في القانون الإداري الانتقالي».
تصاعد الصراع الطائفي!
ثم ينتقل كريم إلى الذروة المأساوية لعهد إبراهيم الجعفري: تصعيد داخل الصف الشيعي نفسه، وكارثة إنسانية كبرى، وقرار أخير يختصر طبيعة ذلك العهد بأسرها.
يقول: إنه بعد أشهر قليلة من إدارة الجعفري لرئاسة الوزراء، «توسعت دائرة القتل على الهوية، إلى جانب استفحال نشاط القوى التكفيرية، القاعدة وبقايا البعث وشراذم العصابات الإجرامية، لكنها شهدت أيضا تصاعد المواجهات والتوترات بين أنصار التيار الصدري ومنظمة بدر في النجف ومدن أخرى، مما كشف مبكرا حدة الصراع الشيعي – الشيعي»، ليس مع الإرهاب التكفيري وأدواته، وإنما بين القوى الإسلامية الشيعية، ودور السلاح المنفلت وصعود الميليشيات المسلحة والسياسية.
ولكن حدثا مأساويا مروعا، كما يصفه كريم، تمثل في كارثة جسر الأئمة ببغداد، أثناء إحياء ذكرى استشهاد الإمام موسى الكاظم، قدم صورة مغايرة للموقف الشعبي بمختلف مكوناته وطوائفه من نهج الجعفري وما يمثله من إثارات طائفية ومذهبية. وتمثلت تلك الصورة الايجابية في بسالة شاب سني يفتدي الغرقى من زوارالامام الكاظم الذين استشهد نحو ألف شهيدة وشهيد بسبب تدافع عفوي لجموع الزوار، كشف عن وضع اجتماعي آخر.
يشخص كريم، أن «ما رافق تلك الكارثة – وهي من بين الأكبر منذ سقوط الطاغية – أظهر، خلافا لدعاة التمييز الطائفي والمذهبي ومن بينهم الجعفري، ما يعكس اللحمة الوطنية والتكاتف في الملمات. وتجسد في بسالة الشاب الأعظمي “السني” الذي أنهك نفسه الزكية بإنقاذ أكبر عدد من الغرقى، وهم من الشيعة، دون أن يأبه للموت، حتى استشهاده من الإرهاق!.. ولم يتوقف الأمر عند تلك المأثرة البطولية بل ان اهالي الاعظمية « السنة « هبوا لنجدة ضحايا الكارثة».
ثم يغلق كريم توصيفه لتلك الفترة المظلمة، بالقول: «يكفي لمشروع مستبد بلباس مذهبي أن ينتهي وهو يرد برفض طلب تطبيق حظر تجوال فوري للحيلولة دون المزيد من القتل على الهوية والانزلاق إلى حرب أهلية. لم يرفض الجعفري فحسب، بل قال بمنتهى اللامسؤولية واصفاّ ما تشهده البلاد من مواجهات دموية مروعة: «ان العراقيين بحاجة للتنفيس عن غضبهم!».
هكذا تغلق صفحة الجعفري عند كريم، عهد بدأ بوهم القداسة، وانتهى برفض قرار كان يمكن أن يمنع مجزرة، بذريعة أن «الغضب الطائفي يحتاج متنفسا». من هذه النهاية المدوية، تنتقل الشهادة إلى الفصل الذي فتحه سفير أمريكي جديد ونجم سياسي صاعد: زلماي خليل زاد ونوري المالكي.
اختبار المالكي والشروط الأمريكية!
ويبدأ كريم روايته لكيفية انتقال السلطة من الجعفري إلى المالكي، بالحديث عن السفير الأمريكي زلماي خليل زاد، يقول: «كانت نهاية عهد إبراهيم الأشيقر في الفترة التي صار فيها زلماي خليل زاد سفيرا للولايات المتحدة الأمريكية في العراق، وهي الفترة التي صعد فيها نجم نوري المالكي، الذي لم يكن في بال أحد – دون الانتقاص من قدره». ويؤكد أن قياديين من الصف الأول في حزب الدعوة كانوا يسبقون المالكي في الحضور السياسي، والموقع القيادي «بينهم علي الأديب وحيدر العبادي، وربما آخرون، لكنهم لم يكونوا في وارد الانتباه لمهمة قيادة العراق الغارق في الأزمات والإرهاب والصراع بين الفرقاء في العملية السياسية». ويضيف: «والغريب أن ثالثهم عبد الفلاح السوداني انسل بين المرشحين في قائمة المرجع الأعلى، ربما لأنه لم يكن قد تلبس بالفضيحة بعد». لكن الشيخ عبد الحليم الزهيري، القيادي في حزب الدعوة، قال لفخري كريم ان «اجتماع قيادة الدعوة لم يأخد ترشيحه محمل الجد لاعتبارات حزبية».
ولم تكن المشاورات حول بديل الجعفري لرئاسة الوزراء سهلة، بحسب كريم، «حيث ظل البحث مضنيا على كل المستويات، وفي الكواليس كان صراع خفي يجري بين المجلس الإسلامي الأعلى الذي كان يضغط باتجاه ترجيح عادل عبد المهدي وليس ممثلاّ عن وحزب الدعوة على تصدر المشهد السياسي».
ويتابع: «تطلب ذلك أولاّ إجبار الجعفري على الانسحاب، ووجد اللاعبون الأساسيون في العملية السياسية أنفسهم أمام مهمة إقناع قيادة حزب الدعوة بالانضمام الى المساعي الهادفة للتخلي عن الجعفري لتظل رئاسة الحكومة من حصتهم. وقد فعلوا ذلك متكئين على رسالة المرجعية الشفهية التي نقلها الشيخ الزهيري لقيادته والمتضمنة ضرورة ترشيح بديلٍ عن الجعفري، بالإضافة الى شبه إجماع القوى المشاركة في العملية السياسية، والولايات المتحدة الأمريكية».
ويتحدث كريم عن دور الولايات المتحدة في تلك الفترة، مستذكرا «مشاورات السفير خليل زاد مع الرئيس مام جلال التي كانت تجري بشكل شبه يومي تقريبا، بين اتصال تلفوني أو زيارة عمل، أو في إطار اجتماعات موسعة يجمع الرئيس فيها كل الشخصيات السياسية وقادة الأحزاب والسفراء».
يوثق كريم أنه «مع التحول لاختيار مرشح لرئاسة الحكومة، بدأ مام جلال – بعد التشاور مع رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، والشركاء الآخرين – يطرح اسم المالكي. لينتقل التشاور مع خليل زاد، إلى لقاء بين الأخير وبين المالكي كاختيار من وجهة نظر الولايات المتحدة ولجس نبض من سيوكل له تقرير مصير العراق، ولمعرفة ما يمكن أن ينويه من توجهات ومواقف وسياسات في القضايا العراقية العقدية، وفيما يتعلق بالعلاقات المستقبلية بين بغداد وواشنطن».
من هذا التمهيد للاختبار الأمريكي، ينتقل كريم إلى تفصيل ما جرى في اللقاءات نفسها، وإلى الشروط التي وضعت أمام المالكي قبل أن يبارك اختياره:
«بعد اللقاء الثاني لخليل زاد بالمالكي، جاء إلى القصر الجمهوري وهو يبتسم منشرحا: إن المالكي خيار مناسب مستطرداّ – إنه جيد، وطني عراقي، ليس ميالا لإيران، بل حين كان منفيا في طهران خاب أمله بالنظام الإيراني لدرجة أنه رفض ذات مرة التعهد بالولاء للخميني – كما ورد في مذكرات خليل زاد».
وينقل كريم عن السفير الأمريكي قوله: «كما لم يكن – ويعني المالكي – فيما يبدو، يعمل لصالح دمشق. ووجدت أنه يحمل نوايا إيجابية للتعامل مع ما يواجه العراق من أزمات ومصاعب وتحديات على مختلف المستويات، وقد تعهد أن يكمل ما توقف من مهام لتحقيق أهدافنا المشتركة في بناء عراق ديمقراطي».
«وعلى صعيد العلاقات المشتركة بين بلدينا»، والحديث للسفير الأمريكي كما يوثق كريم، «أكد استجابته للشروط الأربعة التي طرحتها عليه، واستعداده للتعاون مع جميع الشركاء لأخذها بنظر الاعتبار، وكذلك بالنظر إيجابيا لأفضل علاقة تعاون بعد انسحاب قوات التحالف من العراق».
ويضيف كريم: «ويذكر السفير الأمريكي خليل زاد أنه أخبر المالكي ببعض مخاوفه، وهو مستعد لتشجيع العراقيين على الوقوف معه إذا استطاع تبديد مخاوفه.. وحين طلب المالكي الإفصاح عن مخاوف السفير الأمريكي
ك السفير زلماي شروطه » وهي:
أولا: يتوجب على الحكومة القادمة السعي لتحقيق مصالحة سياسية بشكل جدي، دون الاكتفاء بالكلمات والخطابات والوعود.
ثانيا: يتوجب على رئيس الوزراء اتخاذ مقاربة متوازنة في محاربة الميليشيات والإرهابيين والمتمردين معا.
ثالثا: يتوجب على رئيس الوزراء اختيار وزيرين غير طائفيين للدفاع والداخلية؛ وللتأكد من ذلك، تحتاج الولايات المتحدة للموافقة على الوزيرين المعينين، إذ إن وزيرين يملكان علاقات مع الميليشيات لن يكونا مقبولين.
رابعا: يتوجب على رئيس الوزراء التواصل مع العالم العربي، وخصوصا مع المملكة العربية السعودية.
وأخيرا: ينبغي على رئيس الوزراء التحرك بسرعة للتوصل إلى اتفاقات حول توزيع عوائد النفط، وتعديل عملية اجتثاث البعث، والبحث في قضايا جوهرية أخرى تزرع بذور الشقاق في البلد.
كان السفير الأمريكي، كما ينقل فخري، «فرحا بأن المالكي وافق فورا على النقاط جميعها، باستثناء موضوعة اجتثاث البعث بدا متحفظا فيها.. لكننا توصلنا إلى اتفاق مرض حول الاجتثاث بعد نقاش خلال اليومين التاليين».
بداية الولاية والإخفاق المبكر!
بعد أن يوثق كريم الشروط الأمريكية التي قبلها المالكي، ينتقل إلى اختبار الممارسة: هل ترجمت هذه الصورة التي رسمها المالكي أمام واشنطن نفسها على الأرض؟
يروي كريم أن «المالكي باشر ولايته محاولا إظهار صورته التي رسمها أمام الرئيس طالباني والسفير زلماي والشركاء الآخرين. حاول ترتيب أولوياته بحذر، نائياً بنفسه لفترة، الاقتراب من الحساسيات السياسية التي تؤجج مشاعر الضغينة والشكوك المتقابلة، التي فعَلتْ فِعلَها في عهد الجعفري. لكنه لم يتخذ تدابير وقرارات فعالة تعافي، ولو بالحدود الدنيا، الأوضاع المأزومة بما تفرزه من عنف وإرهاب وتجاوزات أمنية. وعلى صعيد ما هو جوهري في معالجة غياب الأمن الاجتماعي والاستقرار، والمتمثل قبل أي خطوة أخرى بالمصالحة المجتمعية، حيث ظلت تراوح في مكانها، وتتحول إلى مجرداجتماعات للخطب وتبادل « الملاعق « في الولائم المترفة، والتأكيد على أمجاد العراق والإخوة التي تجمع كل المكونات!»
من إخفاق المصالحة على مستوى القرار السياسي، ينتقل كريم إلى أثر ذلك الإخفاق في حياة الناس اليومية، حيث تحول الانتماء الطائفي إلى مسألة نجاة حرفية: «وفي ظل الأجواء المشوبة بالخوف والقلق، كان المواطنون يعبرون (السيطرات)، التي ينصبها مسلحون من مختلف الجهات، بهدف العثور على عابر يحمل هوية تدلل على الانتماء الطائفي»، ويضيف كريم: «كان الخلاص لكثير من العراقيين، يتمثل في الحصول على بطاقة شخصية – وإن كانت مزورة – تحمل اسما يلتقي مع الهوية الطائفية لسيطرات المسلحين التي تصادف طريقهم ».
ويضيف: «يأتي ذلك مع استمرار المفخخات والتفجيرات التي طالت الوزارات الحكومية والمساجد والأسواق والمناطق السكنية وفقا لهويات سكانها، وباتت حدود البلاد أشد انتهاكا من قبل الجارتين من طرفي البلاد، سوريا وإيران، حيث « منتجعات « تدريب مجاهدي التكفيريين من القاعدة ثم داعش، وبقايا البعث، وكل أوباش الدنيا شرقا وغربا»، كما يصفهم.
لكن العنف كما يؤكد كريم، «لم يعد يأتي من وراء الحدود فقط، إنما دخل على حدود التماس اليومي كعنف بين القوى الداخلية وعلى مستوى البلاد كلها، تغذيه مطامع ومطامح خارجية لا ترى في استقرار العراق ومعافاته ما يطمئن مصالحها، فباتت تغذي نواتاةٍ مسلحة تجمع النقيضين: إدعاء مقاتلة “قوات الاحتلال”، وتغذية تفكك البلاد، وتوسيع دائرة الاختلاف والتصفيات الجسدية للآخر العراقي دينيا ومذهبيا وعقائديا، ليصبح السلاح المنفلت أكثر انفلاتا، وليصبح العنف وسيلة للحيلولة دون بناء الدولة ومؤسساتها».
وعلى وقع تلك الأحداث، «انطلقت من البصرة شرارة (صولة الفرسان)، وانتقلت مثل النار في الهشيم إلى بغداد وحواضر أخرى، ليتحول المالكي إلى بطل يريد دولة»، وهو ما سيتوقف عنده فخري كريم في الجزء القادم من شهادته، بمزيد من التفصيل
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات