لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعده بن هبارد أشار فيه للتوتر المتزايد بين تركيا وإسرائيل. وقال فيه إن الغارات الجوية الإسرائيلية ضد قاعدة عسكرية سورية كشف التنافس بينهما في الشرق الأوسط وأبعد منه.
وقال إن حربا كلامية تدور بين تركيا وإسرائيل منذ سنوات، حيث وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إسرائيل بأنها “دولة إرهابية”، وقارن رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو بهتلر، وألمح إلى إمكانية التدخل العسكري التركي داخل إسرائيل. من جانبه، وصف نتنياهو أردوغان بأنه “ديكتاتور معادٍ للسامية”، واتهم أعضاء في الحكومة الإسرائيلية تركيا بدعم الإرهاب والتصرف كـ”دولة معادية”. وتعد هذه الحرب الكلامية أبرز مظاهر التنافس المتنامي بين تركيا وإسرائيل، والذي يخشى المحللون والمسؤولون أن يفاقم حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وهي منطقة تعاني أصلا من ويلات الحروب وتداعياتها في سوريا ولبنان وغزة وإيران.
وأشار بن هبارد إلى أن كلا من تركيا وإسرائيل تعدان حليفتان للولايات المتحدة، وتربطهما علاقات ودية مع إدارة دونالد ترامب. إلا أن البلدين، اللذين يمتلكان جيوشا قوية تنشط بشكل متزايد خارج حدودهما، يسعيان لتحقيق رؤى استراتيجية تقودهما للتورط في خلافات الشرق الأوسط والقرن الأفريقي وشرق المتوسط.
وعلق ضياء ميرال، مدير شركة “رافن للأبحاث والاستشارات” لإدارة المخاطر في لندن، إن تصاعد النفوذ العسكري من جانب تركيا وإسرائيل قد أدى إلى “منافسة وتنافس جيوسياسي لا مفر منه”. مؤكدا أن هذا التوتر لا يعني بحال انزلاق الطرفين إلى مواجهة عسكرية مباشرة. إلا أنه حذر من أن التوتر يزيد من خطر سوء التقدير، وأن أي عمل عسكري محدود من جانب واحد “لتوجيه رسالة” إلى الآخر “قد يأتي بنتائج عكسية وخيمة”.
وقد قامت إسرائيل بخطوة مماثلة الأسبوع الماضي، عندما قصفت قاعدة جوية مهجورة في شمال سوريا، استباقا لما وصفه مسؤولون إسرائيليون بأنه نشر وشيك للقوات التركية هناك. مع أن الحكومتين السورية والتركية، نفتا أي خطط لنقل قوات إلى القاعدة الجوية.
وانتقد السفير الأمريكي في أنقرة، والمبعوث الخاص لكل من سوريا والعراق، توم براك الغارة الجوية بأنها “تصعيد غير ضروري”، ودعا كلا من تركيا وأسرائيل “تغليب الخطاب المنطقي على الحوادث العسكرية”.
ولم تكن العلاقات بين إسرائيل وتركيا دائما سيئة، فلديهما علاقات دبلوماسية وتجارية على الرغم من الخلافات المتقطعة والمتعلقة عادة بالنزاع الإسرائيلي مع الفلسطينيين. وكانت تركيا أول دولة مسلمة تعترف بإسرائيل بعد الإعلان عنها في عام 1948، ولم تشارك القوات التركية في أي من الحروب التي خاضتها الدول العربية ضد إسرائيل، إضافة إلى هذه تعتبر تركيا حليفا لأمريكا وعضو في حلف الناتو، فيما تحصل إسرائيل على مساعدات عسكرية كبيرة من الولايات المتحدة.
أما عن أسباب التوتر الأخير، فقد نبعت من أولا من حرب غزة، التي شنت ردا على هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث انتقد مسؤولون أتراك أسلوب القتال الإسرائيلي في غزة واتهموا القوات الإسرائيلية بارتكاب إبادة جماعية. ووصف الرئيس أردوغان الرئيس نتنياهو بـ”مصاص الدماء”.
أما الأمر الثاني، فهو سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024، وما تبع ذلك من وصول أحمد الشرع إلى السلطة، وهو جهادي سابق تربطه علاقات وثيقة بتركيا.
وقدمت تركيا للشرع دعما دبلوماسيا وعسكريا لمساعدته على تحقيق استقرار دولته الهشة.
وفي أعقاب إطاحة الأسد، دمرت غارات إسرائيلية جزءا كبيرا من المعدات العسكرية السورية، مبررة ذلك بانعدام الثقة بالشرع. كما احتلت إسرائيل أراضي في جنوب سوريا، بهدف منع التهديدات العابرة للحدود، على حد زعمها.
وترى غاليا ليندنشتراوس، الباحثة الرئيسية في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب أن الهجوم الذي قادته حماس عام 2023 قد شكل نهج إسرائيل تجاه المنطقة وتركيا. وأضافت: “لا نسمح للتهديدات بالتفاقم؛ بل نتصدى لها في بدايتها وهذه هي العقيدة الأمنية السائدة وهذا ما يجعل إسرائيل أكثر استعدادا للمخاطرة وأقل انفتاحا على التسويات السياسية”. وقالت إن إسرائيل تنظر إلى تركيا على أنها قوة عسكرية متنامية تمتلك صناعة أسلحة تنافس إسرائيل في بعض الأسواق، ولديها قوات منتشرة في دول أخرى ، بما فيها سوريا والعراق، ولديها قادة يتحدثون عن إسرائيل بطريقة عدائية.
من جانبهم، رأى قادة تركيا ما حدث في غزة كارثة إنسانية، فيما وصفوا التوغل الإسرائيلي في لبنان وسوريا بأنه مزعزع للاستقرار. وعارضت تركيا بشدة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، قائلةً إنها ستُثير أزمة إقليمية خطيرة، وسعت إلى منعها.
وأضاف سليم جيفيك، الباحث الزائر في مركز الدراسات التركية التطبيقية في برلين، أن الخلافات في الشرق الأوسط تؤثر على العلاقات بين تركيا وإسرائيل في أماكن أخرى. وأضاف: “بما أن تركيا وإسرائيل تعتبران نفسيهما خصمين في المنطقة، فإنهما تنظران إلى تحركات بعضهما البعض في أماكن أخرى من منظور الربح والخسارة”.
ففي القرن الأفريقي، تربط تركيا علاقات وثيقة بالصومال، التي تستضيف وجودا دبلوماسيا وعسكريا تركيا كبيرا.
وفي كانون الأول/ديسمبر، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بجمهورية أرض الصومال “صومالي لا ند”، وهي منطقة انفصالية أعلنت استقلالها عن الصومال عام 1991. آنذاك، قالت إسرائيل إن هذه الخطوة تتماشى مع اتفاقيات إبراهيم.
ووصف أردوغان اعتراف إسرائيل بأرض الصومال بأنه “غير قانوني وغير مقبول”.
وفي شرق المتوسط، عززت إسرائيل التعاون في المجال العسكري والطاقة مع اليونان وقبرص، اللتين لديهما نزاعات حدودية طويلة الأمد مع تركيا. وقد حاول أردوغان التقليل من أهمية الاتفاقيات الجديدة بين الدول الثلاث في كانون الأول/ديسمبر، مشبهًا إياها بـ”علبة صفيح تصدر صوتا”. وفي هذا الشهر، وقّعت تركيا اتفاقية دفاع مشترك مع السعودية وباكستان، والتي قال محللون إنها تهدف جزئيا إلى خلق ثقل موازن للنفوذ الإسرائيلي في المنطقة. وتظل سوريا هي بؤرة التوتر الأخطر في هذا التنافس. ويرى جيفيك أن تركيا تسعى إلى سوريا مستقرة ومركزية، بينما تفضل إسرائيل دولة منقسمة بجيش ضعيف لا يشكل تهديدا. وأضاف: “هاتان الرؤيتان تتعارضان تعارضا جوهريا”.
وكانت الضربة الإسرائيلية التي استهدفت الأسبوع الماضي القاعدة الجوية السورية في بلدة أبو الظهور، الواقعة على بعد حوالي 64 كيلومترا جنوب الحدود التركية، صورة عن التوتر المستمر، ففي 19 آب/أغسطس وبعد يوم من الضربة، قال نتنياهو إن إسرائيل لن تقبل بوجود عسكري تركي في سوريا “يمتد جنوبا لأنه يهددنا”.
وأعلنت تركيا، بعد يومين أنها ستسعى إلى اعتقال نتنياهو عبر الإنتربول بتهم تشمل الإبادة الجماعية والتعذيب، وذلك في إطار قضية داخلية في تركيا تتعلق بمعاملة إسرائيل للناشطين المؤيدين للفلسطينيين الذين تم اعتراضهم في البحر أثناء توجههم إلى غزة.
وعمل المسؤولون الأمريكيون وفي الأيام التالية، على استئناف الحوار بين الحكومتين. وتكهن بعض المحللين الإسرائيليين بأن الهجوم في سوريا كان جزءا من مسعى نتنياهو لتعزيز مكانته في مجال الأمن القومي قبل الانتخابات الإسرائيلية في تشرين الأول/أكتوبر. ورغم استخدام المسؤولين الطرف الآخر وعدم شعبيته لدى الرأي العام إلا أن اللهجة الحادة تعكس، كما يقول جيفيك، خلافات حقيقية، ولكنه استبعد أن تنخرط كل من تركيا وإسرائيل بمواجهة عسكرية مباشرة و”لا أرى ذلك مرجحا، لأن الأمريكيين، في المقام الأول، لديهم مصلحة في إبقاء هذين الطرفين بعيدا عن المواجهة المباشرة”.