تغيير حجم الخط     

لوموند”: فشل الرهان الإسرائيلي على إسقاط النظام الإيراني يفاقم الخلافات بين الجيش والموساد

مشاركة » الخميس أغسطس 27, 2026 5:00 pm

2.jpg
 
باريس- “القدس العربي”: رأت صحيفة “لوموند” الفرنسية إن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تعيش حالة من المرارة بعد فشل الحرب التي شنتها إسرائيل، بدعم من الجيش الأمريكي، بهدف إضعاف النظام الإيراني وصولاً إلى إسقاطه. فبعد ستة أشهر على بدء العملية في 28 فبراير/شباط، بات واضحاً أن النظام الإيراني نجا من أخطر تهديد خارجي واجهه منذ عقود.

ونقلت الصحيفة عن أفنر فيلان، المسؤول السابق في الاستخبارات الإسرائيلية والمتخصص في الشأن الإيراني، قوله إن إسرائيل “فقدت الورقة” التي كانت تمثل تهديداً حقيقياً للنظام الإيراني، مضيفاً أن طهران خرجت من المواجهة أكثر ثقة بنفسها من أي وقت مضى، بينما ما يزال الملف النووي الإيراني مصدر قلق رئيسياً.

وأضافت “لوموند” أن تداعيات الفشل بدأت تظهر داخل إسرائيل والولايات المتحدة معاً. ففي واشنطن، يحمّل ديمقراطيون وجمهوريون إسرائيل مسؤولية دفع الرئيس دونالد ترامب إلى الانخراط في حرب أثارت تساؤلات حول مستقبل الدعم الأمريكي لإسرائيل على المدى الطويل. أما في إسرائيل، فقد بات الرأي العام ينظر إلى الحرب بصورة سلبية، في حين يتجنب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي أعد للعملية وقادها، تقديم حصيلة واضحة لها.

في المقابل، بدأت أجهزة الأمن الإسرائيلية دفع ثمن الإخفاق، إذ أُقيل في أغسطس/آب الجاري مديرا قسم إيران وقسم الاستخبارات في جهاز الموساد، وهما من أبرز المسؤولين عن التخطيط للعملية، في خطوة وُصفت بأنها سابقة داخل الجهاز وأثارت توتراً في صفوفه.

أُقيل في آب الجاري مديرا قسم إيران وقسم الاستخبارات في جهاز الموساد، وهما من أبرز المسؤولين عن التخطيط للعملية، في خطوة وُصفت بأنها سابقة داخل الجهاز وأثارت توتراً في صفوفه

الجيش الإسرائيلي، من جهته، كثّف تسريباته التي توحي بأنه كان متحفظاً منذ البداية على فكرة إسقاط النظام الإيراني. ونقلت “لوموند” عن راز زيمت، الخبير في الشأن الإيراني بمعهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، قوله إن الجيش يشعر بالاستياء من الموساد، لأنه يرى أن الجهاز “جرّ الجميع إلى أوهام تغيير النظام”.

خطة اعتمدت على الأكراد وأحمدي نجاد

تابعت “لوموند” التوضيح أن الخلاف داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لا يتعلق بوجود الفشل من عدمه، وإنما بتحديد المسؤول عنه. فالموساد يدافع عن خطته ويقول إن المشكلة لم تكن في التصور نفسه، وإنما في أن أجزاء أساسية منه لم تُنفذ.

بحسب الصحيفة، فإن تفاصيل الخطة ظهرت تدريجياً في وسائل الإعلام منذ شهر مارس/آذار، ولا سيما عبر “نيويورك تايمز” ثم صحيفتي “هآرتس” و“يديعوت أحرونوت”. وتجمع المصادر التي تحدثت إليها الصحيفة على أن الخطة تضمنت عنصرين رئيسيين: الأول إشراك مجموعات مسلحة من المعارضة الكردية الإيرانية الموجودة في المنفى، والثاني محاولة استخدام الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد لإحداث انقسامات داخل النظام.

وكان التصور الإسرائيلي يقوم على دفع ست أو سبع مجموعات مسلحة كردية إيرانية، تضم آلاف المقاتلين، إلى عبور الحدود من العراق إلى إيران، وإشعال انتفاضة في المناطق الكردية غربي البلاد، قبل التوسع باتجاه المدن الكبرى ثم العاصمة طهران.

كان التصور الإسرائيلي يقوم على دفع ست أو سبع مجموعات مسلحة كردية إيرانية، تضم آلاف المقاتلين، إلى عبور الحدود من العراق إلى إيران، وإشعال انتفاضة في المناطق الكردية غربي البلاد، قبل التوسع باتجاه المدن الكبرى ثم العاصمة طهران

وأشارت “لوموند” إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة كانتا قد سلحتا حلفاءهما الأكراد في العراق خلال الأشهر السابقة للحرب، بينما كانت المجموعات الكردية الإيرانية تعمل على توحيد صفوفها. وبحسب مصدر مقرب من الجيش الإسرائيلي، استثنت الخطة حزب الحياة الحرة لكردستان “بيجاك”، المرتبط بحزب العمال الكردستاني التركي.

ممر جوي وتعبئة شعبية

ونقلت الصحيفة عن الصحافي الإسرائيلي الاستقصائي رونين برغمان أن الخطة كانت تقضي، بعد نحو مئة ساعة من اغتيال المرشد الإيراني، بفتح ممر جوي أمام القوات الكردية في غرب إيران، تتولى الطائرات الإسرائيلية حمايته، بالتزامن مع تنفيذ ضربات مكثفة على القدرات الصاروخية الإيرانية.

وكان الهدف، وفق التصور الإسرائيلي، يتمثل في تقليص قدرة النظام على الرد على إسرائيل بالصواريخ، بالتزامن مع إطلاق حملة تأثير إعلامية ونفسية واسعة تشجع الإيرانيين على الخروج إلى الشوارع ضد النظام.

كان الهدف يتمثل في تقليص قدرة النظام على الرد على إسرائيل بالصواريخ، بالتزامن مع إطلاق حملة تأثير إعلامية ونفسية واسعة تشجع الإيرانيين على الخروج إلى الشوارع

وأضاف برغمان أن الخطة تضمنت أيضاً استهداف مواقع الباسيج وأجهزة الأمن الداخلي والبنية التحتية الحيوية، وتنفيذ عمليات مادية وإلكترونية، على أن يجري تصوير نتائج الضربات داخل إيران ونشرها على نطاق واسع، تمهيداً لإدخال القوات الكردية وأحمدي نجاد في المرحلة التالية.

كانت إسرائيل تراهن كذلك على حدوث انشقاقات داخل القيادة السياسية والأمنية الإيرانية. وكان أحمدي نجاد أحد أبرز الأسماء التي وضعتها الخطة في هذا السياق، باعتباره شخصية تنتقد النظام من داخله، رغم بقائه تحت الإقامة الجبرية.

وبحسب ”نيويورك تايمز”، فإن رئيس الموساد السابق ديفيد برنياع التقى أحمدي نجاد في بودابست منذ عام 2024، فيما تعرض منزل الرئيس الإيراني السابق في طهران للقصف الإسرائيلي في اليوم الأول للحرب، في ضربة قيل إنها استهدفت حراسه.

كانت إسرائيل تراهن كذلك على حدوث انشقاقات داخل القيادة السياسية والأمنية الإيرانية. وكان أحمدي نجاد أحد أبرز الأسماء التي وضعتها الخطة في هذا السياق

ترامب أوقف التحرك الكردي

لكن الخطة بدأت تتعثر سريعاً، وفق “لوموند”، مشيرة إلى تصريح أساف كوهين، المسؤول السابق عن الملف الإيراني والاستخبارات الرقمية في الجيش الإسرائيلي، بأن أجزاء أساسية منها لم تُنفذ، لاسيما الجزء المتعلق بالأكراد، كما لم تحدث الانشقاقات التي كانت إسرائيل تراهن عليها داخل النظام.

واعتبرت “لوموند” أن أحد أبرز أسباب فشل الخطة كان قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منع القوات الكردية من دخول الأراضي الإيرانية. وقد أكد ترامب ذلك بنفسه في 7 مارس/آذار، عندما قال للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية إنه لا يريد إدخال الأكراد في الحرب، معتبراً أن الصراع معقد بما يكفي من دون توسيع نطاقه.

أحد أبرز أسباب فشل الخطة كان قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منع القوات الكردية من دخول الأراضي الإيرانية

كما عارضت تركيا والعراق هذه الخطوة، خشية أن يؤدي دخول القوات الكردية إلى إيران إلى تهديد أمنهما وسيادتهما. وفي النهاية بقي أحمدي نجاد داخل إيران، وظهر لاحقاً في مراسم تشييع المرشد الأعلى في يوليو/تموز، محاطاً بحراسة مشددة.

صراع داخل المؤسسة الأمنية

وأوضحت “لوموند” أن نتنياهو كان قد جعل إسقاط النظام الإيراني الهدف النهائي للحرب الإسرائيلية الأوسع في المنطقة، التي بدأت بعد هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. ومع النجاحات العسكرية التي حققتها إسرائيل ضد حزب الله في 2024، ثم خلال حرب الاثني عشر يوماً ضد إيران في يونيو/حزيران 2025، نشأ داخل المؤسسة الأمنية شعور متزايد بالثقة وربما النشوة.

وفي هذا المناخ، اتخذ رئيس الموساد ديفيد برنياع موقفاً أكثر هجومية من أسلافه، الذين كانوا يرون أن إسقاط النظام الإيراني من الخارج أمر شبه مستحيل. وجعل برنياع تغيير النظام أولوية استراتيجية، مستفيداً من قناعة بأن الضربات العسكرية يمكن أن تخلق ظروفاً تؤدي إلى انهيار النظام من الداخل.

لكن الجيش الإسرائيلي كان أكثر تحفظاً، إذ أبدى شكوكاً حول إمكانية إسقاط نظام سياسي من خلال القصف الجوي وحده. ومع ذلك، كان الجيش قد بدأ التخطيط لحرب جديدة ضد إيران بعد انتهاء مواجهة يونيو/حزيران عام 2025، خشية أن تعيد طهران بناء قدراتها الصاروخية والعسكرية.

خطتان متناقضتان

وبحسب “لوموند”، حذّر الجيش الحكومة من أن العملية قد تؤدي إلى نتائج عكسية، لكنه لم يخض مواجهة حقيقية لمنع محاولة تغيير النظام. وهكذا دخلت إسرائيل الحرب بخطتين متداخلتين ومتناقضتين جزئياً: الأولى عملية عسكرية خاطفة تهدف إلى تشجيع الإيرانيين على إسقاط النظام، والثانية حرب طويلة نسبياً، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، هدفها تدمير الصناعة العسكرية والصاروخية الإيرانية.

ورأت الصحيفة أن هذا التناقض كان أحد أسباب الفشل؛ فبدلاً من أن ينظر الإيرانيون إلى الضربات باعتبارها فرصة للانتفاض على النظام، تحولت الحرب سريعاً في نظر قطاعات واسعة إلى مواجهة مع الدولة الإيرانية نفسها، ما عزز مشاعر التضامن الوطني بدلاً من إشعال انتفاضة ضد السلطة.

كما أخطأت إسرائيل، بحسب الصحيفة، في تقدير استعداد إيران للمواجهة. فقد فاجأها إغلاق طهران السريع لمضيق هرمز، بعدما كانت إيران قد استخلصت دروساً من حرب يونيو/حزيران 2025، وأعادت توزيع مراكز صنع القرار، بما جعل عملية اتخاذ القرار أكثر لامركزية.

أخطأت إسرائيل في تقدير استعداد إيران للمواجهة، إذ فاجأها إغلاق طهران السريع لمضيق هرمز، بعد أن أعادت إيران توزيع مراكز صنع القرار وجعلتها أكثر لامركزية، مستفيدة من دروس حرب حزيران 2025

“ أحد أسوأ الإخفاقات الاستراتيجية”

وتابعت “لوموند” القول إن إسرائيل تواجه الآن السؤال الأصعب: من يتحمل مسؤولية فشل الحرب؟.. فالموساد يتمسك بأن الخطة لم تُنفذ بكامل عناصرها، بينما يرى الجيش أن فكرة تغيير النظام من خلال حملة جوية وتحريك المعارضة المسلحة كانت منذ البداية مقامرة خطرة، توضح الصحيفة.

ونقلت “لوموند” عن داني سيترينوفيتش، المسؤول السابق عن قسم إيران في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، قوله إن إسرائيل جُرّت إلى “مغامرة” مبنية على خطة ضعيفة اعتمدت على الأكراد وأحمدي نجاد، واصفاً ما حدث بأنه “أحد أسوأ الإخفاقات الاستراتيجية في تاريخ إسرائيل”، وداعياً إلى تشكيل لجنة تحقيق لتحديد المسؤوليات.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات