تغيير حجم الخط     

الإطار في "ممر ضيق" بين واشنطن وطهران: استقالة الحكومة أم تسوية أخيرة؟ هرمز لم يعد "الهدية الإيرانية".. واشنطن تفتح طريقا سريا للنفط

مشاركة » الأحد أغسطس 23, 2026 10:39 pm

2.jpg
 
بغداد/ تميم الحسن

لم يعد رئيس الوزراء علي الزيدي وحده أمام امتحان صعب، فالإطار التنسيقي بأكمله وجد نفسه عالقا بين مطلبين متعارضين: واشنطن تريد حسم ملف السلاح، وطهران تريد إبقاء الفصائل، ولو بسلاح مخزن أو بترتيبات جديدة.
وبين الطرفين، يحاول “الإطار” شراء الوقت. زيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد فتحت بابا جديدا لهذه المناورة، وتتضمن تأجيل حسم سلاح الفصائل، والدخول في حوارات جديدة، مقابل ترتيبات تتصل بالنفط العراقي وحركة ناقلاته عبر مضيق هرمز.

لكن هذه المعادلة تضع الإطار أمام سؤال أصعب: ماذا لو لم يعد لدى طهران ما يكفي لتقديمه مقابل تأجيل السلاح؟
فواشنطن تستعد لتشديد الخناق الاقتصادي على إيران. وكانت الولايات المتحدة قد فرضت بالفعل عقوبات جديدة خلال الأيام الماضية، فيما يستعد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت للإعلان، اليوم الإثنين، عن حزمة إضافية وصفت بأنها الأشد، في وقت يتراجع فيه الاقتصاد الإيراني وصادرات النفط تحت ضغط الحصار.
وهذا يعني أن زيارة قاليباف لم تأت في لحظة قوة إيرانية مريحة، بل في لحظة تحاول فيها طهران إدارة خسائرها وتأجيل “سيناريوهات” خطيرة.

الزيدي أمام ثلاثة طرق
الباحث والأكاديمي عقيل عباس يرى أن الحكم على الاتجاه النهائي للأحداث الأخيرة في العراق مبكر، لكن الموقف الإيراني أصبح أوضح: “وجود الفصائل المسلحة أساسي بالنسبة إلى طهران، مع استعدادها لقبول تنازلات في شكل وجود السلاح”.
بحسب عباس، قد تقبل إيران بأن يحتفظ الفصيل بسلاحه الثقيل في مكان بعيد، وربما خارج العراق، بينما تستطيع خلال المرحلة الانتقالية الاستعاضة عن الفصائل الكبيرة بمجاميع صغيرة تقودها وتؤدي الأدوار نفسها.
لكن المسألة، في رأيه، ليست مجرد مناورة لتجاوز العقبة الأميركية.
ويضيف لـ(المدى): “إيران تريد الفصائل على المدى البعيد، وهنا تحديدا تصبح مهمة الزيدي شديدة الصعوبة”.
ويضع عباس ثلاثة احتمالات أمام رئيس الحكومة: استقالة قد تمنح الإطار وقتا إضافيا لإعادة ترتيب أوراقه، وتسوية تلبي معظم المطالب الأميركية وبعض المطالب الإيرانية، أو السيناريو الأكثر إقلاقا للفصائل: تفكيكها وإعادة مأسسة الحشد بحيث لا تسيطر عليه الفصائل أو الجناح الموالي لإيران. ويعتقد عباس أن التسوية هي الاحتمال الأكثر ترجيحا، لكنه لا يرى شكلها واضحا بعد.
أما الاستقالة، وإن كانت واقعية، فستكون بالنسبة إلى الإطار طريقة لشراء الوقت أكثر من كونها حلا للأزمة.
وكان قد وصل قاليباف إلى بغداد في نهاية الأسبوع الماضي، بالتزامن مع أول شرارة لصدام سياسي بين الحكومة والفصائل بسبب ملف نزع السلاح.
وتحدثت ثلاثة مصادر سياسية ونيابية إلى (المدى)، مؤكدة أن قاليباف سعى إلى التأكد من أن السلاح، في حال نزعه، لن يذهب بعيدا عن الفصائل.
وبحسب المصادر، فإن رئيس مجلس الشورى الإيراني تأكد أيضا من أن الصدام بين الحكومة والفصائل لن يقع.
وقبل ساعات من انتهاء زيارة قاليباف التي استمرت 3 أيام، قال علي الزيدي، في مؤتمر حواري في بغداد، إن “الصدام لن يحدث”.
وكان المتحدث باسم رئيس الحكومة، حيدر العبودي، قد قال للصحفيين إن 30 أيلول هو موعد خروج القوات الأميركية، وليس موعدا نهائيا لنزع السلاح.
ويبدو، وفق تصريحات الزيدي ومتحدثه، أن التراجع عن الموعد السابق مرتبط بضمانة إيرانية أو سياسية بأن تتم عملية حصر السلاح من خلال “الحوار”، لا المواجهة.

قاليباف يريد تأجيل المعركة
كاتو سعدالله، الخبير في الشؤون العراقية-الأميركية، يقول لـ(المدى) إن هناك حديثا عن طلب إيراني من الحكومة العراقية التريث في نزع سلاح الفصائل، والانتقال من المواجهة إلى الحوار. وفي المقابل، ظهرت رواية عن ترتيبات تتعلق بالسماح للنفط العراقي بالعبور عبر هرمز أو حماية الناقلات العراقية. لكن سعدالله يلفت إلى مشكلة أخرى: الزيدي سبق أن تحدث في واشنطن عن 30 أيلول بوصفه موعدا لحسم ملف السلاح، قبل أن يعود ويقدم تفسيرا مختلفا للموعد باعتباره متعلقا بانسحاب قوات التحالف.
وهكذا أصبح 30 أيلول نفسه جزءا من الأزمة السياسية، يقول الخبير.
ويتساءل سعدالله: “هل هو موعد لنزع السلاح، أم موعد يمكن إعادة تفسيره، أم أن الإطار يبحث عن صيغة ثالثة تسمح بتجاوز الموعد من دون إعلان التراجع عن تعهدات واشنطن؟”.

هرمز.. ورقة إيرانية أم ممر أميركي؟
في القراءة الإيرانية، قد تبدو المعادلة بسيطة، فالعراق يحتاج إلى تصدير نفطه، وطهران تملك نفوذا على حركة الملاحة في مضيق هرمز، وبالتالي يمكن استخدام النفط العراقي ورقة في التفاوض على سلاح الفصائل.
لكن هذه المعادلة، وفق الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي، “وصلت إلى الوقت الضائع”.
ويقول الهاشمي، في منشور على “فيسبوك”، إن حركة العبور عبر مضيق هرمز تحسنت خلال الأيام العشرة الماضية، مع بدء مشتري النفط العراقي بزيادة شحناتهم عبر المضيق “دون الحاجة لموافقات أو سماح من أي دولة”.
ويكشف أن عمليات النقل تعتمد على “الناقلات الصغيرة والرحلات العمياء أو التخفي”، بهدف تقليل إمكانية تتبع مواقع السفن أثناء عبورها.
وبذلك، يرى الهاشمي أن ما تناقلته وسائل الإعلام العراقية عن موافقة إيرانية على عبور السفن التي تحمل النفط العراقي “جاء متأخرا ولم تعد له قيمة فعلية”.
وتعزز هذه القراءة معلومات دولية عن تغير قواعد الملاحة في المضيق.
فتقرير لـCNN تحدث عن تحول كبير في حركة السفن داخل هرمز، مع استخدام أكثر من 80% من حركة المرور مسارا بمحاذاة الساحل العُماني أو الخروج عن المسار الإيراني التقليدي.
وهذا لا يعني أن إيران فقدت السيطرة الكاملة على المضيق، لكنه يعني، وفق التقرير، أن قدرتها على فرض قواعد المرور والتحكم بحركة السفن تراجعت بصورة واضحة.
والأهم أن الولايات المتحدة دخلت مباشرة إلى هذه المعادلة.
فبحسب مسؤولين أميركيين تحدثا إلى “أكسيوس” الأمريكية، أنشأ الجيش الأميركي بهدوء ممرا ملاحيا عبر مضيق هرمز، يسمح بنقل ملايين براميل النفط يوميا.
وبموجب هذه العملية، تعبر نحو “15 إلى 20 ناقلة نفط” المضيق دخولا وخروجا كل ليلة، عبر ممر جنوبي بمحاذاة الساحل العُماني.
ويقول المسؤولان إن نحو “10 ملايين برميل من النفط يوميا”، أي ما يقارب نصف الكميات التي كانت تمر عبر المضيق قبل الحرب، أصبحت تنقل من خلاله إلى أسواق الطاقة العالمية.
وتدار العملية من مقر الجيش الأميركي في فورت براغ بولاية نورث كارولاينا، فيما تتحرك السفن على شكل مجموعتين: واحدة للسفن المغادرة وأخرى للسفن الداخلة، قبل أن تعبر الممر الجنوبي وفق توجيهات الجيش الأميركي.
ولا تكتفي واشنطن بتنظيم المرور. فالقوات الجوية الأميركية تنشر مقاتلات لحماية السفن من صواريخ كروز والطائرات المسيّرة الإيرانية.
ووفق المسؤولين، أصبح هذا الممر ممكنا بعد حملة عسكرية أميركية استمرت أسبوعين وأدت إلى إضعاف أنظمة الرادار والمراقبة البحرية الإيرانية.
لكن الانفراج في هرمز لا يعني أن بغداد خرجت من دائرة الخطر.
ففي المقابل، تقترب واشنطن من فرض عقوبات اقتصادية جديدة على إيران، وهو ما يرى كاتو سعدالله أنه سيكون عاملا إضافيا للضغط على حكومة الزيدي.
ويقول سعدالله إن العقوبات ستؤثر بشدة على العراق، باعتباره دولة تربطها بإيران تجارة واسعة، وإن هذا الملف سيضع الحكومة أمام ضغط متزايد في حال استمرار تعاملها التجاري أو تعاونها الاقتصادي مع طهران.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى محليات