تغيير حجم الخط     

السلاح لا ينزع.. يخزن! موعد 30 أيلول يمدد لحين اتضاح صفقة طهران

مشاركة » الأحد أغسطس 23, 2026 3:23 am

3.jpg
 
غداد/ تميم الحسن


لا يبدو أن مصير علي الزيدي، رئيس الحكومة، منفصلاً عن خريطة الطريق التي ترسمها طهران والفصائل لحل أزمة السلاح.
السؤال الذي يلاحق بغداد الآن ليس فقط: هل سينتهي السلاح الموازي للدولة؟ بل: مع أي خريطة سيمضي رئيس الحكومة، خريطة طهران والفصائل أم خريطة واشنطن؟
ويبدو أن على الزيدي أن يقدم الإجابة قبل نهاية العام، فيما بدأت التطورات السياسية المتسارعة تضيق مساحة المناورة أمامه.
وفي بغداد، تركت الزيارة الأخيرة لمحمد قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإيراني، انطباعاً لدى أوساط سياسية بأن الرجل لم يأت بوصفه رئيساً للبرلمان الإيراني فقط، بل تصرف، في بعض الملفات، كما لو أنه صاحب سلطة في العراق أكثر من بعض العراقيين.
كانت الزيارة الأطول لمسؤول إيراني إلى بغداد منذ حرب الأيام الأربعين يوماُ الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وحملت معها ما يشبه تصوراً إيرانياً لإدارة المرحلة المقبلة.
قاليباف يصل مع أول شرارة
وصل قاليباف إلى بغداد في نهاية الأسبوع الماضي، بالتزامن مع أول شرارة لصدام سياسي بين الحكومة والفصائل بسبب ملف نزع السلاح.
ومنذ ذلك الوقت، تتداول الأوساط السياسية روايتين بشأن مصير السلاح الثقيل للفصائل: الأولى نقله إلى إيران، والثانية تخزينه داخل العراق، وهي الرواية التي تبدو أكثر واقعية.
ويضع إحسان الشمري، أستاذ السياسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، زيارة قاليباف في سياق أوسع من ملف السلاح.
ويقول إن زيارة قاليباف جاءت لأسباب "إيرانية بحتة"، في محاولة لإظهار حجم النفوذ الإيراني في العراق.
ويضيف الشمري لـ(المدى): «تريد إيران من خلال هذه الزيارة إثبات قوة نفوذها في العراق وقدرتها على التأثير في السياسات العراقية، سواء كانت الداخلية أو حتى الخارجية، بمقابل الاندفاع الأميركي على مستوى العراق وإعادة ترتيب الأولويات العراقية وفق الرؤية الإيرانية".
وتحدثت ثلاثة مصادر سياسية ونيابية إلى (المدى)، مؤكدة أن قاليباف سعى إلى التأكد من أن السلاح، في حال نزعه، لن يذهب بعيداً عن الفصائل.
وبحسب المصادر، فإن رئيس مجلس الشورى الإيراني تأكد أيضاً من أن الصدام بين الحكومة والفصائل لن يقع.
وقبل ساعات من انتهاء زيارة قاليباف التي استمرت 3 أيام، قال علي الزيدي، في مؤتمر حواري في بغداد، إن "الصدام لن يحدث".
وكان المتحدث باسم رئيس الحكومة، حيدر العبودي، قد قال للصحفيين إن 30 أيلول هو موعد خروج القوات الأميركية، وليس موعداً نهائياً لنزع السلاح.
ويبدو، وفق تصريحات الزيدي ومتحدثه، أن التراجع عن الموعد السابق مرتبط بضمانة إيرانية أو سياسية بأن تتم عملية حصر السلاح من خلال "الحوار"، لا المواجهة.
لجنة ثالثة للحوار
تكشف المصادر عن لجنة جديدة ستضم نوري المالكي، ومحمد السوداني، وهادي العامري، لتولي مهمة الحوار مع الفصائل المعترضة على نزع السلاح.
وتضع الحكومة ثلاثة شروط لتسليم السلاح: الإعلان أولاً، ثم فك الارتباط، ثم تسليم السلاح إلى الحشد الشعبي. ويقول الزيدي إن هناك أطرافاً تعترض على هذه الشروط.
لكن المهمة لن تكون سهلة، بحسب المصادر، خصوصاً أن قاليباف وصف "المقاومة العراقية" بأنها أصبحت "عالمية" في أول خطاب له فور وصوله إلى مطار بغداد.
وستكون اللجنة الجديدة الثالثة منذ عام 2024 التي تحاول التفاهم مع الفصائل المعترضة على نزع السلاح، والتي ما زال عددها موضع تضارب بين ثلاثة وأربعة، وحتى 6 فصائل.
وكان هادي العامري، زعيم "منظمة بدر"، وفي رواية أخرى قيس الخزعلي، زعيم "عصائب أهل الحق"، قد أسهما في منع صدام عقب اعتقال الحكومة عباس اليعقوبي المسؤول المهم في "حركة النجباء".
قاآني أولاً.. وقاليباف ثانياً
وتزامنت زيارة قاليباف، أو سبقتها، زيارة إسماعيل قاآني، قائد "فيلق القدس" السرية، مع بدأ "الإطار التنسيقي" يتراجع تدريجياً عن حملة نزع السلاح، وأُفرج عن اليعقوبي بسرعة قياسية.
ظهر اليعقوبي على شاشات التلفزيون، واتهم من أسماه "المجرم" توم باراك، مبعوث واشنطن في بغداد، بالوقوف وراء اعتقاله، وقال إنه "بات مسيطراً على القرار السيادي واختلاق الأزمات وجرنا إلى الاقتتال الداخلي".
وهدد اليعقوبي، وهو موظف مزدوج في الهيئة ومسؤول استخبارات "النجباء"، المخابرات العراقية برفع دعوى قضائية ضد باراك، من دون أن يعرف حتى الآن ما إذا كانت الدعوى قد أقيمت فعلاً.
ويعيد كلام اليعقوبي إلى الواجهة تحذيرات "كتائب حزب الله" من أن علي الزيدي "يسمع كلام باراك"، بعدما وصف الفصيل في بيان صدر الأسبوع الماضي باراك بأنه "عدو الشيعة".
رئيس الحكومة أمام سؤال الاصطفاف
وفق هذه المعطيات، ترى المصادر أن الزيدي بات أمام اختبار أكثر صعوبة: مع أي جهة يقف؟
مع إيران والفصائل، أم مع الولايات المتحدة التي يدعم مبعوثها توم باراك رئيس الحكومة؟
وتقول المصادر إن باراك هو من خطط للقاء الزيدي مع ترامب الشهر الماضي، كما ارتبط اسمه بصفقة الاستثمارات الأمريكية في العراق التي أصبحت مهددة الآن.
وسيتعين على رئيس الحكومة، وفق هذه المعطيات، أن يميل إلى جانب الفصائل وخريطة قاليباف، وإلا فإن تغييرات مرتقبة نهاية العام قد لا تصب في مصلحة الزيدي، وسط معلومات متسربة عن احتمال الإطاحة به في ذلك التوقيت.
6 أشهر لشراء الوقت
تقول المصادر إن أغلب القوى السياسية لم تعترض على ما وصفته بـ"تعليمات قاليباف" أو "خطته"، باستثناءات محدودة.
وبحسب المصادر، تتضمن الخطة التي يقترحها قاليباف إطالة المدة المطلوبة لحصر السلاح، بدلاً من إنهائها في 30 أيلول، مع تمديد لا يقل عن ستة أشهر، كما كشفت (المدى) في الأسبوع الماضي.
لكن الأهم، وفق سياسي قريب من "الإطار التنسيقي"، هو توفير الوقت أمام إيران لعقد صفقة مربحة مع الولايات المتحدة، أو الانتظار حتى نهاية ولاية ترامب أواخر عام 2028.
ويحمل قاليباف صفة رئيس المفاوضين مع الجانب الامريكي، كما انه يعد مقرباُ من الحرس الثوري.
وفي حال عقد صفقة رابحة لإيران، فإن مشروع التسوية القديم يبقى قائماً، ويمكن تنفيذه من خلال نقل الفصائل إلى الجهاز الإداري للدولة.
ويتطلب ذلك، بحسب السياسي، أن تضمن السلطة وظائف دبلوماسية وأدواراً داخل القرار السياسي لقيادات تلك الفصائل، مقابل الموافقة على نزع السلاح، أو تخزينه، إذا أردنا التعبير بدقة أكبر.
من السلاح إلى الاقتصاد
في المقابل، يتردد في الأوساط السياسية أن هيبت الحلبوسي، رئيس البرلمان، كان أحد الاستثناءات التي لم تقبل بـ"تعليمات قاليباف"، أو ما وصفه نائب سابق بتصرفات "وكأنه رئيس العراق" خلال زيارته الأخيرة.
ويقال في تلك الأوساط إن الحلبوسي طلب من قاليباف منع التدخل الإيراني في الشأن العراقي، بعدما أثارت في وقت سابق خريطة ظهر فيها الخليج العربي جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي.
لكن السلاح لم يكن الملف الوحيد على طاولة رئيس مجلس الشورى الإيراني.
قدم قاليباف، إلى جانب رؤيته لملف السلاح، مشروعاً لربط الاقتصاد العراقي بإيران، ومهاجمة أي استثمارات أو تعاملات مع الولايات المتحدة.
وقال قاليباف في بغداد بضرورة إنهاء الاعتماد على الدولار الأميركي واعتماد العملات المحلية في المبادلات التجارية التي أعلن أنها ستطلق بين البلدين.
وفي خطابات بدت متزامنة وموحدة خلال الأسبوع الماضي، هاجم "النجباء" وأبو آلاء الولائي، زعيم "كتائب سيد الشهداء"، الاستثمارات الأميركية، ودعا إلى التحرر من "هيمنة أميركا الاقتصادية والدولار".
وترفض إيران، إلا في حالات استثنائية، مرور سفن عراقية عبر مضيق هرمز، في وقت يعاني فيه العراق أصلاً من تعثر في دفع الرواتب، فيما يبلغ الدين الداخلي نحو 200 ترليون دينار، بحسب الزيدي.
ويطالب برلمانيون إيرانيون، بالمقابل، باستهداف أي أنبوب يحاول تصدير النفط العراقي بعيداً عن مضيق هرمز، بما في ذلك المسار الذي يحاول العراق اعتماده مع تركيا وسوريا.
واللافت أن نائباً عراقياً كان قد قال كلاماً مشابهاً قبل عامين بشأن خط العقبة مع العراق، قبل أن يصبح وزيراً.
إيران تمنع الصدام.. لكن الأزمة لا تنتهي
وفي قراءة الشمري، تكشف نتائج زيارة قاليباف عن مسار سياسي موازٍ للمسار الأمني الذي أداره قاآني.
ويقول إن قاليباف جاء بمسار سياسي في ظل انقسام داخل "الإطار التنسيقي" حول حصر السلاح وتفكيكه، وإن مهمته الأساسية بدت في منع الصدام، لأن إيران تعتقد أن حصر السلاح أو تفكيكه يمثل "بداية النهاية لنفوذها".
ويرى الشمري أن قاليباف حقق تقدماً في التأثير على "الإطار التنسيقي"، الذي بدأ يطالب بالاشتراك في ملف حصر السلاح بيد الدولة، على حساب الصلاحيات الحصرية لرئيس الوزراء أو القائد العام للقوات المسلحة، من خلال تشكيل اللجان، وهو ما يعده "سحباً للصلاحيات".
أما التراجع عن 30 أيلول، فيراه الشمري جزءاً من مقاربة جديدة قد يطرحها رئيس الحكومة بعيداً عن الإجراءات التي لوّح بها بعد انتهاء الموعد.
ويقول إن حصر السلاح بيد الدولة "قد لا ينتهي وفق ما كان يخطط له رئيس الوزراء"، وبالتالي "ستستمر الأزمة حتى مع وجود خطة لعمليات أعلنوا عنها".
فالقضية، بحسب الشمري، "ملف عراقي وضرورة عراقية" لأن الدولة لا يمكن أن تستقر مع وجود سلاح موازٍ لسلاحها، لكنها في الوقت نفسه أصبحت "اشتراطاً أميركياً".
ومن هنا يصل إلى السؤال الذي يراه الأهم: «هل حتى مع التقدم الذي أحرزه قاليباف ستوافق الولايات المتحدة الأميركية على هذا الترتيب الجديد؟".
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى محليات

cron