تغيير حجم الخط     

تحولات هجمات المستوطنين في الضفة… من اعتداءات خاطفة إلى «حصار المنازل»

مشاركة » السبت أغسطس 22, 2026 11:59 pm

5.jpg
 
الضفة الغربية ـ «القدس العربي»: تظهر خريطة هجمات المستوطنين في الضفة الغربية انتقالها إلى مساحة جديدة من الفعل الاستيطاني، فبعد تهجير عشرات التجمعات البدوية من مناطق متفرقة من عموم الضفة واقتصار الهجمات على البلدات والقرى واستهداف المنازل بإيقاع الأذى والإضرار بالفلسطينيين، انتقل المستوطنون إلى أهداف أكثر دقة.
فبعد أشهر من الحصار اضطرت عائلة الطوباسي لإخلاء منزلها في بلدة جالود جنوبي نابلس بالضفة الغربية، تحت تهديد المستوطنين لهم بالموت أو الرحيل.
وفور مغادرة العائلة المنزل، استولى المستوطنون عليه علما أنه يقع في المنطقة «ب» الخاضعة إداريا للسلطة الفلسطينية بموجب اتفاقية أوسلو.
ويقع منزل الطوباسي على رأس جبل في المنطقة الواصلة بين قريتي جالود وقصرة، ويبعد عن مركز القرية مسافة تقدر بنحو ألفي متر.
وكان الطوباسي وزوجته وابناه المتزوجان -وائل وقيس- يقيمون في بيتين متجاورين، على أرض مساحتها 13 دونما مزروعة بالزيتون واللوز والجوز، والفول والبازلاء والزعتر والميرمية، حيث خسر الطوباسي محصول هذا الموسم كاملا بعد ما دمر المستوطنون محاصيله من الزيتون واللوز والجوز، إلى جانب ضياع محاصيل الفول والبازلاء والزعتر التي لم يتمكن من حصادها بسبب الحصار.
وعلى مدار خمسة أيام حوصرت العائلة وقطع المستوطنون عنها كل أسباب الحياة من كهرباء وماء وأغلقوا الطريق المؤدية إليها، قبل أن يقتحموا منازلها ويطردوها ويستولوا على بيوتها تحت تهديد السلاح وحماية جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وبحسب رواية العائلة، فإن إخلاءها من منازلها البعيدة نسبياً عن مركز قرية جالود يتيح للمستوطنين السيطرة على الأراضي الشرقية للقرية، وهو ما تحقق بعد تهجيرها، حيث أغلق المستوطنون الطرق من الجهة الشرقية والغربية.
تبدو نهاية عائلة الطوباسي بداية لهجمات في منطقة مجاورة، وها هي بلدة قصرة تعيش أحد فصول عمليات تهجير الفلسطينيين وإحلال المستوطنين بدلا عنهم. ومنذ أسبوعين يعيش سكان ثلاثة منازل في البلدة محاولات للتهجير واحتلال المنازل ورغم تدخل جهات دولية وتنديد بممارسات المستوطنين والجيش لا يزال الحصار مفروضا على المنازل الثلاثة في قصرة، وما يخافه سكان البلدة أن يكون مصير قصرة مشابها لمصير بلدة جالود المجاورة.
أما بلدة المغير شمال مدينة رام الله فتصرخ بالإشارة إلى أنها بلدة فلسطينية مستباحة وتسأل: «من يحميها؟ وتطالب في منشور على صفحة بلديتها الرسمية «لا تتركوا المغير وحيدة، ولا تنتظروا أن تصبح المغير ذكرى».
وجاء في المنشور: «ما يجري في المغير لم يعد اعتداءً عابرًا، ولا حادثًا منفصلًا يمكن تجاوزه ببيان أو تصريح. ما يجري هو مشروع متواصل لاقتلاع الإنسان من أرضه، وكسر إرادته، ودفعه إلى الرحيل، حيث يُترك أهل القرية ليواجهوا الحصار والاقتحامات والاعتقالات والاعتداءات والترهيب، بإمكانات لا تكاد تكفي للبقاء».
ويظهر البيان تحذيرا يشبه ما أعلنه رئيس بلدية قصرة عبد العظيم وادي، قبل أيام عندما قال: «الأمس في جالود، واليوم في قصرة، وغدًا في نابلس وجنين والبيرة ورام الله». حيث جاء فيه: «فليكن واضحًا للجميع: معركة المغير ليست معركة أهل المغير وحدهم، إذا نجحوا في كسر المغير وتهجير أهلها، فلن تكون النهاية عند حدودها، ولن يكون أحد بمنأى عما سيأتي بعدها. سقوط قرية تحت وطأة التهجير هو فتح لباب لن يُغلق».
وتابع البيان: «من حق كل طفل وشيخ وشاب في المغير أن يسأل: أين السلطة؟ أين الوزارات والمؤسسات الرسمية؟ أين الإعلام الفلسطيني؟ أين الفصائل والقوى الوطنية؟ أين النشطاء؟ أين مؤسسات المجتمع المدني؟ أين الهيئات المحلية والاتحادات؟ أين كل من يتحدث عن الصمود والثبات عندما يكون أهل المغير بحاجة إلى هذا الكلام فعلًا؟».
وبحسب مدير دائرة التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داوود فإن هذا النمط ليس جديداً بالكامل، لكن الجديد هو اتساعه وتحوله من حوادث متفرقة إلى أداة استعمارية مباشرة ومنظمة. في السابق كان هجوم المستعمرين على المنزل يهدف غالباً إلى الترهيب أو الإحراق أو تحطيم الممتلكات ودفع العائلة إلى الرحيل، أما ما نشهده اليوم في عطارة وجالود وقصرة، فيتجاوز الاعتداء الخاطف إلى حصار المنزل وقطع مقومات الحياة عنه، ثم اقتحامه أو الاستقرار في محيطه وصولاً إلى السيطرة عليه والبقاء فيه.
وتابع قائلا لـ«القدس العربي»: «المستعمرون يتعاملون مع المنازل الواقعة على أطراف القرى بوصفها نقاط ارتكاز جغرافية. فالسيطرة على منزل واحد تعني تحويله إلى موقع متقدم، ثم استخدامه لتهديد المنازل المجاورة، وقطع التواصل بين أطراف القرية ومركزها وتوسيع نطاق البؤرة الاستعمارية باتجاه المنطقة المبنية. وبذلك يتحول المنزل من فضاء لحماية الأسرة الفلسطينية إلى قاعدة لإرهاب محيطها وإعادة تشكيل الجغرافيا».
يواصل داوود حديثه: «هذا ما ظهر في عطارة، حين أدخل المستعمرون أثاثهم إلى منزل استولوا عليه، وفي جالود حين احتلوا منزلاً قيد الإنشاء وبقوا فيه، ثم في قصرة حيث أقاموا موقعاً بمحاذاة المنازل وحاصروا عائلاتها وحاولوا اقتحام أحدها. نحن إذن أمام انتقال خطير من استعمار الأرض المحيطة بالتجمعات إلى اختراق الحيز السكني نفسه. الاستهداف يركز على المنازل الطرفية لأنها تشكل خط الدفاع الأول عن الامتداد العمراني الفلسطيني؛ وعندما تُفرَّغ هذه المنازل أو تحتل، يتراجع الحد العمراني للقرية وتتقدم البؤرة مكانه. لذلك تمثل السيطرة على البيت خطوة في عملية متدحرجة تبدأ بالحصار والترهيب ثم تهجير الأسرة ثم احتلال العقار وتنتهي بإعادة تعريف المكان كامتداد استعماري».
ويرى المسؤول الفلسطيني أن خطورة هذا التحول ترتبط كذلك بغياب المحاسبة وبالدور الذي تؤديه قوات الاحتلال إذ تفرض القيود والإغلاقات على المواطنين والمتضامنين بينما يمنح المستعمرون الوقت اللازم لتثبيت وجودهم. والنتيجة هي تهجير قسري ينفّذ بأدوات مدنية مسلحة وتوفر له منظومة الاحتلال الحماية والغطاء. الرسالة واضحة، المستعمر لم يعد يأتي ليهاجم المنزل ويرحل، بل يأتي ليجعل بقاء أصحابه مستحيلا ثم يحل مكانهم.
يخلص تقرير صادر عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن قصرة على سبيل المثال تعكس تحولا في الهجمات الاستيطانية من الاعتداء الخاطف إلى ما وصف بـ«الحصار الاستعماري الممتد».
وقال التقرير إنه لم يعد استهداف المنازل الفلسطينية الواقعة على أطراف القرى يقتصر على هجوم عابر أو اعتداء ليلي، بل أخذ يتحول إلى أسلوب منظم لفرض الحصار وعزل العائلات وقطع مقومات الحياة عنها، تمهيداً لدفعها إلى الرحيل والاستيلاء على المكان
وجاء في التقرير الذي وصلت «القدس العربي» نسخة منه، أن المنازل ليست هدفاً منفصلاً، بل تمثل عائقاً أمام السيطرة على أي موقع مرتفع وذي أهمية مكانية. وغالبا ما تبدأ الآلية بإقامة خيمة، ثم فرض وجود دائم حولها، وإغلاق الطريق، وقطع الخدمات، ومنع التضامن والوصول، وصولاً إلى خلق ظروف معيشية يستحيل استمرارها. وعند رحيل العائلة تتحول السيطرة الفعلية إلى نقطة انطلاق لتمدد استعماري أوسع.
ورأى التقرير أن واقعة قصرة تكشف تحولاً خطيراً من الاعتداء الخاطف إلى «الحصار الاستعماري» الممتد؛ فالهدف لم يعد تنفيذ هجوم ينتهي بانسحاب المعتدين، بل إنشاء حالة دائمة من التضييق حول المنزل، تبدأ بإقامة خيمة أو نقطة استعمارية ملاصقة له، ثم إغلاق الطريق المؤدي إليه، وقطع المياه والكهرباء، ومنع وصول الغذاء والدواء، وعزل العائلة عن محيطها الاجتماعي.
وبهذه الوسائل يتحول الاعتداء من فعل عنيف ومحدود زمنياً إلى عملية استنزاف يومية، تستهدف جعل الحياة داخل المنزل مستحيلة، ودفع أصحابه إلى مغادرته تحت وطأة الخوف والعزلة والحرمان.
وقالت الهيئة: «إننا أمام أسلوب للتهجير القسري البطيء لا يبدأ بقرار إخلاء معلن، وإنما بصناعة بيئة طاردة تتراكم فيها الضغوط إلى أن يصبح الرحيل نتيجة مفروضة، ثم يُقدَّم المنزل الخالي باعتباره مساحة متاحة للسيطرة وإقامة واقع استعماري جديد».
وجاء في التقرير أن جالود لا تمثل واقعة منفصلة عن قصرة، بل سابقة تحذيرية تكشف مراحل الخطة وغايتها: تبدأ الخيمة على مقربة من المنزل، ثم يتحول الوجود الاستعماري إلى حصار، والحصار إلى تهجير، والتهجير إلى استيلاء دائم.
تلك الرؤية دفعت الهيئة إلى القول إن حماية منازل رأس العين في قصرة تكتسب أهمية تتجاوز العائلات الثلاث؛ لأنها تمثل مواجهة مبكرة مع محاولة استنساخ نموذج الطوباسي، وتحويل السيطرة على عدد محدود من المنازل إلى نقطة ارتكاز للتمدد الاستعماري على أراضي قصرة ومحيطها.
وشددت الهيئة أن اعتداءات المستوطنين لم تعد أفعالاً متفرقة أو انفجارات عشوائية للعنف الإرهابي، بل تطورت إلى منظومة من الإرهاب الموجّه تستخدم أدوات متكاملة لاستهداف الإنسان الفلسطيني وممتلكاته ومصادر بقائه في المكان. وتشمل هذه الأدوات إطلاق النار والاعتداء الجسدي، وإحراق المنازل والمركبات والحقول، واقتلاع الأشجار، وسرقة المواشي أو الاعتداء عليها، وتخريب المزروعات وشبكات المياه، وإغلاق الطرق ومهاجمة القرى بصورة منظمة.
ووفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفذ المستعمرون خلال الألف يوم الممتدة من 7 تشرين الأول/اكتوبر 2023 حتى 30 حزيران/يونيو 2026 ما مجموعه 12.506 اعتداءات، تسببت باستشهاد 52 مواطناً، وإشعال 890 حريقاً طالت ممتلكات المواطنين وحقولهم؛ وهي أرقام تكشف أن الحريق وإطلاق النار والتخريب لم تعد وسائل ترهيب عرضية، بل أدوات متكررة ضمن نمط واسع ومنظم.
وعلى اختلاف أشكال الهجمات، بحسب الهيئة، تؤدي هذه الأدوات وظيفة واحدة: تفكيك شروط البقاء الفلسطيني على الأرض. فإحراق الحقول والمزروعات يستهدف الأرض وإنتاجيتها، وسرقة المواشي تضرب مصدر رزق العائلات الريفية والرعوية، وإطلاق النار والاعتداءات المتكررة يفرضان الخوف ويقيدان الحركة، بينما يؤدي تخريب الطرق وشبكات المياه والكهرباء إلى عزل التجمعات وإضعاف قدرتها على الصمود. ولا يقف الإرهاب هنا عند حدود إلحاق الضرر، بل يعمل على إعادة تشكيل العلاقة بين المواطن ومكانه؛ بحيث تصبح الزراعة محفوفة بالخطر، والرعي متعذراً، والطريق غير آمن، والمنزل نفسه محاطاً بالتهديد. وبذلك يتحول العنف إلى أداة استعمارية وظيفتها إخلاء المساحة الفلسطينية تدريجياً، تمهيداً لملئها بالبؤر والطرق ومناطق السيطرة الاستعمارية.
أما حصار المنازل فيمثل المرحلة الأكثر تطوراً في هذا المسار؛ لأنه يجمع الأدوات السابقة كلها في عملية استنزاف ممتدة: تطويق البيت، وإغلاق الطريق، وقطع الماء والكهرباء، ومنع الغذاء والدواء، وتهديد السكان، وإقامة خيمة أو بؤرة ملاصقة لهم إلى أن تصبح الحياة مستحيلة.
ما يجري في قصرة ليس معزولاً عن تجربة عائلة محمود الطوباسي في جالود، حيث انتهى حصار أشهر، رافقته اعتداءات متكررة وقطع للخدمات ومنع للإمدادات، بإجبار العائلة على مغادرة منزلها واستيلاء المستوطنين عليه في 22 تموز/يوليو 2026. وهكذا لا يحل حصار المنازل محل الحريق والسرقة وإطلاق النار، بل يدمجها في صيغة أشمل: يبدأ المسار بإرهاب العائلة، ثم استنزاف قدرتها على البقاء، وينتهي بتحويل الرحيل القسري إلى استيلاء دائم وواقع استعماري جديد.
ويكشف ما يجري في قصرة محاولة منظّمة لتحويل إرهاب المستوطنين إلى أداة للتهجير والاستيلاء على الأرض، فيما تقدم تجربة عائلة الطوباسي في جالود دليلاً واضحاً على مسار يبدأ بتطويق المنزل واستنزاف ساكنيه، ثم ينتهي بإخلائه والسيطرة عليه وإقامة واقع استيطاني جديد.
في ذات السياق، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» إن هجمات المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة أدت إلى تهجير 107 قرى وبلدات تضم 5 آلاف و900 فلسطيني منذ كانون الثاني/يناير 2023.
وأوضحت المنظمة في تقرير نشرته على موقعها الإلكتروني، أن الرقم يستند إلى بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» الذي وثق خلال 2026 ما معدله 6.6 هجمات للمستوطنين يوميا، أسفرت عن ضحايا أو أضرار بممتلكات أو كليهما، وهو أعلى معدل في سجلات المكتب.
وأضافت أن عنف المستوطنين تصاعد في آذار/مارس ونيسان/أبريل الماضيين، وشمل القتل – بما في ذلك قتل أطفال – والاعتداءات والعنف الجنسي والاحتجاز التعسفي والحرق المتعمد وتدمير الممتلكات والسرقة.
وذكرت المنظمة أنها حققت في نيسان/أبريل وأيار/مايو الماضيين في هجمات طالت 7 قرى وبلدات فلسطينية بمحافظات رام الله (وسط) ونابلس (شمال) والأغوار (شرق)، وتحدثت إلى 20 شاهدا وراجعت مقاطع فيديو صورها شهود ولقطات كاميرات مراقبة.
وقالت إن مستوطنين نفذوا هجمات أحيانا إلى جانب وحدات من الجيش الإسرائيلي أو بينما كان جنود يقفون دون تدخل، مضيفة أن الجيش لم يرد على أسئلتها بشأن تلك الهجمات.
ونقلت عن باحثة إسرائيل وفلسطين بالإنابة في المنظمة سارة صنبر قولها: «تتشارك الحكومة الإسرائيلية والمستوطنون الهدف نفسه، وهو (الاستيلاء على) أكبر مساحة ممكنة من الأرض مع أصغر عدد ممكن من الفلسطينيين».
وأضافت صنبر أن السلطات الإسرائيلية «لا تتقاعس عن وقف عنف المستوطنين فحسب، بل تمكّنه بشكل حثيث»، قائلة إن الدولة توفر «الأسلحة والغطاء القانوني والميزانية» للمستوطنين.
وقالت المنظمة إن المستوطنين المسؤولين عن تهجير الفلسطينيين يعملون بدعم مالي ومادي وقانوني من الدولة الإسرائيلية.
وأشارت إلى تقرير يفيد بأن الحكومة وافقت في اذار/مارس الماضي على تخصيص نحو 50 مليون شيكل إسرائيلي (16 مليون دولار) للبؤر الاستيطانية غير القانونية.
كما نقلت عن منظمة العفو الدولية أن ميزانية «وزارة الاستيطان والمهام الوطنية» الإسرائيلية زادت 122 في المئة في ظل الحكومة الحالية.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى تقارير

cron