الناصرة – “رأي اليوم” – من زهير أندراوس:
فضائح مجلجلة تضرب تركيّا، وعلى نحوٍ خاصٍّ عائلة الرئيس، رجب طيّب أردوغان، وقطاع الشحن، والاتهامات التي وُجهت للعائلة من قبل جهاتٍ تركيّةٍ تؤكِّد أنّ نجل أردوغان، بلال، كان شريكًا، إلى جانب أفراد من عائلة أردوغان، في BMZ Group، وهي شركة تعمل في النقل البحريّ والإنشاءات. وأكّدت وكالة (رويترز) العالميّة للأنباء أنّ بلال كان يملك حصة أقلية في الشركة إلى جانب أفراد آخرين من العائلة.
وبحسب (رويترز) أظهرت بيانات تتبع السفن أنّ واردات إسرائيل من نفط أذربيجان القادم من ميناء جيهان التركي بلغت أعلى مستوى لها في ثلاث سنواتٍ عام 2025، ممّا يؤكد قدرة إسرائيل على تأمين الإمدادات رغم عداء بعض الحكومات لها بسبب عدوان غزّة.
بالإضافة إلى ذلك، فإنّ مصادر متخصصة في قطاع النقل البحري وثّقت امتلاك BMZ لناقلات نفطٍ وسفن منتجاتٍ نفطيّةٍ، وتوسعها في شراء السفن خلال السنوات السابقة، مع هذا وجب التأكيد أنّه في المصادر الموثوقة لا يوجد دليلًا مباشرًا على أنّ شركة بلال أردوغان هي التي كانت تشحن البضائع إلى إسرائيل من ميناء إسكندرون.
ولكن الشخص الذي ارتبط مباشرةً بالتجارة مع إسرائيل هو شقيقه الأكبر بُراق أردوغان، وهذه نقطة مهمة جدًا. فقد كشفت تقارير سابقة أنّ أحمد بُراق أردوغان، الابن الأكبر للرئيس التركيّ، كان شريكًا في شركة MB Denizcilik للنقل البحريّ.
وفي عام 2013، ذكر موقع ( (YNETالتابع لصحيفة (يديعوت أحرونوت) العبريّة، أنّ إحدى سفن الشركة، Safran-1، قامت بعدة رحلاتٍ بين الموانئ التركيّة والإسرائيليّة، ونقلت بضائع ذهابًا وإيابًا.
كما ظهرت تقارير أحدث، استنادًا إلى تحقيقات الصحافيّ التركيّ متين جيهان، تربط شركاتٍ مرتبطةٍ ببُراق أردوغان بسفن واصلت الوصول إلى الموانئ الإسرائيلية بعد اندلاع حرب غزة. ويقول إحدى التقارير إنّ MB Denizcilik وشركة مرتبطة بها، Manta Denizcilik، كانتا تديران سفنًا قامت بنقل بضائع إلى موانئ إسرائيلية.
علاوة على ما جاء أعلاه، هناك تقارير تركيّة تحدثت عن استمرار شحنات من ميناء إسكندرون إلى إسرائيل بعد السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023. وفي إحدى الحالات، نقلت تقارير عن الصحافي متين جيهان أنّ 78 سفينة خرجت من ميناء إسكندرون التابع لشركة Limak Holding إلى إسرائيل، بحمولةٍ تقارب 655 ألف طن حتى نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2023. لكن Limak Holding ليست شركة أردوغان ولا شركة بلال أردوغان.
المفارقة السياسيّة موجودةٌ بالفعل، وهنا تكمن النقطة الأقوى. ففي الثاني من أيّار (مايو) عام 2024 أعلنت تركيّا رسميًا وقف جميع الواردات والصادرات مع إسرائيل بسبب الحرب في غزة، وقالت إنّ القرار سيستمر إلى أنْ تسمح إسرائيل بدخول المساعدات الإنسانيّة إلى غزة.
وفي المقابل، ظلّ الرئيس التركيّ، رجب طيّب أردوغان، من أكثر القادة الدوليين انتقادًا لإسرائيل، ووصف حربها في غزة بأنّها “إبادة جماعية”، واستمر في مهاجمة بنيامين نتنياهو وسياسة إسرائيل. ووصف الحكومة الإسرائيليّة ونتنياهو بـ “قتلة الأطفال” وأصحاب الأطماع التوسعيّة في المنطقة، كما أكّد الرئيس التركيّ أنّ أمن تركيا يبدأ من حلب ودمشق وبيروت، وأنّ بلاده لن تسمح بفرْض أيّ أمر واقعٍ إسرائيليٍّ في سوريّة أوْ لبنان، وشدّدّ في الوقت عينه على أنّ إيقاف السياسات الإسرائيليّة هو مسؤولية إنسانيّة عالميّة، محذرًا من تجاهل ما وصفه بخطورة “أوهام الأرض الموعودة”. وفي تصريحاتٍ أخرى وصف أردوغان نتنياهو بـ “جزّار غزة” و”قائد شبكة مجازر إجرامية”، ومحذرًا من أنّ “بلطجة إسرائيل” تهدد استقرار المنطقة برمتها بما فيها تركيا، على حدّ تعبيره.
ومع ذلك، تشير تقارير وتحقيقات إلى أنّ التجارة المرتبطة بإسرائيل لم تختفِ بالكامل، بل ظهرت طرق للعبور وإعادة التصدير والنقل عبر دولٍ ثالثةٍ. كما أظهرت بيانات تجارية استمرار بعض التدفقات حتى بعد إعلان وقف التجارة.
والأهم أنّ الأمر لم يتوقف عند تقارير صحافية معارضة، ففي 2026 أشارت تقارير إلى بياناتٍ تجاريّةٍ وشحن استُخدمت لإثارة أسئلة حول استمرار تدفقات النفط وإعادة الشحن من الموانئ التركيّة إلى إسرائيل رغم الإعلان الرسميّ عن وقف التجارة.
وهناك تطور مهم جدًا في 2026 الجاري، ففي كانون الثاني (يناير) من العام الحاليّ تحدث بلال أردوغان نفسه عن القضية، ونفى أنْ يكون قد مارس الشحن البحريّ شخصيًا، وقال، بحسب Turkish Minute: “لم أعمل في الشحن قط. شقيقي فعل ذلك، وبعد ذلك باع السفينة وخرج من العمل”. وهذا التصريح في حدّ ذاته مهم جدًا، لأنّه يعني أنّ بلال نفسه يُقّر ويعترف بوجود نشاط شحنٍ لأخيه، لكنّه ينفي مسؤوليته الشخصية عن ذلك النشاط.
السؤال المطروح في الخلاصة: “بين خطاب أردوغان المناهض لإسرائيل واستمرار التجارة التركيّة معها: أين تقف مصالح عائلة الرئيس؟”، وهذا الأمر يستند إلى الوقائع الثلاثة: ملكية بلال، نجل الرئيس رجب طيّب أردوغان السابقة في BMZ، ونشاط شقيقه بُراق في النقل البحريّ وعلاقته بسفن وصلت إلى إسرائيل، واستمرار الشحن من موانئ تركيّةٍ، ومنها إسكندرون، رغم الخطاب السياسيّ المتشدد لأردوغان ضدّ دولة الاحتلال.