تغيير حجم الخط     

فورين أفيرز: حرب إيران تطرح سؤالا: هل حان انسحاب أمريكا من الشرق الأوسط؟

القسم الاخباري

مشاركة » الخميس أغسطس 06, 2026 5:31 pm

1.jpg
 
واشنطن: يرى مايكل فوكس، المستشار السابق في إدارة بايدن، في مقال نشرته مجلة فورين أفيرز، أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كشفت فشل الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وأثبتت أن الوجود العسكري الأمريكي لم يعد يحقق الأمن أو الاستقرار، بل أصبح سببا في تعميق الأزمات. ويخلص إلى أن الوقت حان لإنهاء هذا الوجود والتحول نحو الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي.

فوكس: الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كشفت فشل الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وأثبتت أن الوجود العسكري الأمريكي لم يعد يحقق الأمن أو الاستقرار، بل أصبح سببا في تعميق الأزمات

يصف الكاتب الحرب مع إيران بأنها كارثة استراتيجية. فقد أسفرت، بحسبه، عن مقتل ما لا يقل عن 1700 مدني إيراني، بينهم مئات الأطفال، وألحقت أضرارا واسعة بالبنية التحتية، فيما أدى الرد الإيراني إلى مقتل 18 جنديا أمريكيا وإصابة أكثر من 600 آخرين في قواعد منتشرة بدول مجاورة. كما تسبب إغلاق مضيق هرمز في ارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات اقتصادية عالمية.

ويرى فوكس أن هذه الحرب ليست حادثا معزولا، بل نتيجة لسياسات أمريكية ممتدة منذ أكثر من ثلاثة عقود، اعتمدت على القوة العسكرية باعتبارها الأداة الأساسية لإدارة الشرق الأوسط. وبدلا من تحقيق الأمن، أدت هذه السياسة إلى إشعال صراعات جديدة، وإقحام الولايات المتحدة في نزاعات متكررة، وتحويل الدول التي تستضيف القواعد الأمريكية إلى أهداف مباشرة لإيران وحلفائها.

ويعيد الكاتب نقطة التحول إلى حرب الخليج عامي 1990 و1991، حين تحول الانتشار العسكري المؤقت إلى وجود دائم في العراق والسعودية والإمارات والأردن والبحرين وقطر والكويت. وكان الهدف المعلن حماية تدفق النفط، وضمان أمن إسرائيل، ومكافحة الإرهاب، وردع إيران. لكن النتيجة، في رأيه، جاءت معاكسة، إذ أصبحت القواعد نفسها مصدر تهديد واستدراج دائم لواشنطن إلى الأزمات الإقليمية.

فوكس: العلاقة الأمريكية مع إسرائيل تمثل أوضح مثال على مخاطر التحالفات غير المشروطة، وتحولت المساعدات الأمريكية، منذ تعثر عملية أوسلو، إلى ما يشبه “شيكًا على بياض” للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة

ويضرب مثالا بالغزو الأمريكي للعراق عام 2003، الذي فتح الباب أمام تنامي نفوذ المليشيات الموالية لإيران، وأجبر الولايات المتحدة لاحقا على تنفيذ عمليات عسكرية متكررة في العراق وسوريا. كما امتدت حرب أفغانستان إلى باكستان، قبل أن تعود القوات الأمريكية إلى العراق عام 2014 لمواجهة تنظيم داعش، الذي نشأ في ظل الفوضى التي أعقبت الغزو.

ويؤكد الكاتب أن الكلفة كانت هائلة. فقد أنفقت الولايات المتحدة نحو ثمانية تريليونات دولار على حروب ما بعد 11 سبتمبر، وشارك فيها نحو ثلاثة ملايين أمريكي، قُتل منهم أكثر من 15 ألف عسكري ومتعاقد، فيما أُصيب نحو 1.8 مليون بإعاقات مختلفة. أما شعوب المنطقة، فدفعت ثمنا أكبر، إذ قُتل أكثر من 940 ألف شخص بصورة مباشرة، بينهم أكثر من 430 ألف مدني، وتوفي ملايين آخرون بسبب انهيار مؤسسات الدولة والخدمات، فيما نزح نحو 38 مليون إنسان.

ويعتبر فوكس أن العلاقة الأمريكية مع إسرائيل تمثل أوضح مثال على مخاطر التحالفات غير المشروطة. فمنذ تعثر عملية أوسلو، تحولت المساعدات الأمريكية، بحسب رأيه، إلى ما يشبه “شيكا على بياض” للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة. وأسهم ذلك في تشجيع الضم التدريجي في الضفة الغربية، واستمرار العمليات العسكرية في غزة، ثم مشاركة الولايات المتحدة في الحرب على إيران عام 2026. ويرى أن هذه السياسة لم تحقق الأمن لإسرائيل، بل زادت من حدة الصراع.

ويحمل الكاتب الإدارات الديمقراطية والجمهورية مسؤولية هذا المسار، ويدعو إلى انسحاب كامل للقوات الأمريكية من الشرق الأوسط بعد التوصل إلى وقف إطلاق نار مستقر مع إيران. ويرفض فكرة الإبقاء على وجود عسكري أصغر، لأن أي قواعد متبقية ستظل أهدافا لإيران وحلفائها، وستجبر واشنطن على تخصيص مزيد من القوات والموارد لحمايتها، بما يعيد إنتاج دائرة التصعيد نفسها.

لكن الانسحاب، في رأيه، لا يعني إنهاء العلاقات مع دول المنطقة. إذ يمكن للولايات المتحدة مواصلة التعاون في بعض الحالات، مثل دعم الجيش اللبناني، مع ربط أي مساعدة أو صفقة سلاح بالالتزام بالقوانين الأمريكية والدولية وحقوق الإنسان.

وبالتوازي مع الانسحاب العسكري، يدعو الكاتب إلى توسيع الدور الدبلوماسي والاقتصادي والإنساني. ويقترح زيادة المساعدات للفلسطينيين، ودعم مشاريع التكامل الاقتصادي وخطوط الطاقة البديلة عن مضيق هرمز، وربط المساعدات المقدمة إلى دول مثل إسرائيل والإمارات بتحسين سجل حقوق الإنسان ووقف السياسات التي تزعزع استقرار المنطقة.

ويعترف فوكس بأن الانسحاب يحمل مخاطر، لكنه يرى أنها أقل من مخاطر استمرار الوجود العسكري. ففي ملف الطاقة، أثبتت الحرب الأخيرة أن القوات الأمريكية لم تضمن حرية الملاحة، بل إن الحرب نفسها أدت إلى إغلاق مضيق هرمز، فيما عجزت البحرية الأمريكية عن إعادة فتحه بالقوة. كما أن إيران ودول الخليج تشترك في مصلحة استمرار تدفق النفط، في وقت يقلل تنوع مصادر الطاقة عالميًا من خطورة أي تعطيل مستقبلي.

وفي ما يتعلق بإيران، يرى أن الحرب أثبتت أن الوجود العسكري الأمريكي لم يحم حلفاء واشنطن في الخليج. ولذلك، يقترح ترتيبات أمنية إقليمية تقودها دول المنطقة نفسها، مع بقاء دور أمريكي اقتصادي ودبلوماسي.

ويرفض أيضًا القول إن القواعد الأمريكية ضرورية لمكافحة الإرهاب، معتبرا أن الغزوات والضربات الجوية التي أوقعت ضحايا مدنيين أسهمت في تغذية التطرف. ويمكن، برأيه، مواصلة مكافحة الإرهاب عبر التعاون الاستخباراتي والمراقبة بعيدة المدى، مع التدخل المحدود فقط إذا ظهر تهديد مباشر للولايات المتحدة.

أما إسرائيل، فيرى أنها تمتلك أقوى جيش في المنطقة وترسانة نووية، وهي قادرة على الدفاع عن نفسها. ويقترح ربط المساعدات بإنهاء الاحتلال، والسعي إلى سلام مع الفلسطينيين، ووقف الحملات العسكرية في إيران ولبنان وسوريا.

ويؤكد الكاتب أن الانسحاب لن يضعف أمريكا أمام الصين وروسيا، بل سيتيح لها التركيز على التحديات الكبرى في آسيا وأوروبا. كما يستبعد أن تحل بكين أو موسكو محل واشنطن في المنطقة.

ويشير إلى أن الرأي العام الأمريكي بات أكثر رفضا للحروب، إذ يفضل 62 في المئة من الأمريكيين تجنبها قدر الإمكان، بينما يعارض معظم الشباب الحرب على إيران. ومع ذلك، تبقى النخبة السياسية، بحسبه، بعيدة عن هذا المزاج، فيما يرتفع الإنفاق العسكري إلى مستويات قياسية.

ويخلص فوكس إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تؤدي دورا مهما في الأمن العالمي، خصوصا في أوروبا وآسيا، لكن وجودها العسكري في الشرق الأوسط بات يفاقم الأزمات أكثر مما يحلها. ولذلك، فإن الانسحاب، مقرونا بالدبلوماسية والضغط الاقتصادي والسياسي، يمثل، في نظره، الخيار الأكثر انسجاما مع المصالح الأمريكية على المدى الطويل.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى الاخبار