كان موسى دعيس، المزارع المعروف والمريض، ابن 65، والأب لعشرة أولاد، يجلس على أريكة في صالون بيته في قرية خلة الحمص النائبة في جنوب جبل الخليل، بين يطا والسموع، بوجهه شاحب ومرهق. أعطاه ابنه صدام محلولاً باللون الوردي. الابن تعلم الطب في اليمن، وهو الآن طبيب تخدير في المستشفى الحكومي في رام الله. اثنان من أولاد موسى وحفيده اعتقلهم الجيش والشرطة للاشتباه فيهم باختطاف سلاح مستوطن، اقتحم أرضهم في يوم السبت مع قطيعه.
بعد أشهر من العجز التام أمام إزعاج المستوطنين، يبدو أن الفلسطينيين يستجمعون الشجاعة بالتدريج، أو أن اليأس دفعهم لمقاومة المستوطنين الغزاة. في قرية تل، قتل أربعة فلسطينيين أبناء عائلة واحدة، وقتل إسرائيليان الجمعة الماضي بعد اقتحام المستوطنين لها. وفي خلة الحمص أيضاً، يبدو أنهم لم يعودوا مستعدين للخضوع للمستوطنين. هنا تم اعتقال أربعة أيضاً من نفس العائلة.
الطريق إلى خلة الحمص ترابية ومليئة بالصخور، بيوت القرية فيها كاميرات مراقبة، وبعض الحقول حولها أسلاك شائكة. منذ إنشاء مزرعة استيطانية جديدة قبل حوالي ثلاثة أشهر على أراضي القرية في الوادي المقابل، تغيرت حياة السكان بشكل جذري. الخطوة التالية واضحة: المستوطنون يريدون جرهم إلى مواجهات ومقاومة عنيفة، ووصفهم بالإرهابيين، وجعل القرية وكراً للإرهاب، وبعد ذلك، لن يطول الوقت حتى يتم طردهم وهدم بيوتهم. وقد نجحت خطتهم. في هذا الأسبوع، تحدثت معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية عن الهجوم و”الإرهاب” و”الإرهابيين” في قرية تل. عائلة دعيس من خلة الحمص، هي إذاً عائلة المخربين التالية، وقريتها وكر الإرهاب التالي.
يعتمد مصدر رزق عائلة دعيس على الـ 18 دونماً من المحاصيل الحقلية وقطيع صغير من الأغنام والأبقار. لم تعد الحقول متاحة ولم يعد بالإمكان إخراج الأغنام للرعي، حيث استولى المستوطنون على الوادي المقابل للقرية، وفقد الفلسطينيون معظم أراضيهم، حتى الآبار التي حفرت في الأرض لم تعد صالحة للاستخدام. الوادي أصبح تحت سيطرة سكان المزرعة الاستيطانية بالكامل، وهي عبارة عن خيمة كبيرة بجانبها بيت خشبي صغير. ترقد أبقار باللون البني قرب الخيمة، وترقد ماعز سوداء على حافة المزرعة التي يرفرف عليها علم إسرائيل.
في صباح السبت، وصل عدد من المستوطنين المسلحين في جولة على متن تراكتور زراعي إلى منطقة خلة الحمص، مخترقين الأسوار التي أقامها السكان حول الحقول لحمايتها. بعد بضع ساعات في الظهيرة، لاحظ عصام، أحد أولاد موسى، مستوطنين رعاة يقتربون من أرض العائلة. في فيلم فيديو لكاميرا مراقبة في القرية، شوهد عصام وهو يقترب من المستوطن الدخيل بيديه العاريتين. وبسرعة نشب بينهما عراك بالأيدي. حاول عصام أخذ بندقية المستوطن وتصارعا عليها. استمر العراك الذي انضم إليه عدد من أبناء عائلة عصام لبضع دقائق. وحسب معرفتنا، عثر على البندقية على الأرض، ولم يطلق عصام النار على المستوطن. قال صدام، الطبيب، في هذا الأسبوع: “لو أراد أخي إطلاق النار على المستوطن لفعل ذلك”. في هذه الأثناء، ظهر ستة أو سبعة مستوطنين مسلحين وقوة للجيش من قاعدة سوسيا التي تطل على الوادي. وحسب أقوال صدام، أطلق الجنود والمستوطنون النار على القرية.
فتش الجنود البيوت وحققوا مع السكان واعتقلوا إبراهيم، شقيق عصام وابنه موسى. وحقق الجنود مع صدام ولكنهم لم يعتقلوه. وقد كان معهم مستوطن معروف لسكان خلة الحمص، وهو من البؤرة الاستيطانية غير القانونية في سوسيا القديمة- القرية الفلسطينية التي طرد منها أهلها قبل سنوات. اتهموا السكان بسرقة سلاح وإطلاق النار على الجنود والمستوطنين. وحسب صدام، الجنود لم يسألوا عن عصام.
في فجر الإثنين، عاد الجيش مرة أخرى واعتقل هذه المرة محمد، ابن شقيق عصام. كانت الساعة 4:30 فجراً عندما اقتحم الجنود باب البيت، حسب رواية محمد الذي أطلق سراحه قبل وصولنا بقليل. تم نقله في البداية للتحقيق معه في منشأة “عصيون” العسكرية، بعد ذلك إلى مركز الشرطة في “كريات أربع”. وقال إنه أجبر على الاستلقاء على بطنه في السيارة العسكرية وتعرض للضرب في الطريق. بعد التحقيق معه، أُخذ إلى مفترق بني نعيم، بعيداً عن مكان اعتقاله، وهناك تم إطلاق سراحه.
طالب الجنود الذين اقتحموا بيت العائلة بإحضار عصام. قال لهم والده بأنه ليس في البيت، وأنه سيحضره إلى مكان يحددونه له بعد قليل. يختبئ عصام منذ الحادثة، حسب أقوال شقيقه، خشية من المستوطنين. يقولون إنه لو طلبه الجيش عشية السبت لسلم نفسه على الفور. وبالفعل، صباح الإثنين، سلم عصام نفسه للإدارة المدنية في الخليل. وقد أطلق سراح محمد بعد فترة قصيرة.
صرح متحدث باسم الجيش الإسرائيلي لـ “هآرتس”: “اعتقلت قوات الأمن إرهابيين اثنين، متورطين في الهجوم على جندي إسرائيلي واختطافه أثناء إجازته في منطقة سوسيا التابعة للواء “يهودا”. وفي وقت لاحق، تحركت قوات الجيش في منطقة مدينة يطا التابعة للواء يهود واعتقلت إرهابياً آخر متورطاً في عملية الاختطاف. وفي صباح اليوم التالي، سلم إرهابي آخر متورط في الهجوم نفسه للإدارة المدنية”.
ورداً على سؤال “هآرتس” حول ما إذا كان تم اعتقال مستوطنين أيضاً في أعقاب الحادث، قالت المتحدثة باسم الشرطة: “لقد تم تحويل التحقيق في القضية إلى الوحدة المركزية في لواء شاي (يهودا والسامرة). وفي إطار التحقيق تم اعتقال عدد من المشتبه فيهم وجمع شهاداتهم. التحقيق ما زال في المرحلة الأولى، وبطبيعة الحال لا يمكننا إعطاء المزيد من التفاصيل”. ما زال التحقيق جارياً بهدف الوصول إلى الحقيقة وتقديم المتورطين للعدالة. وقالت جمعية “حنونو” الاستيطانية، أمس، إن الشرطة تحقق مع المستوطن الذي سرق سلاحه، وتوجه إليه إنذاراً للاشتباه في ارتكابه اعتداء.
لم تبدأ مضايقة المستوطنين لسكان قرية خلة الحمص السبت الماضي، بل سبقت ذلك محاولات لسرقة الأغنام وتخريب المعدات الزراعية واقتحام البيوت. ويروي السكان قصة مستوطن وهو يستحم عارياً في أحد الآبار أمام نساء وأولاد القرية. وأثناء تواجدنا في القرية، جاء بلاغ يفيد بأن جنوداً من وحدة الدفاع القطري، جيش المستوطنين، جاءوا إلى مزرعة في القرية، وحاولوا مصادرة دراجة رباعية الدفع كهربائية تعود لأحد المزارعين، وعندما رفض مالك الدراجة، شهدي الخطيب، تسليم مفاتيحها، كبل الجنود يديه واقتادوه إلى القاعدة من أجل “اعتقاله”. وقال متحدث باسم الجيش الإسرائيلي في هذا الأسبوع حول ذلك بأن “الحادث المذكور غير معروف لنا”.
جدعون ليفي وأليكس ليبيك
هآرتس