بغداد / تميم الحسن
يجد علي الزيدي نفسه في أخطر اختبار منذ تسلمه رئاسة الحكومة قبل أكثر من شهرين. الرجل الذي عاد من الولايات المتحدة متحدثاً عن موعد نهائي لحصر السلاح بيد الدولة، يتجه إلى إيران وسط تقارير استخبارية تحذر من أن المواجهة مع الفصائل قد تضع حياته في دائرة الخطر.
وتكشف معلومات حصلت عليها (المدى) أن تقارير استخبارية ترجح احتمال استهداف الزيدي إذا مضى في تنفيذ خطة نزع السلاح. وتستحضر تلك التقارير سابقة استهداف مقر إقامة رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي بعد اعتقال متهمين بإطلاق صواريخ على السفارة الأميركية.
وكان الزيدي قد أطلق، خلال مقابلات أجراها في واشنطن، موقفاً لافتاً، حين أكد أنه يدرك حجم المقاومة التي قد يواجهها من القوى المسلحة، وقال إنه "مستعد للموت" من أجل تنفيذ مشروعه، مضيفاً: "لن نقبل بأقل من ذلك".
ويضع رئيس الحكومة 30 أيلول المقبل موعداً نهائياً لتفكيك السلاح خارج إطار الدولة، وهو موعد يثير كثيراً من الشكوك في الأوساط السياسية والأمنية، فيما تأتي زيارته إلى طهران في توقيت بالغ الحساسية.
روايتان للزيارة
الأوساط القريبة من الزيدي تتحدث عن أن الزيارة تحمل رسالة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أبدى إعجابه بشجاعة رئيس الحكومة ووسامته خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن.
لكن حلفاء الزيدي في الإطار التنسيقي ينفون وجود أي رسالة من هذا النوع، ويقولون إن برنامج الزيارة يقتصر على لقاء شخصيات من "الخط الثاني" في الجمهورية الإسلامية، إضافة إلى بحث استثناءات تتعلق بمرور السفن المستأجرة لنقل النفط عبر مضيق هرمز.
ويقول قيادي في الإطار التنسيقي، تحدث لـ(المدى) طالباً عدم كشف اسمه، إن الحديث عن رسالة من ترامب إلى إيران "غير دقيق"، مضيفاً أن الزيدي، خلال زيارته إلى واشنطن، "تحدث عن موعد 30 أيلول لتسليم السلاح وانسحاب قوات التحالف".
وأضاف القيادي: "بعد ذلك، جرى الحديث عن السيادة، والمصارف المحظورة، ثم الشركات الأميركية والاستثمارات وتوقيع الاتفاقيات، وكل ذلك تم بهذا الترتيب، ولم تكن هناك رسائل، خصوصاً أن الحرب مستمرة وأن جميع الوساطات فشلت حتى الآن".
وأكد أن الزيدي "يبحث عن استثناءات من إيران لضمان مرور السفن المستأجرة لنقل النفط عبر هرمز، كما يريد إيصال رسالة اطمئنان بشأن علاقته مع واشنطن، كما أوضحها في الاجتماع الأخير مع الإطار، الذي واجه خلاله انتقادات".
وأضاف أن زيارة الزيدي "ستقتصر على لقاء رئيس الجمهورية الإيرانية، الذي لا يعد المصدر الأساسي للقرار في طهران".
رهان الزيدي على طهران
وفي المقابلة الأخيرة التي أجرتها معه مجلة "ذا أتلانتيك" الأميركية، كشف الزيدي أنه نصح الرئيس ترامب بعدم توجيه ضربة عسكرية لإيران، معتبراً أن المفاوضات تبقى الخيار الأهم.
ويقول مشرق الفريجي، القيادي في ائتلاف "الإعمار والتنمية"، إن زيارة الزيدي إلى إيران قد تتضمن محاولة لفتح باب الوساطة العراقية، والدخول على خط التهدئة في النزاع الإقليمي.
ويضيف لـ(المدى): "لكن الأهم سيكون تسهيل حصول إيران على الغذاء والدواء من أرصدتها المالية المحجوزة في العراق".
وكان مصدر سياسي قريب من اجتماعات الإطار التنسيقي قد قال لـ(المدى)، في وقت سابق، إن الزيدي يعتقد أن العراق "أهم من باكستان وقطر" في جهود احتواء النزاع الإقليمي.
غير أن المشهد ازداد تعقيداً عشية الزيارة، إذ ترفض الفصائل تسليم السلاح الثقيل، فيما يعتقد بعض المراقبين أن رئيس الحكومة يسعى في طهران إلى إقناع الإيرانيين بالضغط على تلك الجماعات، بينما ترى الفصائل أن مهلة الثلاثين من أيلول ليست سوى "فخ" نصبه ترامب.
"زيارة تكشف القلق"
السياسي المستقل والنائب السابق مثال الآلوسي يرى أن الزيارة لن تحقق مكاسب حقيقية.
ويقول لـ(المدى): "لا أميركا تنتظر أو تترجى شيئاً من هذه الزيارة، ولا الدول العربية المستهدفة يومياً بالعدوان الإيراني تنتظر تطورات جديدة لصالحها، ولا أمنُ المنطقة ولا الشارعُ العراقي ينتظران أن ترحم إيران علي الزيدي وتلجم الميليشيات".
ويضيف أن إيران "ليست مستعدة لتغيير سلوكها التوسعي أو أن توعز للميليشيات بتسليم السلاح والتوقف عن استهداف الأمن العراقي والمنطقة والمصالح الأميركية"، معتبراً أن "من السذاجة انتظار نتائج إيجابية مفيدة للعراق أو لأمن المنطقة أو للعلاقات الاستراتيجية بين بغداد وواشنطن".
ويرى الآلوسي أن الزيارة "تكشف حجم القلق والضعف داخل الحكومة الجديدة"، خصوصاً بعد إعلانها أن شهر أيلول سيكون موعداً لسحب السلاح، في وقت أعلنت فيه الفصائل رفضها تسليم أسلحتها، وهو ما وضع الحكومة، بحسب تعبيره، "في موقف حرج".
ويعتبر أن الحملة الحالية ضد الفساد "تعكس تردداً في حسم ملفات فساد عميقة، لأن شخصيات متورطة ترتبط بطهران، والحكومة لا تريد الاصطدام بها من دون موافقة إيرانية، وإذا صح هذا التصور فنحن أمام كارثة سيادية كبيرة".
ويشير الآلوسي إلى أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط الزيدي لزيارة إيران وتركيا، لكنه لا يستبعد أن يكون ترامب أراد الإبقاء على "باب صغير للتفاوض" مع طهران، شرط أن تستجيب الأخيرة عبر سحب سلاح الفصائل ووقف القصف في كردستان والمنطقة.
ويضيف أن الزيدي "قد يستطيع الحديث عن قصف كردستان، لكنه لا يمتلك تفويضاً للحديث عن قصف الأردن أو تحدي الاستراتيجية الإيرانية في توسيع رقعة الحرب".
ويعتقد أن الرسالة الإيرانية الأساسية موجهة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا، عبر التلويح بتهديد الخليج وفتح أسواق لإعادة الإعمار، معتبراً أن طهران "تلعب لعبة انتهازية لاستمالة شركات أوروبية وصينية تنظر إلى الصراع بمنظار شبه حيادي".
الحرس الثوري اللاعب الحقيقي
ويذهب الآلوسي، وهو مؤسس حزب الأمة، إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الزيدي قد لا يلتقي المرشد الإيراني، الذي يغيب عن المشهد بذريعة الظروف الأمنية، فيما سيقتصر لقاؤه، على الأرجح، على رئيس الجمهورية ووزير الخارجية.
ويقول إن "اللاعب الحقيقي هو الحرس الثوري، فهو من يطلق الصواريخ ويتحكم بالفصائل"، مضيفاً أن الزيارة "إما أن تتحول إلى لقاء بروتوكولي لا قيمة عملية له، أو أن يلتقي الزيدي بالحرس الثوري، وعندها تسقط الاعتبارات التي حاولت الحكومة ترسيخها".
كما يرى أن حملة مكافحة الفساد لا تزال بعيدة عن الملفات الأكثر حساسية، مثل خلط النفط وتهريبه، وهي ملفات، بحسب قوله، تشرف عليها جهات نافذة، معتبراً أن عدم الاقتراب منها "رسالة ود إلى إيران" بأن الحكومة لن تمس المصالح الاستراتيجية لطهران.
ويضيف أن استقبال إيران شخصيات مطلوبة للقضاء العراقي ومتهمة بقضايا فساد يمنحها حماية سياسية، ويؤكد، بحسب رأيه، أن "محاربة الفساد لن تتم إلا بموافقة إيرانية وبالحدود التي تقبلها طهران".
ويختم الآلوسي بتوجيه نصيحة إلى الزيدي قائلاً إن بغداد "قدمت خلال زيارة واشنطن أقصى ما تستطيع من انفتاح وشراكة، لكن من السذاجة اعتبار ذلك إنجازاً يمكن البناء عليه في طهران، بينما لا تزال البلاد تواجه أزمات مالية واقتصادية، وربما أزمة رواتب، وهي ملفات قد تستغلها الميليشيات وإيران ضد الحكومة، وصولاً إلى تصفية الزيدي بإرادة إيرانية".