على مدى أكثر من نصف قرن، أصبحت السويد واحدة من أبرز الدول الأوروبية استقبالًا للمهاجرين واللاجئين القادمين من الشرق الأوسط. فقد دفعت الحروب والصراعات السياسية والأزمات الأمنية في العراق وسوريا والأراضي الفلسطينية آلاف الأشخاص إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلد بعيد جغرافيًا، لكنه أصبح بالنسبة للكثيرين وطنًا جديدًا.
ولم تكن هجرة السوريين والعراقيين والفلسطينيين إلى السويد مجرد حركة لجوء مؤقتة مرتبطة بظروف استثنائية، بل تحولت مع مرور السنوات إلى عامل أساسي في التغير الديموغرافي والثقافي الذي شهدته البلاد.
وتُعد هذه الجاليات اليوم من أبرز المكونات العربية في السويد، حيث أسست حضورًا اجتماعيًا وثقافيًا واقتصاديًا واضحًا، وفي الوقت نفسه فرضت تحديات جديدة على الدولة السويدية فيما يتعلق بالاندماج وسوق العمل والسكن.
السوريون في السويد: أكبر موجات اللجوء في العصر الحديث
كان الوجود السوري في السويد محدودًا قبل اندلاع الحرب الأهلية السورية عام 2011، إذ ضم مهاجرين قدموا لأسباب مختلفة، من بينها الدراسة والعمل، إضافة إلى بعض أبناء الأقليات مثل الآشوريين الذين كان لهم وجود قديم نسبيًا في البلاد.
لكن الحرب السورية غيّرت حجم هذا الوجود بشكل جذري. فمنذ عام 2011، فرّ ملايين السوريين من بلادهم بسبب الحرب والدمار والقصف والاضطرابات الأمنية، واتجه قسم كبير منهم إلى الدول المجاورة مثل تركيا ولبنان والأردن، بينما وصل آخرون إلى أوروبا وكانت السويد من أبرز الدول التي استقبلتهم.
وشهدت الفترة بين عامي 2014 و2018 وصول الجزء الأكبر من المهاجرين السوريين إلى السويد، حيث أصبح السوريون إحدى أكبر مجموعات المهاجرين في البلاد. ووفق الإحصاءات السويدية، بلغ عدد الأشخاص المقيمين في السويد والمولودين في سوريا نحو 196 ألف شخص عام 2024، إضافة إلى عشرات الآلاف ممن ولدوا في السويد ولديهم أحد الوالدين على الأقل من أصول سورية.
وخلال السنوات الأولى من الأزمة السورية، اتبعت السويد سياسة لجوء أكثر انفتاحًا مقارنة بعدد من الدول الأوروبية، ما جعلها وجهة رئيسية لطالبي الحماية السوريين. إلا أن استقبال هذه الأعداد الكبيرة خلق تحديات كبيرة، أبرزها أزمة السكن، وصعوبة دخول سوق العمل، والحاجة إلى برامج واسعة لتعليم اللغة السويدية.
كما واجه الشباب السوريون تحديات مرتبطة بالهوية والانتماء، إذ وجد كثير منهم أنفسهم بين ثقافتين: ثقافة الأسرة السورية وثقافة المجتمع السويدي. وأصبح الحفاظ على اللغة العربية والعادات من جهة، والاندماج في المجتمع الجديد من جهة أخرى، قضية أساسية لدى كثير من العائلات السورية.
العراقيون في السويد: هجرة متعددة المراحل بسبب الحروب والصراعات
يُعد العراقيون من أقدم وأكبر الجاليات القادمة من الشرق الأوسط إلى السويد. ولم تصل الهجرة العراقية في موجة واحدة، بل جاءت عبر مراحل متعددة ارتبطت بتاريخ العراق السياسي والعسكري خلال العقود الماضية.
بدأت أولى موجات الهجرة العراقية إلى السويد في أواخر الستينيات والسبعينيات، عندما وصل معارضون سياسيون وأفراد من القوميات المختلفة، خصوصًا الأكراد والآشوريين، هربًا من نظام الحكم آنذاك.
أما الموجة الثانية فجاءت خلال حرب الخليج الأولى بين عامي 1980 و1988، حيث فرّ العديد من العراقيين بسبب الحرب والتجنيد الإجباري والاضطهاد السياسي.
وخلال التسعينيات، تدفقت موجة ثالثة نتيجة حرب الخليج الثانية، والعقوبات الاقتصادية، والأوضاع الأمنية الصعبة؛ وشملت خصوصاً أكراداً وآشوريين من شمال العراق، ولاجئين عرباً شيعة من جنوبه، بالإضافة إلى قاطني مخيم رفحاء.
لكن أكبر موجة وصول للعراقيين إلى السويد جاءت بعد حرب الخليج الثالثة والغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حيث أدت الفوضى الأمنية والانهيار المؤسسي وانتشار العنف الطائفي والتهديدات التي تعرضت لها بعض الفئات، خصوصًا المسيحيين العراقيين والصابئة المندائيين، إلى زيادة كبيرة في طلبات اللجوء.
وخلال الحرب الأهلية العراقية الأولى بين عامي 2006 و2009، شهدت السويد تدفقًا كبيرًا للاجئين العراقيين، ولا سيما من العرب السنّة والمسيحيين والصابئة المندائيين، وأصبحت السويد من أكثر الدول الأوروبية استقبالًا لهم.
وساهمت هذه الموجة في توسع الجالية العراقية في السويد بشكل واضح، حيث استقر كثير من العراقيين في مدن مثل سودرتاليا ومالمو وستوكهولم، وأسّسوا جمعيات ومؤسسات ثقافية ودينية واجتماعية ساعدت في الحفاظ على الهوية العراقية.
وبحسب الإحصاءات السويدية، بلغ عدد الأشخاص المولودين في العراق والمقيمين في السويد نحو 143 ألف شخص عام 2024. ويُضاف إلى ذلك آلاف الأشخاص من أصول عراقية ولدوا في السويد أو حصلوا على الجنسية السويدية، ما يجعل حجم المجتمع العراقي أكبر من عدد المولودين في العراق فقط.
وتتميز الجالية العراقية بتنوعها الكبير، فهي تضم العرب والأكراد والآشوريين والسريان والكلدان والصابئة المندائيين وغيرهم، وهو انعكاس للتنوع التاريخي للمجتمع العراقي.
الفلسطينيون في السويد: جالية بلا إحصاء دقيق وعودة معقدة
تختلف الحالة الفلسطينية في السويد عن الحالة السورية والعراقية بسبب طبيعة تاريخ الشعب الفلسطيني المرتبط بالنزوح الطويل وتعدد أماكن اللجوء.
فالكثير من الفلسطينيين المقيمين في السويد لم يولدوا في الأراضي الفلسطينية، بل في دول أخرى مثل سوريا ولبنان والأردن والعراق والكويت، ولذلك فإن الإحصاءات الرسمية لا تعكس العدد الحقيقي للفلسطينيين في البلاد.
وتعتمد الإحصاءات السويدية على بلد الميلاد والجنسية، وليس على الأصل القومي أو العرقي، لذلك لا يوجد رقم رسمي دقيق لعدد الفلسطينيين في السويد.
ووفق الإحصاءات الرسمية، كان هناك نحو 7400 شخص مولودين في الأراضي الفلسطينية عام 2017، إلا أن هذا الرقم لا يشمل الفلسطينيين الذين ولدوا في دول أخرى أو أبناء الأجيال الجديدة الذين ولدوا في السويد.
وتشير تقديرات مختلفة إلى أن عدد الفلسطينيين وذوي الأصول الفلسطينية في السويد يبلغ نحو 80 ألف شخص، ويشمل ذلك اللاجئين الفلسطينيين وأبناءهم الذين ولدوا في السويد أو في بلدان أخرى قبل انتقالهم إليها.
ويتميز المجتمع الفلسطيني في السويد بارتباط قوي بالهوية الثقافية والتاريخية، إذ حافظ كثير من أفراده على اللغة العربية والعادات والذاكرة الجماعية رغم مرور أجيال على الهجرة.
ما بعد اللجوء: تحديات الاندماج وأحلام العودة
لم تنتهِ رحلة اللاجئين السوريين والعراقيين والفلسطينيين في السويد بمجرد الحصول على الإقامة، بل بدأت مرحلة جديدة من التحديات المرتبطة ببناء حياة مستقرة في مجتمع مختلف ثقافيًا ولغويًا.
ويُعد دخول سوق العمل من أكبر التحديات، إذ يحتاج كثير من الوافدين إلى سنوات لتعلم اللغة السويدية، ومعادلة الشهادات، والتكيف مع متطلبات السوق.
كما شكّل السكن تحديًا كبيرًا، خصوصًا خلال فترات وصول أعداد كبيرة من طالبي اللجوء، حيث تعرضت بعض المدن لضغط كبير على قطاع الإسكان.
ومن القضايا المهمة أيضًا مسألة الهوية؛ فالكثير من العائلات تحاول الحفاظ على اللغة والثقافة الأصلية، بينما ينشأ الجيل الجديد داخل المجتمع السويدي ويحمل تجربة مختلفة عن تجربة الآباء.
دعوات العودة: لماذا لا يعود كثير من اللاجئين؟
مع مرور السنوات، بدأت الحكومات في الدول الأصلية للاجئين بتوجيه دعوات إلى مواطنيها في الخارج للعودة والمساهمة في إعادة بناء بلدانهم.
في العراق، دعا رئيس الوزراء علي فالح الزيدي العراقيين المقيمين في الخارج إلى العودة والمساهمة في إعادة بناء البلاد، خصوصًا الفئات التي غادرت خلال سنوات العنف والصراعات، مؤكدًا أهمية الاستفادة من خبرات العراقيين في الخارج.
أما في سوريا، فقد دعا الرئيس السوري أحمد الشرع السوريين في الخارج إلى العودة، مشيرًا إلى أهمية مشاركة السوريين في إعادة بناء البلاد بعد سنوات الحرب.
ورغم هذه الدعوات، فإن عودة أعداد كبيرة من اللاجئين المقيمين في السويد ما زالت محدودة. فالكثير منهم أصبح مرتبطًا بحياة جديدة هناك؛ إذ تعلم أبناؤهم في المدارس السويدية، ودخلوا سوق العمل، وحصل بعضهم على الجنسية، وبنوا علاقات اجتماعية ومهنية يصعب التخلي عنها.
كما أن قرار العودة يرتبط بعوامل أخرى، مثل الاستقرار الأمني، وتوفر السكن، وفرص العمل، ومستقبل الأطفال، ومستوى الخدمات، والثقة بأن الحياة بعد العودة ستكون أفضل من الحياة التي بنوها في السويد.
ولهذا فإن العودة ليست مجرد قرار سياسي أو عاطفي، بل قرار عائلي واقتصادي معقد.
خصوصية الحالة الفلسطينية: إلى أين يعود اللاجئ الفلسطيني؟
تختلف مسألة العودة بالنسبة للفلسطينيين عن غيرهم من اللاجئين، إذ إن كثيرًا منهم لا يملكون خيار العودة إلى بلد محدد عاشوا فيه قبل الوصول إلى السويد.
فجزء كبير من الفلسطينيين في السويد ينحدر من عائلات عاشت لعقود في دول عربية أخرى مثل سوريا والعراق ولبنان، قبل أن تضطر إلى الهجرة مرة جديدة بسبب الحروب والاضطرابات.
وبالنسبة للفلسطينيين المقيمين سابقاً في سوريا، فإن العودة ليست قراراً يسيراً؛ لا سيما بعد سنوات الحرب التي ألجأت أعداداً منهم إلى مغادرة البلاد. ففقدان غالبيتهم للمسكن والعمل، إلى جانب تدهور الخدمات الأساسية، عوامل تجعل الكثيرين يتوجسون من هذه الخطوة؛ وإن ظل وضعهم القانوني في سوريا من ناحية الحقوق والواجبات أفضل حالاً بكثير مقارنة باللاجئين الفلسطينيين في العراق.
أما الفلسطينيون المقيمون في العراق، فإن وضعهم يحمل خصوصية أكبر؛ فقد استقرت عائلات فلسطينية هناك منذ عام 1948 وتوالت أجيالها، إلا أن أوضاعهم انقلبت جذرياً بعد غزو البلاد عام 2003. ورغم ارتباطهم التاريخي بالعراق، فإن شريحة واسعة منهم ظلت خاضعة لتصنيف قانوني خاص بصفتهم “أجانب” دون الحصول على الجنسية العراقية، بالتزامن مع تضييق القيود على إقاماتهم الدائمة، وفرص عملهم، ونيل حقوقهم؛ الأمر الذي جعل خيار العودة أو البقاء بالنسبة للكثيرين أمراً غير مضمون العواقب.
أما العودة إلى الأراضي الفلسطينية، فهي تمثل بالنسبة للكثير من الفلسطينيين حقًا تاريخيًا وحلمًا مرتبطًا بالهوية، لكنها تواجه حاليًا عقبات كبيرة بسبب استمرار الاحتلال الإسرائيلي والقيود على الحركة والتنقل، إضافة إلى الظروف السياسية والأمنية المعقدة.
ولهذا فإن اللاجئ الفلسطيني يواجه سؤالًا مختلفًا عن كثير من اللاجئين الآخرين: إلى أين تكون العودة؟ وما الحقوق والظروف التي تنتظره هناك؟
خلاصة: بين إرث الماضي وبناء مستقبل جديد في السويد
تكشف تجربة السوريين والعراقيين والفلسطينيين في السويد أن الهجرة لم تكن مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل كانت رحلة طويلة حمل فيها هؤلاء الأشخاص معهم ذكريات الحروب والصراعات والاضطرابات التي عاشوها قبل الوصول. فقد وصل كثير منهم وهم يحملون آثار تجارب قاسية؛ من فقدان أفراد من العائلة، والتهجير القسري، والخوف من المستقبل، وعدم الاستقرار السياسي والأمني الذي طبع سنوات طويلة من حياتهم.
لكن التحدي الأكبر لم يبدأ عند الوصول إلى السويد فقط، بل ظهر أيضًا عند الحديث عن العودة. فبالنسبة لكثير من اللاجئين، فإن الرجوع إلى بلدانهم الأصلية لا يعني العودة إلى حياة جاهزة بانتظارهم، بل العودة إلى واقع يحتاج إلى إعادة بناء. فالكثيرون قد يعودون إلى مدن فقدت جزءًا كبيرًا من بنيتها التحتية، وإلى أماكن قد لا يجدون فيها منزلًا جاهزًا للسكن، أو فرصة عمل توفر لهم ولعائلاتهم حياة مستقرة.
فالسوري الذي يفكر بالعودة قد يواجه سؤالًا أساسيًا: أين سيعيش بعد عودته؟ وهل سيكون قادرًا على تأمين مسكن وعمل وتعليم مناسب لأطفاله؟ فسنوات الحرب الطويلة أدت إلى تدمير الكثير من المنازل والمرافق، كما أن فرص العمل والاستقرار الاقتصادي ما زالت تمثل تحديًا كبيرًا للكثير من العائدين.
ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للعراقيين؛ فبالرغم من تحسن المشهد الأمني نسبياً مقارنة بحقبتي الحربين الأهليتين، فإن العائدين يصطدمون بعقبات جمة تتعلق بفرص العمل، وتأمين السكن، وتردي الخدمات، فضلاً عن هواجس الملاحقة المستمرة لدى فئات تعرضت سابقاً لاستهداف ممنهج، وفي مقدمتها المسيحيون والصابئة المندائيون.
أما الفلسطينيون، فإن قضية العودة أكثر تعقيدًا، لأن كثيرًا منهم لا يملكون طريقًا واضحًا للعودة. فالفلسطيني الذي عاش في سوريا أو العراق قد لا يجد ضمانات قانونية أو اجتماعية كافية عند العودة، بينما تبقى العودة إلى فلسطين مرتبطة بالوضع السياسي القائم واستمرار الاحتلال والقيود المفروضة على الحركة والحقوق.
ورغم الدعوات السياسية التي تطالب بعودة اللاجئين، فإن القرار بالنسبة للكثيرين لا يتعلق فقط بالرغبة في العودة إلى الوطن، بل بالقدرة على إعادة بناء حياة كاملة من جديد. فالإنسان الذي أمضى سنوات طويلة في السويد قد أصبح لديه حق المواطنة السويدية، ومنزل، وعمل، وتعليم لأطفاله، وشبكة اجتماعية، بينما قد تكون العودة إلى بلده الأصلي بداية جديدة مليئة بالمجهول.
وفي الوقت نفسه، فإن اختزال هذه الجاليات في تجاربها السلبية سيكون صورة ناقصة؛ فالكثير من السوريين والعراقيين والفلسطينيين نجحوا في بناء حياة مستقرة في السويد، وأصبحوا جزءًا من الاقتصاد والتعليم والثقافة والمجتمع المدني. كما أن الجيل الجديد الذي نشأ في السويد أصبح يمثل جسرًا بين ثقافتين، يحمل جذور عائلته من جهة، وانتماءه إلى المجتمع السويدي من جهة أخرى.
إن قصة هذه الجاليات ليست فقط قصة لجوء، بل قصة أشخاص يعيشون بين ماضٍ ترك آثارًا عميقة، وحاضر يحاولون بناءه، ومستقبل لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة. فبالنسبة لكثير منهم، لم يعد السؤال فقط: متى سنعود؟ بل أصبح سؤالًا أكثر صعوبة: هل توجد حياة يمكن العودة إليها؟ وهل يستطيع الإنسان أن يبدأ من جديد بعد سنوات طويلة من المنفى؟ وهل يمكنه أن يستعيد الثقة بالمجتمع والظروف التي دفعته إلى الرحيل في المقام الأول؟