تغيير حجم الخط     

أركيولوجيا العراق والنهب المسكوت عنه

مشاركة » الأحد يوليو 05, 2026 9:04 pm

2.jpg
 
سيرة الفساد وسرقة الموارد العامة، التي انفتحت مؤخراً في العراق، لم تشمل حتى الساعة، أو لعها لن تتطرق أصلاً إلى ميدان في النهب شديد الأذى؛ يتجاوز لصوصية الملايين والمليارات إلى تخريب تراث البلد وأوابد تاريخه، والخزائن الأركيولوجية الحافلة التي تشهد على حضارات كبرى، وثقافات عريقة طبعت المنطقة بأسرها قبل أن تتخذ سمات كونية عابرة للأمكنة والأزمنة.
الدولارات والدنانير قد تُستعاد في قليل أو كثير، والخسائر فيها قابلة للتعويض جزئياً أو كلياً؛ أمّا أن يُنشر رأس ثور مجنّح إلى قطع صغيرة بقصد تسهيل تهريبه خارج العراق، فهذه جريمة نكراء صارخة، متوحشة الضرر، حتى إذا أعيد لصق المقطّعات (كما حدث بالفعل، ذات واقعة)؛ لأنّ صفحة كاملة من سجلات العراق السومرية والآشورية قد انتُهكت وشُوّهت. وما يزيد في بشاعة هذا الطراز من النهب أنه تفشى، بمقاييس أكثر ومعدلات أفدح، بعد الاجتياح الأمريكي للبلد سنة 2003، إلى درجة أنّ بعض معسكرات الجيش الأمريكي كانت تضمّ «أسواق خردة» لبيع القطع الأركيولوجية، بأسعار تترواح بين 20، 40، أو 100 دولار أمريكي!
وفي أيّ موقع موسوعي يعثر المرء على إحصائيات مذهلة لأرقام نهب الآثار العراقية، بفضل أشغال الأركيولوجية الأمريكية إليزابيث ستون، الأستاذة في جامعة نيو مكسيكو، التي استخدمت التصوير بالأقمار الصناعية، فأحصت مساحة نهب تقارب 9729 كم مربع جنوب العراق وحده. القطع المنهوبة تتراوح بين 400,000 و600,000، وهو رقم يتجاوز منهوبات المتحف الوطني العراقي… 30 إلى 40 مرّة! والمواقع، ضحية هذه اللصوصية المنظمة، شملت كبريات الأوابد العراقية، مثل نمرود ونينوى وبابل وأور ونيبور، وعشرات سواها.
وكما ينتظر المرء من ظواهر بهذا الاتساع والتوحش والاستهتار والاستباحة، توفرت مكتبة واسعة من المؤلفات والأبحاث الميدانية والوثائق السمعية والبصرية حول أنساق نهب الآثار العراقية، من جهة أولى مركزية؛ ولكن حول التستر عليها، والتواطؤ فيها، واستئثار الشركاء بمغانمها المالية التي تبلغ مئات ملايين الدولارات، من جهة ثانية أقلّ افتضاحاً، بسبب الإبقاء عليها طيّ المسكوت عنه. للمرء أن يتصفح كتاب لورنس روثفيلد «اغتصاب بلاد الرافدين» الذي يفصّل مباذل نهب متحف بغداد؛ أو دراسة جوان فرشخ «مجزرة أركيولوجيا بلاد الرافدين»، عالية التوثيق والرصد الميداني؛ أو كتاب ماثيو بوغدانوس «لصوص بغداد»، الذي ينصف يقظة ضمير أحد جنود الاحتلال الأمريكي حيال لصوصية الآثار…
المفضّل لدى هذه السطور هو، في المقابل، كتاب روجر أتوود «سرقة التاريخ: غزاة القبور، المهرّبون، ونهب التاريخ القديم»، الذي لا يخصّ نهب الآثار وحدها، وإن كان يتوقف مطولاً عند مآسي العراق بصدد هذه «الصناعة الثقيلة»، كما يسميها؛ بل يذهب أبعد، لاستعراض محطات أخرى في طول العالم وعرضه، لا تقلّ مأساوية وبشاعة. ذلك لأنّ الأنذال الحقيقيين في ناظر أتوود ليسوا نابشي القبور، الذين غالباً يقومون بهذا العمل لأنه مصدر رزقهم الوحيد، بل أثرياء العالم من هواة جمع الآثار في متاحف خاصة، وبعض مسؤولي المتاحف العريقة الذين يقبلون حيازة القطع المهرّبة لإثراء متاحفهم، والتجّار الكبار الذين يديرون شبكات التهريب.
ولا عجب أنه تتوفر «نظرية» متكاملة تفلسف هذا الطراز من اللصوصية الفاضحة البيّنة، مفادها أنّ الآثار المسروقة الموجودة في متاحف بلدان متقدّمة (والمقصود في الغرب، حصرياً أغلب الظنّ)، أو حتى في متاحف خاصة مغلقة إلا لنخبة النخبة، إنما تظلّ في الحفظ والصون أفضل مما تكون عليه حالها في بلدانها الأصلية. ورغم أنّ «النظرية» هذه زائفة عملياً ومرفوضة قانونياً وساقطة أخلاقياً، فإنها تجد لها أصداء ذرائعية عند بعض المسؤولين الثقافيين في البلدان المنهوبة، ذات الأنظمة التي تعيش أصلاً على نهب الشعوب والأوطان (كما فعل، ذات يوم غير بعيد، مسؤول ثقافي مصري كبير في تبرير عدم مطالبة مصر باستعادة آثارها).
وكي لا يبقى ناهبو العراق نسيج وحدهم، ثمة مثال يحلو لهذه السطور أن تسوقه، أغفله أتوود لأسباب لا تخفى، وقع في سنة 1923 حين كان الجندي الفرنسي الشاب أندريه مالرو (الروائي والسياسي ذاته، الذي سيكون له شأن رفيع في الجمهورية الخامسة وحياة فرنسا الثقافية)، قد ضُبط وهو يستخدم منشاراً وإزميلاً وعتلة لانتزاع، ثمّ سرقة سبعة تماثيل من معبد «بانتياي سري» في أنغكور، كمبوديا. هل كانت تلك نزوة شباب؟ كلا، للأسف! ففي كتابه «أصوات الصمت»، الذي صدر بعد 30 سنة على حادثة السرقة، بشّر مالرو بمفهومه عن متحف متخيَّل متعدد الثقافات تحتضنه فرنسا، وما كان له في واقع الأمر أن يتعدى صيغة إشباع نهم المركزية الأوروبية لتمجيد الذات.
وإذا كان كثر من مراقبي شؤون العراق وشجونه يتشككون في حدود «صولة الفجر» التي قادها رئيس الحكومة العراقي علي فالح الزيدي، وأنها لن تمسّ كبار تماسيح الفساد لأنّ بعضهم كانوا أصلاً صنّاع ترئيس الرجل، فإنّ الشطر الخاصّ بنهب آثار العراق أو استباحة مدافنها ومكامنها ومواقعها، أو تهريبها والاتجار بها، ليس بعذُ خارج الصولات والجولات فقط، بل يظل أيضاً دفين المكتوم المستور المسكوت عنه… حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا!
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى تقارير