بغداد / تميم الحسن
يفترض أن يصل رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن منتصف تموز المقبل، بعدما يكون قد أنجز جزءًا كبيرًا من عملية إبعاد شخصيات وقيادات مرتبطة بالفصائل عن مواقع حساسة داخل الدولة.
وتقول مصادر سياسية مطلعة إن هذه الإجراءات تمثل أحد أركان خطة ثلاثية جرى التفاهم عليها مع الولايات المتحدة، تقوم على مسارات متوازية تشمل إجراءات ميدانية تتعلق بالسلاح، وتجفيف مصادر التمويل، وإبعاد شخصيات نافذة عن مواقع القرار والتأثير.
وخلال الأسابيع الأخيرة، بدأ خصوم الزيدي داخل القوى الشيعية ينظرون إلى تحركاته باعتبارها أكثر من مجرد حملة إصلاح إداري أو أمني، بل مشروعًا قد يقود إلى ما يصفونه بـ"الانقلاب البارد" على منظومة النفوذ التي تشكلت بعد عام 2003.
وربما يفسر ذلك، بحسب مراقبين، إعلان الزيدي المبكر أنه لن يخوض الانتخابات المقبلة، في سابقة لرئيس حكومة بعد 2003، في خطوة فسرت على أنها محاولة لنزع الشبهات السياسية عن قراراته وإظهارها باعتبارها جزءًا من مشروع دولة لا مشروعًا انتخابيًا.
"اتفاق حزيران".. مهلة قصيرة قبل واشنطن
وتؤكد مصادر تحدثت إلى "المدى" أن رئيس الوزراء يعمل ضمن جدول زمني ضيق لإنجاز ما بات يعرف داخل الأوساط السياسية بـ"اتفاق حزيران"، وهو التفاهم الذي تبلور خلال زيارة مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، توم باراك، إلى بغداد.
وتشير المعلومات إلى أن اللقاء المغلق بين باراك والزيدي، الذي استمر أربع ساعات، تحول لاحقًا إلى نقطة انطلاق لحزمة القرارات والتغييرات التي شهدتها مؤسسات الدولة خلال الأسابيع الماضية.
وترى المصادر أن أمام رئيس الوزراء وقتًا محدودًا لتنفيذ الجزء الأكبر من التفاهمات قبل زيارته المرتقبة إلى واشنطن، حيث يتصدر ملف تقليص النفوذ الإيراني داخل العراق أولويات الإدارة الأميركية.
ثلاث جبهات في مواجهة النفوذ الإيراني
وبحسب مصادر قريبة من الحكومة، فإن الزيدي فتح ثلاث جبهات متوازية لتحقيق هذا الهدف.
الأولى تتعلق بإبعاد شخصيات نافذة من مواقع مؤثرة داخل الدولة، وهي الجبهة التي حققت تقدمًا ملموسًا خلال الفترة الماضية.
أما الثانية فتتمثل في ملاحقة ملفات الفساد والشبكات الاقتصادية التي يعتقد أنها شكلت خلال السنوات الماضية مصادر تمويل لقوى سياسية وفصائل مسلحة.
في حين تبقى الجبهة الثالثة، والأكثر حساسية، مرتبطة بملف السلاح وحصره بيد الدولة، وهو الملف الذي لا يزال يتحرك بوتيرة أبطأ من بقية الملفات.
وتقول المصادر إن الحكومة حققت نجاحًا نسبيًا في ملف إبعاد مسؤولين كبار يعتقد أن أسباب استبعادهم تتعلق بعلاقات مع الفصائل، أو بقربهم من دوائر النفوذ الإيراني، أو بفشلهم في الحد من تمدد هذا النفوذ داخل مؤسسات الدولة.
ويبدو أن الزيدي يدير هذا الملف وفق سياسة تقوم على "التدوير والترضية" أكثر من الإقصاء المباشر، رغم وجود قناعة شبه راسخة داخل الأوساط السياسية بأن قوى "الإطار التنسيقي" مضطرة للتكيف مع هذه الإجراءات.
وفي هذا السياق، يستبعد حسام الحسني، المتحدث باسم تيار الحكمة، أن تكون الإقالات والتغييرات الأخيرة منفصلة عن أولويات الحكومة، معتبراً أنها تنسجم مع مشروع حصر السلاح بيد الدولة والإصلاحات الاقتصادية.
وخلال أسابيع قليلة، تمكن رئيس الوزراء من إجراء تغييرات في مواقع تعد من الأكثر حساسية في الدولة، بينها جهاز الأمن الوطني ومستشارية الأمن القومي.
ولم تغادر الشخصيات المستبعدة المشهد بصورة كاملة، بل جرى نقل بعضها إلى مواقع أقل تأثيرًا أو إسناد أدوار استشارية لها، بما يحافظ على التوازنات السياسية ويخفف من ردود الفعل المحتملة.
كما نجح الزيدي في إجراء تغيير مهم داخل البنك المركزي، الذي ينظر إليه باعتباره أحد المفاصل الرئيسية في خطة الإصلاح المالي والاقتصادي المرتبطة بالتفاهمات العراقية - الأميركية.
وتعتقد أوساط سياسية أن هذه الإجراءات ستنعكس على شبكات مالية واقتصادية معقدة تمتد تأثيراتها إلى قوى سياسية وفصائل مسلحة.
وفي هذا الإطار، جرى نقل محافظ البنك المركزي علي العلاق إلى موقع المستشار المالي للحكومة، في خطوة عُدت مثالًا واضحًا على سياسة "التدوير" التي يعتمدها رئيس الوزراء في إدارة التغييرات.
هل اقترب الدور على الحشد؟
لكن الموقع الأكثر حساسية ما زال ينتظر الحسم، ويتمثل برئاسة هيئة الحشد الشعبي.
ففالح الفياض، الذي يعد من أقدم المسؤولين الذين احتفظوا بمواقعهم بعد عام 2003، قد يواجه سيناريو مشابهًا لما جرى مع مسؤولين آخرين، خصوصًا أن ملف إحالته إلى التقاعد عاد إلى الواجهة مجددًا.
وتتحدث تقديرات عن إمكانية نقله إلى موقع استشاري، على غرار ما حدث مع قاسم الأعرجي بعد مغادرته مستشارية الأمن القومي، أو أبو علي البصري بعد خروجه من رئاسة جهاز الأمن الوطني.
ويعد منصب رئيس هيئة الحشد من أكثر المواقع إشكالية في النظام السياسي. فقد تسبب سابقًا بأزمة كبيرة بين الفياض ورئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، انتهت بانحياز الفياض إلى خصوم العبادي خلال انتخابات 2018 بسبب إبعاد الأول من منصبه لفترة قصيرة عاد إليها لاحقًا، في خطوة عدها كثيرون أحد أسباب خسارة الأخير فرصة الحصول على ولاية ثانية.
وتكرر المشهد بصورة مختلفة في المرحلة الأخيرة، حين ابتعد الفياض عن رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني بعدما شعر بأن موقعه قد يكون ضمن أهداف التغيير المقبلة. وتحالف لاحقًا مع أحمد الأسدي، وزير العمل السابق، في محاولة لتشكيل كتلة سياسية جديدة، لكنها لم تحقق حتى الآن النتائج المرجوة بسبب عدم اتساعها وغياب التفاهم الكامل مع نوري المالكي.
الفساد.. السلاح الاقتصادي للحكومة
الملف الثاني الذي يبدو أن الحكومة أحرزت فيه تقدمًا يتمثل في مكافحة الفساد.
فهذا المسار يمنح الزيدي هدفين في وقت واحد: تحقيق إصلاح اقتصادي من جهة، وضرب شبكات المصالح التي تربط بعض المتنفذين بأحزاب وفصائل نافذة من جهة أخرى.
وكانت "المدى" قد كشفت سابقًا عن تقديرات تتحدث عن نحو 350 مليار دولار استحوذت عليها مجموعات يطلق عليها "حيتان الفساد"، مع وجود قائمة تضم ما لا يقل عن 50 اسمًا يمتلكون أموالًا ضخمة داخل العراق وخارجه، وعقارات فاخرة، وأصولًا مالية متنوعة.
ولا تتوافر حتى الآن أرقام دقيقة عن الأموال التي استعادت الحكومة السيطرة عليها، رغم الحديث عن مليارات الدنانير جرى استردادها من شخصيات مرتبطة بقطاعات النفط والكهرباء والموانئ.
ويرى وزير الكهرباء الأسبق لؤي الخطيب أن ما يجري يمثل خطوة جريئة تستهدف ملفًا طالما تجنبته القوى السياسية، وهو ملف الإصلاح الاقتصادي.
كما أكد المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي أن رئيس الوزراء ينظر إلى الفساد باعتباره أخطر تهديد يواجه البلاد والنظام السياسي، مشيرًا إلى أن جميع العقود السابقة ستخضع للتدقيق والمراجعة، وأن مشاريع عدة جرى إيقافها رغم حصول بعضها على أكثر من 50 في المائة من التمويل.
وشدد العبودي على أن حملة مكافحة الفساد "لن تتوقف وستطال جميع المتهمين مهما كانت مواقعهم وعناوينهم".
السلاح.. الحلقة الأصعب
في المقابل، يبقى ملف السلاح هو الأكثر تعقيدًا ضمن خطة تقليص النفوذ الإيراني.
فباستثناء "سرايا السلام" التابعة للتيار الصدري، التي سبق أن أعلنت تسليم سلاحها والاندماج طوعًا ضمن هيئة الحشد الشعبي، لم تقدم أي جهة مسلحة خطوات عملية وعلنية في هذا الاتجاه.
ورغم إعلان "عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام علي" الاستعداد للانخراط في الخطة، فإن إجراءات التنفيذ ما زالت محدودة، فيما تواصل فصائل أخرى، يقدر عددها بنحو 10 فصائل، رفضها للمشروع.
وتعتقد الحكومة أن هذا الملف سيقترب من نهايته مع حلول أيلول المقبل، بالتزامن مع موعد انسحاب قوات التحالف الدولي، باعتبار أن مبررات الاحتفاظ بالسلاح ستتراجع بصورة كبيرة، غير أن فصائل مؤثرة، بينها "كتائب حزب الله"، لا تشارك هذا التقدير.
الكابينة الحكومية.. الجبهة الرابعة
لكن ثمة ملفًا رابعًا لا يقل أهمية عن الملفات السابقة، يتمثل في استكمال الكابينة الوزارية.
ويرتبط هذا الملف بصورة مباشرة بمستقبل حضور الفصائل والأحزاب القريبة من إيران في المؤسسات الحكومية.
وتعطل استكمال الكابينة منذ أكثر من شهر بسبب ما تصفه أوساط سياسية بـ"الفيتو الأميركي" على تولي شخصيات مرتبطة بالفصائل حقائب أو مواقع مؤثرة، فضلاً عن ارتباط الملف بصورة وثيقة بمسار حصر السلاح وما يرافقه من تفاهمات وتجاذبات داخلية وخارجية.
وترجح مصادر تحدثت إلى "المدى" أن تعقد جلسة حاسمة في 11 تموز المقبل لاستكمال التشكيلة الحكومية وحسم الوزارات الـ9 الشاغرة، وسط توقعات بإعادة توزيع بعض الحقائب - تقدر بين 3 و4 وزارات - التي كان يفترض أن تذهب إلى قوى مرتبطة بالفصائل على أطراف سياسية أخرى، مع اللجوء إلى صيغ تسوية من بينها "شطر" بعض الوزارات في محاولة لاحتواء الاعتراضات وخلق توازنات جديدة.
وتؤكد المصادر أن رئيس الوزراء علي الزيدي يتولى شخصيًا إدارة هذا الملف، في وقت تتصاعد فيه الخلافات بين ائتلاف دولة القانون وفريق رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني بشأن الحصص والأسماء المرشحة للمناصب المتبقية.
لماذا أعلن الزيدي عزوفه عن الانتخابات؟
وتزداد حساسية هذه الملفات مع اتهامات يواجهها رئيس الوزراء بالانحياز إلى أطراف معينة دون غيرها.
فبعض خصومه يرون أن حملات ملاحقة "حيتان الفساد" تركزت على شخصيات قريبة من حزب "تقدم" بزعامة محمد الحلبوسي المتحالف مع السوداني، كما حدث في ملفات علاء الجبوري وعدنان الجميلي.
ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن ذلك قد يوحي باصطفاف غير معلن إلى جانب خصوم الحلبوسي، وعلى رأسهم نوري المالكي.
ولقطع الطريق أمام هذه الاتهامات، خرج المتحدث باسم الحكومة ليعلن، في خطوة غير مألوفة، أن علي الزيدي لن يخوض الانتخابات المقبلة، ولن يتبنى مشروع تأسيس حزب سياسي.
وجاء الإعلان بعد أقل من 40 يومًا على تسلم الزيدي السلطة، ليصبح أول رئيس حكومة بعد عام 2003 يحسم مبكرًا موقفه من الاستحقاق الانتخابي المقبل، في محاولة لإقناع خصومه بأن قراراته لا تحكمها حسابات إعادة إنتاج السلطة أو البحث عن ولاية جديدة.
كما دافع المتحدث باسم الحكومة عن موجة التغييرات الأخيرة التي طالت مؤسسات أمنية وإدارية حساسة، مؤكدًا أنها لا تندرج في إطار العقوبات أو الإقصاء السياسي، ولا تعكس وجود تقصير من المسؤولين الذين شملتهم الإجراءات، بل تأتي ضمن رؤية حكومية تهدف إلى إعادة بناء المؤسسات وتمكينها ورفع كفاءتها، بما ينسجم مع أولويات المرحلة الجديدة.
الزيدي حرر نفسه من حسابات الانتخابات
ويرى الأكاديمي والباحث السياسي غالب الدعمي أن إعلان الزيدي عدم المشاركة في الانتخابات يحمل رسالة سياسية مهمة.
ويقول لـ"المدى" إن رئيس الوزراء وصل إلى منصبه من دون كتلة سياسية ومن دون أن يخوض الانتخابات، ولذلك فهو يدرك طبيعة اللعبة السياسية جيدًا.
ويضيف أن الزيدي يريد أن يقول للقوى السياسية إنه حرر نفسه من حسابات الانتخابات المقبلة، وإنه يعمل على بناء الدولة ومكافحة الفساد وحصر السلاح، من دون الحاجة إلى إرضاء أي طرف أملاً في الحصول على دعمه مستقبلاً.
ويعتقد الدعمي أن هذه الرسالة كانت منتظرة منذ وقت طويل، لأن أحد أسباب تعثر الحكومات السابقة تمثل في سعي رؤساء الحكومات إلى تجديد ولاياتهم، وهو ما كان يدفعهم إلى الدخول في صراعات وتسويات مستمرة مع القوى السياسية المختلفة