تغيير حجم الخط     

استمعوا إلى قصص نساء غزّة حتى تعرفوا الفظائع التي ترتكبُها إسرائيل

القسم الاخباري

مشاركة » الثلاثاء مايو 26, 2026 8:47 pm

11.jpg
 
الناصرة – «القدس العربي»: عرضت ألفت الكُرد، وهي باحثة ميدانيّة في منظمة بتسيلم – مركز المعلومات الإسرائيليّ لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلّة، شهادة مؤثرة عما واجهته في قطاع غزة المحاصر والمنكوب بالإبادة الإسرائيلية.
وفي شهادتها، التي خصت «بتسليم» «القدس العربي» بالنسخة العربية منها، تنقل ألفت وجع نساء غزة، وعنّ الشريحة الأولى التي تدفع ثمن جرائم الحرب والإبادة الإسرائيلية.
كتبت ألفت:

لقد مررتُ بشهور من القصف قبل أن أتمكّن من الفرار. التفكيك المُمنهج لمنازلنا أضرّ بحياة النساء بكلّ جوانبها وتفاصيلها.
منذ بدء العدوان الإسرائيليّ على قطاع غزّة في تشرين الأوّل 2023، فقدتُ والدي وأخي وزوجته وابنتهما، وجميعهم ما زالوا مدفونين تحت الأنقاض. دُمّر منزلي، حيث كنا نعيش مع عائلة زوجي، جرّاء القصف الإسرائيلي. في العام 2024، وبعد شهور من القصف والنزوح، تمكّنتُ من الفرار مع عائلتي إلى مصر. أنا الآن أقيم في مصر، لكنّ ذكريات الحياة في غزّة لا تبرحُني. ما حدث لي يعكس الواقع الذي لا تزال تواجهه النساء الفلسطينيات في غزة خلال الإبادة الجماعية. ما حدث لي يعكس واقعاً ما زالت تواجهه النساء الفلسطينيّات في قطاع غزّة خلال حرب الإبادة.
نساء كثيرات في قطاع غزّة أصبحن منذ بدء الحرب مُعيلات وحيدات. أعداد لا تُحصى من النساء اقتُلعن من منازلهنّ وأصبحن بلا مأوى أو حماية، والكثير الكثير منهنّ ثكلن أولادهنّ أو حتى أسرتهنّ كلّها. تقرير صدر مؤخّراً عن هيئة الأمم المتحدة يفيد أنّ إسرائيل قتلت في قطاع غزّة خلال هذه الحرب أكثر من 38,000 امرأة وفتاة، وهناك 11,000 أخريات تلقّين إصابات سبّبت لهنّ إعاقات دائمة.

«يا نساءَ العالم قفن معنا وإلى جانبنا!»

قبل اندلاع الحرب كنت أقيم في حيّ الشجاعيّة بمدينة غزّة مع عائلتي المكوّنة من ستّة أفراد. كانت حياتنا تحت وطأة الاحتلال الإسرائيليّ ملؤها العُنف والخوف واللّايقين الدّائم، لكنّنا حتى في خضمّ هذا الواقع أنشأنا لأنفسنا حياة كريمة اتّسمت بالاستمراريّة ولم تخلُ من لحظات فرح. صمودُنا في وجه العُنف المُتمادي أصبح بالنسبة إلينا شكلاً من أشكال المعارضة.
بالنسبة إليّ شخصيّاً، تمثّلت تلك المعارضة في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان في قطاع غزّة في إطار عملي كباحثة ميدانيّة لدى «بتسيلم»، مركز المعلومات الإسرائيليّ لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلّة، وأنا أتحدّث هنا عن انتهاكات جرت بشكل مستمر قبل الإبادة الجماعيّة بزمن طويل. أمّا بالنسبة لنا كأسرَة فقد كانت المعارضة تعني الإصرار على حياة عاديّة بكلّ مظاهرها اليوميّة: التنزّه على شاطئ غزّة، السّفر في العطلة الأسبوعيّة لزيارة والديّ في مخيّم جباليا للّاجئين، زيارة حقول بيت لاهيا وبيت حانون – أمكنة وأزمنة تنبض في داخلي ذاكرة حيّة بعد أن محتها إسرائيل من الوُجود.
نزحت ستّ مرّات قبل فراري القسريّ إلى مصر في نيسان/إبريل 2024. في تشرين الأوّل/أكتوبر 2023 غادرت منزلنا مع أسرتي وأمضينا أيّاماً نتنقّل من مكان إلى مكان وسط قصف عنيف.
في البداية لجأنا إلى مستشفى الشفاء بين أعداد هائلة من الشهداء والجرحى. ثمّ حين أمر الجيش الإسرائيليّ بإخلاء شمال قطاع غزّة نزحنا إلى المغراقة، ومن هناك نزحنا إلى خان يونس وأقمنا في مركز إيواء شديد الاكتظاظ، تابع لوكالة غوث اللّاجئين (الأونروا)، حيث كنّا ننام في خيمة تحت المطر الغزير، ونكافح من أجل الحصول على الماء والطعام والحطب. أصبح الوقوف في طوابير الانتظار الطويلة من أجل دخول المرحاض جزءاً من حياتنا اليوميّة. ثمّ من خان يونس انتقلنا إلى رفح، قبل أن نفرّ في النهاية إلى مصر.
يوم أن تمكنّا أخيرًا من الفرار اجتاحني خليط من مشاعر الفرح والحُزن: فرح لأنّني وعائلتي نجونا من الإبادة، وحزن لأنني لم أتخيّل أنّني سأغادر ذات يوم غزّة في ظروف كهذه، مؤلمة ومدمّرة. نساء قطاع غزّة يناضلن من أجل البقاء. عوضاً عن الأمن هُنّ يعشن في خوف؛ عوضاً عن المساواة والعدالة هُنّ يشهدن امّحاء هويّتهنّ؛ عوضاً عن التفكير في المستقبل تغشاهنّ مشاعر الشكّ الوجوديّ وانعدام اليقين. إنّه واقع تدمّر فيه وبشكل مُمنهج أبسط مقوّمات الحياة وتُسلب فيه الإنسانيّة. هذا هو المنظور الذي يمكن من خلاله فهم ما يحدث في قطاع غزّة: تدمير شامل للمجتمع الفلسطينيّ أكثر من يعاني جرّاءه النساء، وصراع من أجل البقاء أوّل من يخوضه النساء.
استمعت مؤخّراً إلى افادات نساء ما زلن يعشن في قطاع غزّة لأجل إعداد تقرير عن حياة النساء الفلسطينيّات تحت وطأة الإبادة الجماعيّة. ما روته النساء يرسم صورة لمعاناة تتجاوز الاحتياجات المباشرة لتطال أفكارهنّ، أمومتهنّ، خصوبتهنّ، وقدرتهنّ على البقاء. لن أنسى ما حييت قصّة صفاء الفرماوي، التي قُتلت ابنتها غزال (15 عامًا) في مركز لتوزيع المساعدات في رفح. خلال المجاعة، كانت صفاء تذهب يوميّاً مع أطفالها إلى مراكز توزيع الإغاثة هذه على أمل الحصول على طرد مؤن أو طحين، لكنّ الجيش أطلق النار على ابنتها وقتلها أمام عينيها بينما كانت تحاول الحصول على الإغاثة.
الإبادة الجماعيّة التي ترتكبها إسرائيل تعني أيضاً التفكيك المنهجيّ لكلّ نواحي الحياة وتدمير أيّة إمكانيّة لمستقبل فلسطينيّ في قطاع غزّة، وذلك عبرّ تدمير البُنى التحتيّة والرّكائز الاجتماعيّة التي تحتاجها الأجيال القادمة من أجل البقاء والتطوّر. العائلات التي نجت بطريقة ما من العُنف عانت وما زالت تُعاني أشدّ المُعاناة. تُمضي النساء ساعات أمام مواقد النار المفتوحة لأجل إعداد الطعام، يغسلن الملابس يدويّاً، يخرجن للبحث عن الحطب ويُكافحن لأجل إعالة أسرهنّ. وهذا كلّه في واقع انهيار تامّ لمنظومة الرّعاية الصحّية وجهاز التعليم في قطاع غزّة نتيجة للهجمات الإسرائيليّة. أطفال كثيرون توفّوا بسبب سوء التغذية الحادّ. معظم النساء الحوامل لم يستطعن الذهاب للفحوصات الطبّية أو متابعة حملهنّ مع الأطبّاء، وكثيرات منهنّ عانين إضافة إلى ذلك من نقص الغذاء الكافي والفيتامينات الأساسيّة ونتيجة لذلك انتشرت حالات سوء التغذية بين المواليد الجُدد. الكثير من النساء لم يستطعن إرضاع أطفالهنّ نتيجة لسوء التغذية الذي عانينه هنّ أنفسهنّ ممّا اضطرّهنّ للاعتماد على الحليب الاصطناعيّ – الذي كان نادر الوُجود وغير متوفّر في معظم الأحيان.
العيش في الخيام يؤثّر على العلاقات الأسريّة. أسَر بأكملها تسكن في حيّز واحد حيث لا خصوصيّة لأحد. لا تتوفّر في الخيام مرافق صحّية أساسيّة، والحياة اليوميّة عبارة عن كفاح مستمرّ لمواجهة النقص الحادّ في المياه ومُنتجات النظافة الشخصيّة في فترة الحيض. قالت لي أمّ لستّة: «كان الحلّ الوحيد أمامنا أن نستخدم قطع قماش أو ملابس صغيرة نقصّها ونطويها كالفوط الصحّية. وضع صعب ومُقرف جدّاً».
النساء في قطاع غزّة يواجهن ظروف معيشة لاإنسانيّة وهنّ أصلاً يرزحن تحت وطأة ما مررن به من أهوال الحرب. «لقد تدمّرت حياتي وأصبحتْ مأساة مستمرّة. تعبت روحي. قلبي يُؤلمني. أبكي ليلاً ونهاراً على ما جرى لي، على الجحيم الذي أنا فيه. ليته كابوسٌ ينتهي فأستيقظ» – هذا ما قالته لي نبيلة عبد النبي، 50 عاماً، أمّ لستّة، من شمال غرب مدينة غزّة.
لأجل فهم الإبادة الجماعيّة في قطاع غزّة لا بدّ من عرض أوضاع النساء هناك. لا تقتصر الإبادة على قتل النساء، حاملات الجيل الفلسطينيّ القادم، بل هي تعني أيضاً سلب النساء قدرة الحفاظ على الحياة عبر تفكيك مُمنهج لقدرتنا على إطعام أطفالنا ورعايتهم وحمايتهم. ومع ذلك، نساء قطاع غزّة يُواصلن الكفاح بإصرار من أجل حياة طبيعيّة، يخُضن صراعاً لأجل البقاء، ودفاعاً عن إنسانيّتهنّ، أمومتهنّ، أنوثتهنّ وهُويّتهنّ، حتى تحت وطأة استمرار الإبادة الجماعيّة وتدمير المجتمع الفلسطينيّ في قطاع غزّة.
ومع ذلك، تواصل نساء غزة نضالهن من أجل حياة طبيعية. إنهن يناضلن من أجل بقائهن وإنسانيتهن وأنوثتهن وهويتهن، حتى في ظل استمرار الإبادة الجماعية وتدمير المجتمع الغزي.
«يا نساءَ العالم! قفن معنا وإلى جانبنا
. لقد حُرِمنا من كلّ مقوّمات الحياة. فقدنا منازلنا، فقدنا حرّيتنا وفقدنا خصوصيّتنا. حياتنا التي نعرفها انهارت»، هذا النداء أطلقته ألماظة السّلطان، 46 عامًا، وهي أمّ لخمسة أطفال من بيت لاهيا. نعم، لقد آن الأوان للعالم أن يضع حدّاً للإبادة الجماعيّة. لا يمكننا الانتظار أكثر من ذلك.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى الاخبار