تغيير حجم الخط     

واشنطن درست «سيفي الزيدي».. و«كمين الدبلوماسيين» أطـــاح بالســـودانـــي

مشاركة » الأربعاء مايو 06, 2026 11:44 pm

9.jpg
 
بغداد/ تميم الحسن



في 8 من نيسان الماضي انتهت فرصة محمد شياع السوداني في نيل ولاية جديدة؛ على إثر «كمين بغداد» الذي استهدف الدبلوماسيين الأمريكيين اثناء نقل صحفية امريكة كانت مختطفة لدى جماعات مسلحة.
الحادث دفع واشنطن إلى البدء فوراً بغربلة السير الذاتية لمرشحين بدلاء، في حين انهمكت طهران في تلك الساعات العصيبة بإعادة هندسة «التسوية الكبرى» لضمان نفوذها بالعراق.
وتكشف (المدى) جزء آخر من فصول النهاية الصامتة للخلاف بين السوداني ونوري المالكي، وهي النهاية التي أفضت - بشكل لم يستوعبه الشارع السياسي بعد- إلى بزوغ نجم علي الزيدي.
والزيدي، الذي يوصف بـ «الملياردير» والمفتقر للخبرة السياسية العتيقة، يقترب من إعلان كابينته الحكومية الأسبوع المقبل، وسط حقل ألغام قوامه مشاركة الفصائل المسلحة، وهو الأمر الذي تضع عليه واشنطن «فيتو» حاسماً.
يقول النائب السابق مثال الألوسي لـ (المدى) إن الزيدي هو «خيار الضرورة» الأميركي بعد أن تيقن البيت الأبيض أن السوداني لم يكن بعيداً عن أجواء تحركات الفصائل التي استهدفت الموكب الأميركي المتوجه للمطار.
ويضيف الألوسي: «قرار واشنطن كان حاسماً: لا نريد سماع اسم السوداني مجدداً، وهو الموقف ذاته تجاه المالكي». في تلك اللحظة، قُدّم اسم الزيدي لترامب، الذي باركه فوراً لملء الفراغ، بعد أن سقطت أسماء أخرى تم اجراء مقابلات معها بشكل غير مباشر، لعدم امتلاكها «الإرادة» لمواجهة نفوذ الحرس الثوري.
وكانت وزارة الخارجية الأميركية قد كشفت في بيان، في نيسان الماضي، عن تعرض فريق من دبلوماسييها لـ «كمين غادر» في العاصمة بغداد، حمّلت مسؤولية تنفيذه لـ «ميليشيات موالية لإيران».
وفي نبرة تصعيدية طالبت الإدارة الأميركية الحكومة العراقية بضرورة الشروع في «إجراءات فورية وجذرية» لتفكيك الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران، فيما وجّهت انتقادات لاذعة لما اعتبرته «إخفاقاً» حكومياً في كبح جماح تلك الجماعات المنفلتة والعجز عن فرض سلطة القانون.
زيارة قاآني..والتغلغل الهادئ
وفي 27 نيسان الماضي، خرج الإطار التنسيقي في بيان مفاجئ بعد نحو 170 يوماً من التعثر بالمفاوضات الشيعية، ليعلن تقديم علي الزيدي، وهو بدون خبرة سياسية، ويوصف بأنه «ملياردير».
وتتفق بعض الفصائل في ردود خجولة على تكليف الزيدي، بأنه أمريكي، أو جاء بـ»قطار أمريكي» كما يقول عضو حركة النجباء مهدي الكعبي، بأن الزيدي «شخصية فرضتها أمريكا.
المثير للاهتمام كان حالة «الصمت الاستثنائي» التي لزمتها الجماعات المسلحة حيال تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي لم يتردد في دعم الزيدي لتشكيل حكومة وصفها بأنها «خالية من الجماعات الإرهابية». هذا الصمت يقرأه مراقبون بوصفه «هدنة تكتيكية» بانتظار ما ستسفر عنه تفاهمات الكواليس.
لم يكن إعلان «الإطار» عن مرشحه وليد الصدفة، بل جاء عقب زيارة سرية قام بها إسماعيل قاآني، قائد «فيلق القدس»، إلى بغداد. وبحسب مصادر مطلعة، فقد حمل قاآني تحذيرات شديدة اللهجة من «مخاطر حقيقية» قد تمس الامتيازات العسكرية للفصائل، داعياً إلى الانتقال لـ«خطة بديلة» لامتصاص الضغط الأميركي المتزايد.
ويبدو أن التدخل الإيراني نجح في ترميم تصدعات «الإطار التنسيقي» في اللحظات الأخيرة من المهلة الدستورية، ما يعكس تمسك طهران بدور العراق المحوري في استراتيجيتها الإقليمية، رغم الهزات التي تعرض لها النظام الإيراني مؤخراً.
وتكشف المصادر لـ«المدى » أن المشهد الحالي ليس إلا إعادة إحياء لخطة «التسوية الكبرى» التي جرى تداولها مطلع عام 2025. وتعتمد هذه الاستراتيجية على مرحلتين:
الاحتواء: تقليل التوتر مع واشنطن عبر تحجيم دور «الفصائل المتمردة» (مثل كتائب حزب الله والنجباء) مقابل حماية كيان «الحشد الشعبي».
المأسسة: دمج الحشد تدريجياً في المؤسسات الأمنية الرسمية لضمان بقاء نفوذه تحت غطاء الدولة.
هذه المقاربة تعني الانتقال من الحضور العسكري المباشر إلى «التغلغل الهادئ» في مفاصل الدولة والوزارات الخدمية، وتجنب أي استفزاز مباشر لإدارة ترامب، بانتظار تغير الموازين في انتخابات منتصف الولاية الأميركية.
المناورة خلف «رجل الأعمال»
تتزايد التساؤلات حول طبيعة اختيار الزيدي؛ فبينما يصفه نواب في «دولة القانون» بأنه يمتلك «عقلاً اقتصادياً مميزاً» وحضر اجتماعات مكثفة قبل تكليفه، تراه أوساط أخرى خياراً «مؤقتاً» يهدف لامتصاص العاصفة الدولية. ورغم اشتراط واشنطن كابينة «خالية من الإرهاب»، تشير التقديرات إلى أن الحكومة المقبلة قد تكون «الأكثر فصائلية» من حيث التمثيل المبطن، عبر منح وزارات إنتاجية لشخصيات تكنوقراط تمثل واجهات سياسية للفصائل، كجزء من تسوية شاملة لاحتوائها سياسياً.
ومع سعي حركة «صادقون» علنياً للحصول على منصب نائب رئيس الوزراء، يجد الزيدي نفسه أمام الاختبار الأصعب: كيف يوازن بين الشروط الأميركية وحضور الفصائل داخل البرلمان، والتي تتجاوز 80 مقعداً؟
ويرى النائب السابق مثال الألوسي، أن المشهد الحالي في بغداد ليس إلا «إعادة تدوير» لآليات المحاصصة الحزبية والفئوية، مشدداً على أن نجاح الحكومة المرتقبة، أو أي حكومة أخرى، مرهون بوجود رؤية دقيقة وإرادة صلبة لدى رئيسها لمكافحة الفساد، والتصدي للتمدد الإيراني، وفرض سيادة القانون على «السلاح المنفلت».
«وساطة في مهب الريح»
ويصف الألوسي مساعي بعض القوى العراقية للعب دور الوسيط بين طهران وإدارة الرئيس ترامب بأنها «ضرب من الخيال»، مشيراً إلى أن المكالمة التي أجراها رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والتي عرض فيها وساطة بغداد، لا تتماشى مع الواقع.
ويلفت مراقبون إلى أن تأخر طهران في تهنئة الزيدي لأربعة أيام أثار شكوكاً حول مدى الرضا الإيراني عنه.
ويضيف الألوسي: «الولايات المتحدة لا تملك اليوم سفيراً في بغداد، بل تدير بعثتها عبر قائم بالأعمال، ما يعكس انخفاض مستوى الثقة بالقدرة العراقية على أن يكون شريكاً موثوقاً، ناهيك عن دور الوسيط».
ويرى أن الإدارة الأميركية تضع الدولة العراقية تحت «اختبار قاسٍ»، في وقت تبدو فيه طهران في «ورطة كبيرة» أمام إصرار ترامب على تفكيك نفوذها الإقليمي.
«الاختبار الحاسم»
وحول نشاط الفصائل والحرس الثوري، يؤكد الألوسي أن واشنطن ستراقب جدية الحكومة في التعامل مع هذا الملف؛ فإذا عجزت، سيكون «الضوء الأخضر» حاضراً لواشنطن وحلفائها للتصدي المباشر لتلك الميليشيات حمايةً للنظام العراقي واستقرار المنطقة والخليج. ويضيف: «إذا فشل الزيدي كما فشل السوداني، سنكون أمام مواجهة عسكرية مباشرة وضغوط اقتصادية هائلة، وما جوائز الـ10 ملايين دولار المرصودة لرؤوس قادة الفصائل إلا إشارات واضحة بان سيتم معالجة هذه الجماعات في حال شاركت بالسلطة ».
وفي سياق متصل، كشف مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية أن المنشآت الأميركية في العراق تعرضت لأكثر من 600 هجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة خلال فترة التصعيد مع إيران، شملت السفارة في بغداد والقنصلية في أربيل. ودعا المسؤول واشنطن رئيس الوزراء المكلف إلى «أفعال لا أقوال» لكبح جماح الفصائل.
ونقلت شبكة (CNN) عن المسؤول قوله: «هناك خط ضبابي جداً حالياً بين الدولة العراقية وهذه الميليشيات»، مشدداً على أن بناء الثقة يتطلب «إخراج الميليشيات من مؤسسات الدولة، وقطع دعمها من الموازنة، ومنع صرف رواتب عناصرها».
تزامن ذلك مع تجديد السفارة الأميركية في بغداد تحذيراتها من خطط لميليشيات موالية لطهران لشن هجمات إضافية، متهمة جهات مرتبطة بالحكومة بتوفير «غطاء سياسي ومالي» لها. كما رفعت واشنطن درجة التحذير لمواطنيها إلى «الدرجة الرابعة»، داعية إياهم للمغادرة فوراً وعدم السفر إلى العراق نتيجة التهديدات الوشيكة.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى محليات

cron