الناصرة- “القدس العربي”:
ما زالت التقديرات في إسرائيل تطابق الأمنيات بأن تشن الولايات المتحدة الحرب من جديد على إيران، لأن إنهاءها دون تحقيق أي من أهدافها المعلنة يعني خسارة لها على المستوى الاستراتيجي وخسارة خطيرة على المستوى الإسرائيلي الداخلي بالنسبة إلى ائتلافها الحاكم ورئيسه نتنياهو.
تدرك إسرائيل أن نهاية الحرب على هذا النحو ستصب في صالح إيران، معتقدة أنها ستخرج بقوة وثقة بالنفس أكبر مع شهوة انتقام وقدرة على الترميم وتشكيل تهديد أكبر، جوهره سباق أسرع لحيازة سلاح نووي. وتحلم حكومة الاحتلال بالضوء الأخضر الأمريكي بالانتقال من الحصار إلى معاودة الحرب على إيران، لأن ذلك سيطلق يدها في لبنان.
في الجبهة اللبنانية، كما هو الحال مع أمريكا في الجبهة الإيرانية، تواجه إسرائيل حالة إرباك وتهديد لهيبتها وقوة ردعها، ليس فقط بسبب مسيرات قاتلة بدون حلول لها، بل لأن حزب الله يبدو مختلفا هذه المرة عن الحرب السابقة التي انتهت باتفاق أشبه بالاستسلام، في نوفمبر 2024.
جبهة غزة
كما أن حكومة الاحتلال معنية جدا بذلك كي يتاح لها، بالتزامن، شن الحرب مجددا على غزة في ظل رفض حركة حماس إملاءات الولايات المتحدة، وفي ظل تقارير صحافية إسرائيلية بأن حماس نظمت صفوفها من جديد عسكريا.
تدرك إسرائيل أن نهاية الحرب على هذا النحو ستصب في صالح إيران، معتقدة أنها ستخرج بقوة وثقة بالنفس أكبر مع شهوة انتقام وقدرة على الترميم وتشكيل تهديد أكبر
مثل هذه الصورة في وعي الإسرائيليين، بصرف النظر عن مدى دقتها على أرض الواقع، تنال من قوة ردع وهيبة إسرائيل ونتنياهو، “تشرتشل الإسرائيلي” و”سيد الأمن”، بعد فشل في حسم حماس بعد عامين وأربعة شهور رغم اختلال ميزان القوى.
هذه المرة، ونتيجة المأزق في لبنان وإيران، ربما ترى حكومة الاحتلال في جبهة غزة فرصة لترميم صورتها وهيبتها، معتبرة أن هذه الجبهة ربما تكون أسهل هذه المرة مقارنة بجبهتي لبنان وإيران. ولا تقل حسابات الأمن القومي لإسرائيل عن الحسابات الفئوية الخاصة بمستقبل نتنياهو السياسي وبقائه في سدة الحكم وفي ذاكرة الإسرائيليين، خاصة أن الانتخابات العامة والمصيرية باتت على مسافة ستة شهور فقط. ولم يُكشف بعد لماذا تم إلغاء اجتماع الكابينت الإسرائيلي اليوم الأحد المعد للنظر في مسألة غزة، بعد تأجيله من ليلة الخميس.
تقديرات واستعدادات إسرائيلية
يرجح عدد كبير من المراقبين في إسرائيل أن استئناف الحرب في جبهتي إيران ولبنان مسألة وقت، وذلك بالنظر إلى تصريحات ترامب المتشائمة في اليومين الأخيرين، وهو يتحدث عن عدم وجود تقدم وعن “محمد” هناك في إيران، ومراهنا على أن الحصار سيلحق ضررا فادحا بها.
كما يعللون رؤيتهم بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة تدفع بالمزيد من القوات العسكرية للمنطقة، وعلى استعدادات عسكرية ومدنية داخل إسرائيل أيضا، وعلى فهم تبعات حقيقة أن الحرب لم تحقق أهدافها المعلنة، مما ينال من هيبة واشنطن وتل أبيب وهيبة ترامب ونتنياهو.
ويؤكد المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس” عاموس هارئيل أن ترامب ونتنياهو يدركان أن الحرب لم تستكمل، ومن هنا يستنتج أن الحرب ستتجدد. ويستذكر هارئيل تصريح ترامب بأن عرض إيران الأخير لتسوية الأزمة لم يعجبه، وأنه ربما لا يكون هناك اتفاق معها، منوها إلى الرغبة الإسرائيلية الكبيرة في معاودة الحرب، مشيرا إلى ما نقلته وسائل إعلام عبرية في اليومين الأخيرين عن ضباط إسرائيليين كبار قولهم إن إنهاء الحرب دون حل قضية اليورانيوم المخصب، والذي يمكن تخصيبه مستقبلا، سيعني فشلا ذريعا.
ويقول إن ترامب ونتنياهو، اللذين فتحا الحرب على إيران وسط نثر وعود بإسقاط النظام فيها، يدركان هذه الحقيقة، ويضيف: “من العناد الذي تبديه كل الأطراف، بعد أربعة أسابيع بعد القرار الأمريكي بوقف النار، يواصل ترامب بث ثقة بأن الضغط الاقتصادي سيكسر النظام في طهران في النهاية، لكن هذا للأسف يرفض التساوق مع التوقعات”.
وعلى غرار مراقبين كثر آخرين، يرجح هارئيل أنه في ظل عدم التقدم ربما يأمر بشن هجمة جوية، وهذا هو الخيار المفضل بالنسبة إلى نتنياهو. ومع ذلك، يرى هارئيل أن ترامب ما زال يفضل تحاشي خيار حملة برية واسعة، وهو خيار حذر منه الرئيس الروسي بوتين.
انتقام مرضي
وتحذر المعلقة المختصة في شؤون الشرق الأوسط في الصحيفة كاسانيا سابتلوفا من أن إسرائيل وترامب منشغلان بحملة انتقام مرضي، مرجحة أن تنتهي بنتيجة سيئة.
وتتفق كاسانيا سابتلوفا مع هارئيل حول احتمالات الحصار، بقولها إن الحملة العسكرية بكل مستوياتها على إيران ترفض التساوق مع المخطط ومع الجدول الزمني للقائمين عليه في واشنطن وتل أبيب.
يؤكد شيفر أنه دون حل سياسي في كل جبهات الحرب، بما في ذلك الجبهة الفلسطينية، في غزة والضفة الغربية، ستكون نتيجة الحرب “فشلا واحدا كبيرا”
وعن الفجوة بين التوقعات وبين الواقع على الأرض تتابع: “فيما تتصاعد أسعار النفط ومضيق هرمز ما زال مغلقا كشريان مخنوق، لا يبادر البيت الأبيض لرسم مساره من جديد، بل منشغل بحسابات شخصية”.
وتشير إلى تسريب رسالة بريد إلكتروني من البنتاغون تكشف عن عمق الإحباط السائد الآن داخل البيت الأبيض: “استهداف دول أوروبية كإسبانيا التي ترفض الاصطفاف إلى جانب ترامب عندما صفر في صافرة الحرب، والآن يخطط لطردها من حلف الناتو، وهذه خطوة غير مسبوقة قضائيا ومتطرفة سياسيا”.
فشل واحد كبير
من جهته، يبدو المحلل السياسي البارز في صحيفة “يديعوت أحرونوت” شيمعون شيفر أكثر وضوحا، بتأكيده اليوم الأحد أن الرهان على القوة فقط فشل وسيفشل مستقبلا.
ويستذكر هو الآخر ما قاله قائد سلاح الجو الإسرائيلي الجنرال تومر بار، الذي ينهي عمله بعد أيام، في اجتماعات مغلقة: “إن بقاء مسألة اليورانيوم المخصب والنووي في إيران دون حل يعني فشلا واحدا كبيرا للحرب”.
ويشير إلى قول بار إن هناك حاجة لجولة جديدة من القصف الجوي في إيران، للنظام وللحرس الثوري من أجل إقناعهم بالاستجابة لطلبات الولايات المتحدة.
ويؤكد شيفر أنه دون حل سياسي في كل جبهات الحرب، بما في ذلك الجبهة الفلسطينية، في غزة والضفة الغربية حيث يواصل المستوطنون ارتكاب الجرائم دون عائق ورادع، ستكون نتيجة الحرب “فشلا واحدا كبيرا”.