لندن- “القدس العربي”: بعد إعلان القيادة المركزية الأمريكية، الإثنين، بدء محاصرة الموانئ الإيرانية في الخليج العربي، تظل طبيعة هذه العملية غامضة. فهل المقصود فرض حصار مباشر على الموانئ، وهو أمر بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً، أم الاكتفاء باعتراض السفن في عرض البحر، لا سيما في بحر العرب، وهو خيار يبدو أكثر قابلية للتنفيذ.
عمليا، تمكنت السفن الحربية الأمريكية من الاقتراب من مضيق هرمز عقب هدنة وقف إطلاق النار الأسبوع الماضي، حيث تقدمت مدمرتان لتنفيذ مهمة إزالة الألغام، وهي عملية ذات طابع سلمي وليست قتالية.
ومع ذلك، لا يزال الغموض يحيط بموقع هاتين المدمرتين وما إذا كانتا قد عبرتا المضيق أم لا، وفق ما أوردته صحيفة “ذي وار زون” العسكرية الأمريكية، الإثنين.
وخلال فترة الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، لم تتواجد السفن الحربية الأمريكية داخل الخليج العربي، بما في ذلك في نطاق قاعدة الأسطول الخامس في البحرين، كما لم تعبر أي قطعة بحرية أمريكية مضيق هرمز.
تبدو فرضية فرض حصار مباشر على الموانئ الإيرانية شديدة الصعوبة، إن لم تكن مستحيلة. فاقتراب السفن الحربية من هذه الموانئ يضعها ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية
وعليه، تبدو فرضية فرض حصار مباشر على الموانئ الإيرانية شديدة الصعوبة، إن لم تكن مستحيلة. فاقتراب السفن الحربية من هذه الموانئ يضعها ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، ما يجعلها عرضة لهجمات مكثفة.
وفي ما يتعلق بالمدمرات، فإن كل واحدة منها تحمل في أقصاه نحو 500 صاروخ، تتوزع بين دفاعية من طرازات مختلفة مثل “إس إم-2” وهجومية مثل “توماهوك”. وبإمكان إيران استنزاف هذا المخزون عبر هجمات متتالية لساعات، تمزج بين المسيّرات والصواريخ، ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى إنهاك قدرات الدفاع الجوي للسفن.
وعندها، قد تجد كل قطعة بحرية نفسها مكشوفة وأكثر عرضة للاستهداف. أما خيار فرض الحصار باستخدام الغواصات، فيبقى ممكنا نظريا، لكنه بدوره يواجه تحديات كبيرة.
في الوقت ذاته، أبعدت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) خلال الحرب معظم سفنها الحربية إلى مناطق بحرية خارج مدى الصواريخ الإيرانية. ولهذا، لا يزال البنتاغون يحافظ على تمركز قطعه البحرية، مثل حاملة الطائرات “أبراهام لنكولن” وسفينة المارينز “تريبولي”، في جنوب بحر العرب حتى مطلع الأسبوع الجاري، بعيدا عن أي تهديد صاروخي مباشر.
ولا يبدو أن البنتاغون مستعد للمغامرة بتعريض سفينة حربية كبيرة للإصابة، لما قد يترتب على ذلك من تداعيات تمس بهيبة البحرية الأمريكية. ويُستدل على هذا الحذر بما جرى في مايو الماضي، حين وقّع البيت الأبيض اتفاق هدنة مع الحوثيين وسط دهشة واسعة، قبل أن يتبين لاحقا أنهم كانوا على وشك استهداف حاملة الطائرات “ترومان” في أبريل/نيسان 2025.
فإذا كان هذا هو الحال مع تهديدات الحوثيين، فكيف سيكون الوضع في مواجهة صواريخ إيرانية أكثر تطورا، ومع عامل القرب الجغرافي؟
وعليه، يبقى فرض حصار مباشر على الموانئ الإيرانية خيارًا شديد الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا. ويُحيل ذلك إلى سيناريوهات عسكرية جرى الترويج لها سابقًا، مثل تنفيذ عمليات كوماندوز لسرقة اليورانيوم المخصب من داخل إيران، أو إنزال بحري لقوات المارينز لفتح مضيق هرمز، قبل أن يتضح لاحقًا تعذر تنفيذ مثل هذه العمليات بفعل القوة النارية الإيرانية.
عسكريا، يظل الخيار الأكثر واقعية أمام الولايات المتحدة هو اعتراض السفن في أعالي البحار، سواء تلك المتجهة إلى الموانئ الإيرانية محملة بمواد مختلفة، أو الخارجة منها محملة بصادرات الطاقة
وعسكريا، يظل الخيار الأكثر واقعية أمام الولايات المتحدة هو اعتراض السفن في أعالي البحار، سواء تلك المتجهة إلى الموانئ الإيرانية محملة بمواد مختلفة، أو الخارجة منها محملة بصادرات الطاقة.
في المقابل، تُصر واشنطن على إبقاء مضيق هرمز مفتوحا، باعتبار ذلك جزءا مما يمكن وصفه بـ”الشرف العسكري”، إذ التزمت الولايات المتحدة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية بضمان حرية الملاحة في البحار، لا سيما تأمين تدفق النفط. ولهذا الغرض، أنشأت سبعة أساطيل بحرية (أحدها مجمّد حاليا)، لكنها تواجه اليوم أحد أكبر التحديات البحرية منذ عقود، في ظل سعي إيران إلى فرض سيطرتها على المضيق.
كما أن فرض طهران رسوما على السفن العابرة لهرمز يُعد ضربة معنوية قوية لهيبة البحرية الأمريكية، بما يوحي بتراجع قدرتها على ضمان أمن الملاحة الدولية.