قامت الدولة الصهيونية ونمت بمحركات الحرب والقتل والاغتصاب، واعتمدت على الحرب كوسيلة أساسية من وسائل التوسع وزيادة الفائض الاقتصادي. في حرب يونيو سيطرت إسرائيل على مساحة تزيد على ثلاثة أمثال مساحتها قبل الحرب، ما أضاف إليها موارد مصر النفطية في سيناء، ومزايا هضبة الجولان الاستراتيجية في سوريا، ومصادر المياه في الضفة وفي وادي الأردن، والأيدي العاملة الفلسطينية في الضفة وغزة والقدس الشرقية، والسوق الفلسطينية التي أصبحت أكبر أسواق الصادرات الإسرائيلية في العالم. وهي الآن تسعى إلى المزيد من التوسع لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى. الحقيقة المؤكدة هنا هي أن الحرب لا تستنزف موارد إسرائيل وإنما هي غالبا تضيف إليها موارد جديدة مغتصبة. وقد وجدت إسرائيل توسعها وقدرتها على النمو في ضعف العرب، ودعم الحركة الصهيونية العالمية، وتواطؤ القوى الاستعمارية، ما أنتج نموذجا للحرب يضيف موارد جديدة من خلال التوسع، يحقق زيادة في الفائض الاقتصادي للدولة الصهيونية، لأنها لا تنفق من الموارد المغتصبة على تمويل الحرب إلا القليل، في حين توفر الحرب سيلا من تدفقات المال من الخارج، من خلال قنوات التمويل بواسطة الحكومات المتواطئة، وقنوات التمويل من خلال المنظمات الصهيونية في الخارج. الجديد في السنوات الأخيرة هو نشأة قناة جديدة للتمويل تتمثل في صادرات السلاح. في كل الحروب التي خاضتها إسرائيل فإنها قدمت نفسها على أنها الضحية وسط بحر من الأعداء. الحرب الأولى الداخلية غير المعلنة في فلسطين تحت الانتداب البريطاني كانت الشرط الأولي لإقامة الدولة، ثم ابتلاع كل فلسطين التاريخية على مدى العقود التالية. الآن ينتقل هدف الحرب إلى إقامة إسرائيل الكبرى، بما يضيفه ذلك إليها من أسواق وأموال ومهارات بشرية، ما يسهم في مضاعفة الفائض الاقتصادي الذي يتم تعبئته لاحقا لتعزيز مصادر القوة والنفوذ من دون الحاجة إلى شن حروب جديدة، إلا إذا نشأ طارئ يهدد هيمنة إسرائيل المطلقة غير المتنازع عليها، فهي في هذه الحالة تثب بسرعة بالغة لوأد الخطر وهو لا يزال في مهده، هي لا تريد فقط نزع سلاح المنطقة، لتكون هي القوة الوحيدة ذات السلاح القادر على عبور الحدود، وإنما هي تريد نزع القدرة الذاتية على إنتاج السلاح في الدول المجاورة، وهو ما يتحقق عمليا بالعمالة للولايات المتحدة وتوكيلها باستنزاف أموال المنطقة. إن استراتيجية الحرب الإسرائيلية لا تستنزف فائضها الاقتصادي وتتركها فريسة لأعباء الديون، مثلما حدث للدول الأوروبية في الحرب العالمية الثانية، حيث خرجت منها مثقلة بالديون. الحروب الإسرائيلية هي وسيلة للتوسع، سواء بالاحتلال المباشر للأراضي، أو بتمكين النفوذ من دون الحاجة لمجهود الاحتلال.
واستطاعت إسرائيل في حروبها منذ عشرينات القرن الماضي حتى الآن تعويض الخسائر المباشرة للحرب من خلال المساعدات والمنح العسكرية والمالية، بحيث كان الناتج الفعلي بعد الحرب، وخلال سنوات قليلة، هو زيادة الفائض الاقتصادي. ويكفي أن إسرائيل تمكنت في حرب يونيو 1967 من مضاعفة مساحتها أكثر من ثلاث مرات ما كانت عليه، وأن ثمن انسحابها من سيناء بعد حرب اكتوبر1973 كان إخراج مصر من معادلة الحروب اللاحقة، وتمكينها من تقنين احتلالها للضفة الغربية الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان. بل إن تطبيع العلاقات الثنائية مع كل من مصر والأردن، ثم الانتقال إلى التطبيع المتعدد الأطراف مع دول لم تشترك عمليا في حروب سابقة مع إسرائيل على أساس ما سمي «إتفاقيات إبراهيم» لم يكن ليحدث من دون تداعيات الحروب السابقة. واتصالا مع ذلك فإن بدء الزحف العسكري لإقامة إسرائيل الكبرى، بواسطة ما أسمته عملية «وثبة الأسد» ضد إيران في حزيران/يونيو 2025 ثم عملية «زئير الأسد» في شباط/فبراير 2026 التي لا تزال مستمرة بالتحالف المباشر مع الولايات المتحدة لم يكن ليحدث ما لم تحتل إسرائيل كل أراضي فلسطين التاريخية، وتتمكن من فرض نفوذها في الدول المجاورة، ما مهد الطريق أمامها للهجوم على حصن المقاومة الأخير في إيران، وهي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تعتمد على نفسها في إنتاج وتطوير منظومات أسلحتها الدفاعية. أهداف الحرب مع إيران معلنة وصريحة وهي تدمير قدرتها العسكرية واستنزاف الفائض الاقتصادي الذي يمكنها من الصمود والرأي وإجبارها على التسليم أو تدبير انقلاب داخلي لا ينتهي بمجرد إسقاط النظام، وإنما يضع الأرضية المناسبة لإقامة نظام عميل في طهران يفسح المجال لجعلها منطقة نفوذ إسرائيلي.
تلازمت الطبيعة العسكرية مع نشأة الدولة الصهيونية، واستطاعت بمعونة دول كبرى مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة تطوير قاعدة صناعات عسكرية قوية ومتنوعة. وبعد حرب أكتوبر 1973 عززت إسرائيل مكانتها كمُصَدّر رئيسي للأسلحة على مستوى العالم، حتى احتلت المرتبة السابعة بين أكبر موردي الأسلحة في العالم خلال الفترة 2021-2025، مسجلةً زيادة في صادراتها بنسبة 56 في المئة مقارنةً بالسنوات الخمس السابقة. ومع أن التعاون العسكري والأمني مع بعض الدول العربية كان سابقا لاتفاقيات التطبيع فإن هذا التعاون انتقل إلى مرحلة جديدة نوعيا بعد اتفاقيات إبراهيم التي يسّرَها الرئيس الأمريكي ترامب عام 2020. وأصبحت هذه الاتفاقيات أساسا لتعاون عسكري وأمني واسع النطاق مع دول عربية منها السعودية (برغم عدم انضمامها إليها) والإمارات والمغرب والبحرين. وعلى الرغم من حرب الإبادة ضد الفلسطينيين في غزة والاعتداءات الإسرائيلية على سوريا ولبنان واليمن والعراق، فإن صفقات الأسلحة الإسرائيلية – العربية لم تتوقف. ومن المفارقات المؤسفة أن أحد محركات استيراد الدول العربية للاسلحة الإسرائيلية يتمثل في أن تلك الأسلحة تم تجربتها في حرب غزة والحروب الأخرى وأثبتت فاعليتها، بما في ذلك الطائرات المسيرة وأجهزة التتبع والرصد التي قتلت وأصابت أكثر من 10 في المئة من أهل غزة. وتشمل مجالات التعاون العسكري والأمني تقنيات المراقبة، وأنظمة الأسلحة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومشاريع مشتركة مع شركات إماراتية ومغربية.
وقد سجلت صادرات السلاح الإسرائيلية في عام 2024 رقما قياسا وصل إلى حوالي 14.8 مليار دولار. ومن المتوقع أن تكون قد حققت في العام الماضي رقما يزيد أو يعادل الرقم القياسي المشار إليه، طبقا لمنصة بيانات صادرات الأسلحة والأمن الإسرائيلية «DIMSE»، خصوصا وأن إسرائيل وقعت مع دولة أوروبية واحدة هي ألمانيا اتفاقيات شراء لأنظمة أسلحة إسرائيلية بقيمة 7 مليارات يورو أهمها صفقة تصدير صواريخ آرو- 3. وتضمنت القيمة المعلنة للصادرات العسكرية ما لا يقل عن 1.8 مليار دولار إلى ثلاث دول عربية هي الإمارات والمغرب والبحرين، استحوذت الإمارات والمغرب على حوالي 90 في المئة منها، بينما كان نصيب البحرين في حدود 10 في المئة. وهذا يعني أن الدول العربية تستحوذ رسميا على ما يعادل 12 في المئة من صادرات السلاح الإسرائيلية للعالم كله، وأن تدفقات تمويل الواردات العسكرية العربية من إسرائيل تسهم بدولار من كل ثمانية دولارات تتلقاها إسرائيل، وذلك على الرغم من حداثتها. وكانت تجارة السلاح الرسمية في العام الأول لاتفاقيات إبراهيم 2021، قد وصلت إلى حوالي 800 مليون دولار، وهو ما يعادل 7 في المئة من صادرات إسرائيل العسكرية في ذلك العام. وفي العام التالي قفز الرقم إلى قيمة قياسية مسجلا 3 مليارات دولار، تعادل ما يقرب من رُبع قيمة صادرات إسرائيل العسكرية للعالم كله 24 في المئة، مع حصول الإمارات والمغرب على النسبة الأعظم منها. وتعتبر الإمارات أكبر شريك تجاري عربي لإسرائيل، في حين يمثل المغرب شريكا صناعيا، حيث يتم توطين إنتاج بعض الأسلحة الإسرائيلية مثل الطائرات القتالية المسيرة المزودة بأنظمة للذكاء الاصطناعي. وتتوزع حصة الدول العربية المستوردة الرئيسية للسلاح الإسرائيلي في السنوات الثلاث حتى 2024 ما يتراوح بين مليار إلى 1.2 مليار دولار للإمارات سنويا، المغرب ما يصل إلى 600 مليون دولار، والبحرين حوالي 100 مليون دولار سنويا في المتوسط. وعلى الرغم من الانتقادات العلنية بشأن حرب الإبادة في غزة، وخطط الضم التي تجري عمليا على الأرض في الضفة الغربية وغزة، والاعتداءات المستمرة على سوريا ولبنان، وخطط توسيع نطاق الحدود الإسرائيلية بحجة إقامة مناطق أمنية عازلة، واصلت دول مثل البحرين والمغرب والسعودية تعاونها مع إسرائيل، حيث ينظر بعض المسؤولين هناك إلى إسرائيل كشريك أمني رئيسي وليس كتهديد استراتيجي. وتنظر السعودية والإمارات إلى إيران على أنها العدو الرئيسي منذ قيام الثورة بقيادة الخميني، في حين تعتبر إسرائيل حليفا رئيسيا لها في المنطقة.
دور السلاح والطاقة
في زيادة الصادرات
في حين أن قيمة الصادرات العسكرية الإسرائيلية إلى الدول العربية بلغت حوالي 1.8 مليار دولار أمريكي في عام 2024، فإن قيمة إجمالي الصادرات السلعية المدنية باستثناء الطاقة وصلت في العام نفسه إلى ما يقرب من 700 مليون دولار فقط، ما يعادل حوالي 39 في المئة فقط من قيمة الصادرات العسكرية، التي تزيد عن ضعف قيمة إجمالي الصادرات السلعية المدنية باستثناء الطاقة. وتستحوذ دولة واحدة هي الإمارات على أكثر من 71 في المئة من تلك الصادرات. وبلغ حجم التجارة المدنية في الاتجاهين بين البلدين حوالي 1.43 مليار دولار، مدعومة بقوة تجارة الترانزيت وتجارة المجوهرات. وإذا أخذنا في الاعتبار الهيكل السلعي للتجارة الرسمية المتبادلة بين إسرائيل ودول التطبيع الثنائي مصر والأردن، وتلك مع دول التطبيع المتعدد الأطراف الإمارات والبحرين والمغرب، سنجد أن صادرات الطاقة الإسرائيلية الغاز حوالي 4 مليارات دولار تهيمن على التجارة بين إسرائيل ومصر والأردن، في حين تهيمن الصادرات العسكرية 1.8 مليار دولار، على التجارة مع دول اتفاقيات إبراهيم، وهو ما يعكس خللا هيكليا في المبادلات التجارية في غير صالح الدول العربية. ويعكس هذا الخلل حقيقة أن المحرك الأساسي للتجارة المشتركة ليس محركا اقتصاديا، وإنما هو محرك عسكري بالأساس، حيث تتمتع إسرائيل بمزايا هائلة وتحصد من وراء صادراتها العسكرية أرباحا طائلة. يضاف إلى ذلك ما تحصده إسرائيل تجاريا من السيطرة على منافذ التجارة والنقل في الضفة وغزة ما يتراوح بين 4 إلى 6 مليارات دولار. في المقابل تبلغ قيمة الصادرات الإسرائيلية ذات الاستخدامات المدنية إلى دول العالم ما يتراوح بين 70 إلى 75 مليار دولار، في حين تبلغ قيمة الواردات المناظرة ما يتراوح بين 95 إلى 100 مليار دولار. هذا يعني أن الميزان التجاري مع العالم باستثناء صادرات السلاح يتراوح بين 20 إلى 25 مليار دولار. ونظرا لأن قيمة الصادرات العسكرية الإسرائيلية تصل إلى 15 مليار دولار تقريبا، فإن صافي العجز التجاري الكلي مع العالم يتراوح بين 5 إلى 10 مليارات دولار. ولا تتحمل إسرائيل غالبا تكلفة واردات السلاح حيث أن الولايات المتحدة وحدها تغطي ما يقرب من 70 في المئة من احتياجات السلاح، ويتم تمويلها على الأرجح بواسطة برنامج المساعدات الأمريكية، كما تتمتع إسرائيل بمزايا اتفاقات دفاعية وتكنولوجية مع دول الاتحاد الأوروبي تتضمن مشاركة أوروبا في تمويل برامج التسلح الإسرائيلي. وعلى ذلك فإن العجز في الميزان التجاري الإسرائيلي السلعي يتلاشى تماما تقريبا عندما نقابله بالفائض الذي يتحقق من تجارة الغاز والسلاح. وبإضافة قيمة صادرات الغاز إلى كل من مصر والأردن، حوالي 4 مليارات دولار، وواردات السلاح العربية المعلنة فقط، حوالي 1.8 مليار دولار عام 2024، وصافي التجارة مع السلطة الوطنية الفلسطينية ما يتراوح بين 4 – 6 مليارات دولار، فإن قيمة الفائض التجاري الإسرائيلي مع الدول العربية ترتفع إلى ما يتجاوز 10 مليارات دولار، ما يغطي كل قيمة صافي العجز التجاري الإسرائيلي مع العالم 5 – 10 مليارات دولار بعد إضافة قيمة الصادرات العسكرية. وإذا علمنا أن قيمة الصفقات العسكرية والأمنية الإسرائيلية غير المعلنة مع الدول العربية، خصوصا في مجالات الأمن السيبراني والتجسس والدفاع الجوي الصاروخي، خصوصا مع السعودية، تصل هي الأخرى إلى مليارات الدولارات سنويا، ندرك خطورة الدور الذي تلعبه تجارة السلاح الإسرائيلية مع الدول العربية، من حيث المساهمة في تكوين فائض اقتصادي يستخدم في تمويل الحروب العدوانية على شعوب المنطقة. الحرب في الاستراتيجية الصهيونية هي مشروع اقتصادي للربح والتوسع، بعد وظيفة القتل.