المدى/ محمد العبيدي
شهدت أسعار الأسلحة الخفيفة في العراق، ولا سيما في السوق السوداء، ارتفاعاً ملحوظاً خلال الأيام الأخيرة، بالتزامن مع اتساع رقعة المواجهة العسكرية في المنطقة، في تطور انعكس بشكل مباشر على سلوك المواطنين، وزاد من الإقبال على اقتناء السلاح الشخصي في عدد من المحافظات.
ويأتي هذا الارتفاع في ظل أجواء أمنية ضبابية، ومخاوف متزايدة من امتداد تداعيات الحرب إلى الداخل العراقي، خاصة مع تكرار الهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ في مناطق متفرقة، ما دفع شريحة من المواطنين إلى البحث عن وسائل حماية ذاتية، في وقت تعاني فيه الأسواق من ضعف الرقابة على تجارة السلاح غير المرخص.
وبحسب متابعات ميدانية، فقد ارتفعت أسعار بعض أنواع المسدسات والبنادق بنسبة ملحوظة خلال فترة قصيرة، فيما اختفت أنواع معينة من الأسواق بسبب زيادة الطلب عليها، وسط حديث عن نشاط متزايد لتجار السلاح في السوق السوداء.
قفزة في الأسعار
بدوره قال نهاد الطائي، وهو صاحب متجر مرخص لبيع الأسلحة، إن "سعر بندقية الكلاشينكوف كان يبدأ سابقاً من نحو 600 ألف دينار لبعض الأنواع، لكنه اليوم بات من الصعب العثور عليها بهذا السعر، إذ ارتفع إلى نحو 750 ألف دينار، وقد يتجاوز ذلك بحسب النوع والحالة".
ويضيف الطائي لـ(المدى) أن "أسعار المسدسات شهدت أيضاً ارتفاعاً واضحاً، فبعد أن كانت تباع بنحو 1400 دولار، وصلت اليوم إلى حدود 1550 دولاراً، تبعاً للنوع والجودة والحالة"، مشيراً إلى أن "أسعار بندقية M4 الأميركية بين 7 آلاف و9 آلاف دولار في بعض المناطق، بينما يبلغ سعر طلقة المسدس الاعتيادي نحو 2000 دينار، وقد يرتفع إلى 2500 دينار في ظل زيادة الطلب".
وتزامناً مع ذلك، برزت دعوات عشائرية تدعو إلى التمسك بالسلاح وعدم التفريط به، إذ دعت عشائر آل عمر في محافظة ذي قار أبناءها والعشائر العراقية إلى عدم بيع أسلحتهم الشخصية، معتبرة أن السلاح يمثل وسيلة للدفاع والحماية في ظل الظروف الراهنة.
وجاءت هذه الدعوات بالتزامن مع تداول مقطع فيديو لمحافظ واسط السابق محمد المياحي، دعا فيه العراقيين إلى الاحتفاظ بأسلحتهم الشخصية وعدم بيعها، في مؤشر يعكس تنامي القلق الشعبي من احتمالات تدهور الوضع الأمني.
وتؤشر تلك المعطيات إلى أن السوق السوداء للسلاح باتت أكثر تنظيماً ومرونة في التعامل، مستفيدة من الظروف الأمنية والاقتصادية، وهو ما يثير مخاوف من توسع هذه الظاهرة وصعوبة السيطرة عليها مستقبلاً.
في المقابل، يرى مختصون أن انتشار الأسلحة بين المدنيين قد يهدد الاستقرار الداخلي، خصوصاً في ظل وجود نزاعات عشائرية وسلاح منفلت في بعض المناطق، ما يستدعي تحركاً حكومياً لضبط الأسواق وتشديد الرقابة على تداول السلاح.
وفي هذا السياق، قال الخبير الأمني علاء النشوع إن "تصاعد التوترات الإقليمية ينعكس بشكل مباشر على السوق العراقية، خصوصاً فيما يتعلق بتجارة السلاح، حيث يلجأ المواطن إلى شراء السلاح بدافع القلق والخوف من الانفلات الأمني".
وأضاف النشوع لـ(المدى) أن "غياب الضبط الكامل لحركة السلاح غير المرخص، إلى جانب انتشار شبكات البيع غير القانونية، يساهم في رفع الأسعار وخلق سوق موازية خارجة عن سيطرة الدولة"، محذراً من أن "استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى تفاقم حالة الفوضى وارتفاع معدلات العنف المجتمعي".
تحذيرات اجتماعية
وتتصاعد التحذيرات الاجتماعية من تداعيات هذا المسار، وانتشار الأسلحة بين المدنيين، في ظل مخاوف من تحوّل حالة القلق الأمني إلى موجة تسلح واسعة قد تنعكس سلباً على الاستقرار المجتمعي.
بدورها قالت الباحثة الاجتماعية منى العامري إن "تصاعد التوترات الإقليمية لا ينعكس فقط على الجانب الأمني، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية، حيث يدفع الشعور بالخوف والقلق شريحة من المواطنين إلى التسلح كوسيلة للحماية".
وأضافت لـ(المدى) أن "انتشار السلاح داخل المجتمع، حتى وإن كان بدوافع دفاعية، قد يؤدي إلى تطبيع العنف في الحياة اليومية، ويزيد من احتمالات استخدامه في النزاعات الأسرية أو العشائرية".
وأشارت إلى أن "المرحلة الحالية تتطلب وعياً مجتمعياً موازياً للجهد الأمني، مع ضرورة تحرك الجهات المعنية لضبط هذه الظاهرة والحد من آثارها، لأن استمرارها قد يهدد السلم الأهلي ويخلق بيئة غير مستقرة على المدى البعيد".