الوثيقة | مشاهدة الموضوع - النزوح الكبير والأخطر في لبنان: 822 ألفاً هجروا بيوتهم وقراهم وتفعيل لخطة الطوارئ
تغيير حجم الخط     

النزوح الكبير والأخطر في لبنان: 822 ألفاً هجروا بيوتهم وقراهم وتفعيل لخطة الطوارئ

مشاركة » الأحد مارس 15, 2026 5:46 pm

5.jpg
 
بيروت ـ «القدس العربي»:يشهد لبنان في أقل من سنتين واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي، مع تصاعد العمليات العسكرية والغارات التي طالت جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في البقاع. ومع توسع القصف والإنذارات بالإخلاء، اضطرت مئات آلاف العائلات إلى مغادرة منازلها بحثاً عن الأمان في مناطق أخرى داخل البلاد. وتحوّل النزوح خلال أيام قليلة إلى أزمة إنسانية وطنية تتطلب استجابة حكومية وإغاثية واسعة.
822 ألفا هو عدد النازحين من العديد من قرى جنوب لبنان والضاحية والبقاع الذين حزموا حقائبهم بعيون دامعة وقلوب يعصرها الألم، تاركين خلفهم أراضيهم وبيوتهم، ووجدوا أنفسهم من دون مأوى ولا سقف يأويهم في أكبر مأساة إنسانية يشهدها لبنان.

وطأة النزوح الكارثية

مضت أيام على مأساة النزوح التي يعيشها الجنوبيون منذ منتصف ليل الأحد الاثنين في الاول من شهر آذار/مارس الجاري، بعدما أطلق «حزب الله» قبل موعد السحور ستة صواريخ باتجاه فلسطين المحتلة من دون سابق إنذار، على الرغم من حصول الدولة على تطمينات بعدم انخراط «الحزب» في الحرب المندلعة بين أمريكا وإسرائيل وإيران، لتتوسع بعدها موجة النزوح من الجنوب إلى الضاحية والبقاع على وقع التحذيرات بالإخلاء التي يطلقها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي بوجوب إخلاء القرى والبلدات والنزوح إلى مناطق شمال نهر الليطاني.
الرحلة من الجنوب للنازحين، الذين حزموا ما تيسر لهم من أغراض في حقائب وأكياس وغادروا مناطقهم منذ ساعات الفجر الأولى إما بالسيارات أو سيراً على الأقدام باتجاه الشمال وجبل لبنان والعاصمة بيروت وبعض قرى أقضية زحلة، كانت مرهقة وطويلة امتدت لما يقارب 16 ساعة بحثا عن الأمان وسط ظروف صعبة للغاية، وقد وجدوا أنفسهم أمام جلجلة النزوح المحفوفة بالمخاطر والخوف والقلق على مصيرهم ومصير أبنائهم وعلى قراهم التي لا يعرفون ما إذا كانوا سيعودون إليها في القريب العاجل.

افترشوا الطرقات بلا سقف يأويهم

ونظراً لتدفق النازحين الهائل من الجنوب والضاحية خلال أيام والذي بلغ مئات الآلاف من الأشخاص، تحولت الطرقات أشبه بمواقف مزدحمة ومقطوعة أحياناً، وتحولت حياة هذه العائلات نحو المجهول واضطرت للمبيت في السيارات أو افتراش الطرقات على الرملة البيضاء التي طالتها الغارات أيضاً أو البحث عن مأوى آمن وعن الحد الأدنى من الاستقرار وسط موجات رفض من استقبالهم واحتضانهم في عدد من المناطق الآمنة خشية وجود عناصر ملاحَقة من «حزب الله» متغلغلة مع النازحين تعرّضهم للقصف الإسرائيلي كما حصل في عرمون وعائشة بكار والروشة والحازمية.
فقد اتخذت بلديات كثيرة إجراءات دعت فيها جميع مالكي العقارات إلى إبلاغها مسبقًا عن أي حالة إسكان أو استضافة أو تأجير لأي نازح قبل إشغال المأجور، على أنْ يتضمن العنوان التفصيلي مكان الإقامة، عدد القاطنين وأسماءهم الكاملة، فضلاً عن صور المستندات التعريفية المتوافرة، مع التنبيه إلى أن أي مخالفة ستُعرّض صاحب العلاقة للمساءلة القانونية وذلك لخطورة الوضع في حال تخلل استقبال النازحين عشوائية تُشبه ما حدث في حرب الإسناد عام 2024، مما يُعرّض البلدات لاعتداءات إسرائيلية محتملة.

موجات نزوح واسعة

وفي أحدث حصيلة رسمية لاعداد النازحين، فالأرقام بلغت 822 الف نازح أغلبهم من سكان الضاحية الجنوبية لبيروت وأكثر من 53 قرية وبلدة جنوبية مكتظة بالسكان، وهذه الحصيلة هي الأكبر التي تسجل لأعداد النازحين منذ سنوات، وهي تتغيّر وتتزايد يومياً في ظل استمرار تدفق النازحين بفعل الاعتداءات الإسرائيلية والإنذارات بوجوب الإخلاء والنزوح من القرى الجنوبية المتضررة والضاحية والبقاع، ما يفاقم أحوال النازحين الذين كان عددهم منذ نحو أسبوع 500 ألف نازح.
وأكثر وجوه المعاناة مرارة تلك التي سجلها النازحون في الأيام الأولى لجهة التشرد في الشارع، والصعوبة في الحصول على الطعام والماء، وعدم إيجاد مأوى، والبرد القارس. وروت إحدى النازحات معاناتها بعد أن باتت ليلتها في السيارة بالقول إن أصعب شيء في هذه الحياة هو أن يترك الشخص بيته ويبيت في العراء لعدم وجود سقف يأويه، ولا يعرف ما هو مصير بيته الذي هجره هل لا يزال قائماً وصالحاً للسكن أم مهدماً، هل بالامكان العودة إلى قرانا ومنازلنا أم لا؟

تفعيل خطة الطوارئ الوطنية

وأمام هذه الكارثة الإنسانية الوطنية التي تفوق قدرات الحكومة اللبنانية، التي تعاني أصلاً من أوضاع مالية واقتصادية ضاغطة، وجدت الحكومة نفسها وحيدة بلا دعم خارجي عربي في مواجهة حركة النزوح الكثيفة عبر وضع خطة طوارئ عاجلة لمساندة النازحين وتخفيف قدر الامكان من معاناتهم وتلبية ما تيسّر من احتياجاتهم الضرورية من حليب للأطفال وحصص غذائية وأدوية وماء وبطانيات وسواها من اللوازم والاحتياجات التي تحفظ لهؤلاء النازحين كرامتهم وتوفر لهم الحد الأدنى من مقومات العيش الأساسية.
واستندت هذه الخطة إلى إجراءات عاجلة منها فتح المدارس الرسمية والجامعات والمدينة الرياضية كمراكز إيواء وتوفير الطبابة وتأمين الاغاثة والمساعدات لمن لا يملكون القدرة على استئجار المنازل.
وعلى صعيد الإغاثة، دعا رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى تسريع الاستجابة لاحتياجات النازحين، محذراً من التعرض لهم أو استغلالهم لأنهم «ضحايا سياسات ليسوا من صُناعها»، ووصف هذه المرحلة بأنها «لحظة صعبة يعيشها بلدنا بعد اضطرار عشرات الآلاف إلى هجر منازلهم وبلداتهم».

منصة إلكترونية

ومن بين الإجراءات والخطوات الطارئة التي اتخذتها وزارة الشؤون الاجتماعية لمواكبة أزمة النزوح الداخلي، أطلقت الوزارة بالتعاون مع الصليب الأحمر اللبناني ووحدة إدارة مخاطر الكوارث، رابط تسجيل ذاتي للنازحين لتسجيل وضعهم لدى الحكومة اللبنانية وهو www.mosa-relief.com ويمكّن هذا التسجيل الحكومة على فهم من هم الأشخاص الذين نزحوا، وأين يتواجدون، وكيف يمكن تقديم المساعدة لهم بأفضل طريقة ممكنة، وطلبت من جميع الأشخاص النازحين داخل لبنان التسجيل وتزويدها بمعلومات أساسية عنهم وعن أفراد عائلتهم المتأثرين بالوضع، وأوضحت أن التسجيل عبر هذا الرابط قد لا يؤدي إلى الحصول على مساعدة فورية ولكنه سيساعد الحكومة على التخطيط لاستجابتها.
ووفقاً لوحدة «إدارة مخاطر الكوارث» فقد تسجل 816 ألف شخص لغاية 12 الجاري على منصة الحكومة الإلكترونية للنازحين بزيادة تجاوزت 150 ألف شخص.

126 الفاً في مراكز الإيواء

أما مراكز الإيواء فبلغ عددها نحو 590 مركزاً رسمياً من مدارس رسمية ومعاهد وفروع الجامعة اللبنانية وقاعات بلدية، كما فُتحت المدينة الرياضية التي جُهّزت لاحتضان النازحين، وتم ربط مئات مراكز الإيواء بمراكز الرعاية الصحية الأولية لتقديم العلاج والخدمات الطبية.
وتضم هذه المراكز أكثر من 126 ألف نازح من الجنوب والضاحية والبقاع حسب التقرير اليومي الصادر عن وحدة ادارة الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء التي أفادت أن العدد الإجمالي للنازحين المسجلين ذاتياً في مراكز الإيواء بلغ 759300 والعدد الإجمالي للعائلات النازحة 31500»، أما النازحون الاخرون فمقيمون إما في منازل مستأجرة أم عند أقاربهم وأصدقائهم أم في الفنادق.
ويضم جبل لبنان العدد الأكبر من هذه المراكز التي يبلغ عددها 126 وفي العاصمة بيروت 58 مركزاً وفي عكار 8 مراكز، وفي البقاع 33 مركزاً، وفي بعلبك الهرمل11 والجنوب 56.
وفي العاصمة بيروت، اتخذت البلدية منذ اليوم الأول سلسلة إجراءات لدعم النازحين شملت تأمين مراكز إيواء منظمة وتأمين المستلزمات الأساسية وتوفير مواقف سيارات مجانية وحصر عقارات البلدية لاستخدامها عند الحاجة كمراكز إيواء، ورفع جهوزية فوجي الحرس والإطفاء، وإبقاء جلسات البلدية مفتوحة لمواكبة الأزمة واتخاذ القرارات اللازمة كما أعلن رئيس بلدية بيروت الذي واجه انتقادات حول إدارة الأزمة، وسجل امتعاض عدد من أهالي بيروت بعد إصرار بعض النازحين على تثبيت خيم على رصيف الكورنيش البحري الممتد من عين المريسة إلى الرملة البيضاء على الرغم من قرار محافظ بيروت القاضي مروان عبود بمنع إقامة أي خيم أو إنشاءات على كورنيش الواجهة البحرية.
وأمام ذلك، تحرّك الحرس البلدي سريعاً تفادياً لأي إشكالات، وأجريت اتصالات لمعالجة الأمر ومنع أي مظاهر للخيم أو إقامة جدران حجرية لتحويلها إلى غرف، وعليه اتخذ قرار بتجهيز المدينة الرياضية لاستقبال النازحين.
وفي مدينة صيدا بلغ ​عدد المراكز 24 مركزاً للإيواء و​عدد النازحين 12.148 نازح ​فائض القدرة الاستيعابية بحسب غرفة «إدارة مخاطر الكوارث والأزمات» في البلدية سجلت المراكز فائضاً بنسبة 25.91 في المئة.

قرى وبلدات حدودية رفضت النزوح

على الخط الحدودي، آثرت قرى حاصبيا وعلما الشعب ومروحين وعين ابل والقليعة ورميش ودبل عدم المغادرة وترك بيوتهم على الرغم من التصعيد الامني، وإفتتح في حاصبيا ستة مراكز إيواء بلغ عدد المقيمين فيها أكثر من 600 نازح من بلدات بلاط، دبين، ميس الجبل، وكفركلا.
وأصر أهالي بلدة علما الشعب الحدودية على البقاء والصمود في بلدتهم وعدم إخلاء منازلهم، على الرغم من التهديدات الإسرائيلية، وبعدما علموا بتقدم دبابات اسرائيلية إلى خراج البلدة تجمعوا في ساحة كنيسة السيدة في وسط البلدة بحضور رئيس البلدية شادي صيّاح وكاهن البلدة الأب مارون غفري وقرعوا أجراس الكنيسة تعبيراً عن تمسكهم بأرضهم ورفضهم النزوح عنها وطلبوا مؤازرة الجيش اللبناني للتصدي لدخول أي عناصر حزبية من حزب الله تود أن تستخدم البلدة لاطلاق الصواريخ.
ولكن مع ازدياد المخاطر والانذارات لرئيس بلدية علما الشعب بوجوب إخلاء البلدة والنزوح إلى أماكن آمنة، رضخ أهالي البلدة وحزموا امتعتهم وحقائبهم وغادروا بمؤازرة من قوات «اليونيفيل».

مساعدات طارئة

وللتخفيف من وطأة النازحين، تم توزيع 100 ألف وجبة ساخنة يومياً في مراكز الإيواء، كما تم بدعم من «اليونيسف» و«منظمة العمل الدولية» صرف مساعدة مالية لمرة واحدة بقيمة 100 دولار أمريكي لصالح 6000 أسرة لديها أطفال من ذوي الإعاقة تتراوح أعمارهم بين 0 و19 عاماً من المناطق المعرضة للقصف، وسيصار إلى زيادة عدد الأسر المستفيدة تدريجياً، وفق تطورات الوضع وتوفر التمويل كما تم تقديم الدفعات المقررة لجميع المستفيدين الأساسيين من البرنامج، وعددهم نحو 34 ألف مستفيد بهدف مساعدة الأسر على تغطية الأعباء الإضافية خلال الأزمة.
وبعد أكثر من أسبوع على موجة النزوح المستمرة وسط التصعيد الإسرائيلي، حطت في مطار رفيق الحريري الدولي في العاشر من الجاري أول طائرة مساعدات ضمن الجسر الجوي الإنساني المخصص لوزارة الشؤون الاجتماعية، بدعم من الاتحاد الأوروبي عبر «اليونيسف»، وضمت 45 طناً من الإمدادات الطارئة لمساندة 400 ألف شخص من المتضررين من النزوح، وشملت الشحنة مستلزمات أساسية للأطفال والعائلات النازحة، ومنها مواد إسعافات أولية، بطانيات، ملابس شتوية، حصائر بلاستيكية، خزانات مياه، مجموعات دعم للمراهقين، مجموعات تنمية الطفولة المبكرة، مجموعات للأنشطة الترفيهية، وغيرها من مستلزمات الطوارئ سيتم توزيعها عبر مراكز الإيواء لضمان وصول الدعم إلى الأكثر حاجة، ولا سيما الأطفال الذين يتحملون العبء الأكبر في هذه الأزمة. كما وصلت مساعدات من المملكة الاردنية الهاشمية عبر معبر المصنع الحدودي مع سوريا، ضمت قافلة مساعدات إغاثية، وكان في استقبالها الامين العام للهيئة العليا للاغاثة العميد بسام النابلسي.
بدورها، وضعت رابطة كاريتاس لبنان وهي جهاز الكنيسة الاجتماعي إمكاناتها وخبراتها مع المجتمع المدني والمنظمات الإنسانية لدعم العائلات المتضررة ومساندة الفئات الأكثر ضعفاً. وعقدت في مقرها لقاءً جمع رؤساء وممثلي الجمعيات والمؤسسات الكاثوليكية الشريكة، بهدف الاطلاع على الجهود الإنسانية التي تقوم بها الرابطة، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الكاثوليكية للعمل على إنشاء إطار تنسيقي موحد يساهم في مساعدة العائلات النازحة ومساندة القرى والبلدات الجنوبية المتضررة، في ظل الظروف الاستثنائية الراهنة التي تستدعي جهوزية كاملة وتعاوناً وثيقاً بين مختلف الجهات المعنية.
وشارك في اللقاء وزير الإعلام بول مرقص، وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد والمشرف على أعمال الرابطة المطران بولس عبد الساتر والمطران جول بطرس ورئيس الرابطة الأب سمير غاوي والأمين العام لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك الأب جان يونس. وتم في المناسبة، عرض الوضع الإنساني الراهن والحاجات الميدانية التي تم تحديدها في عدد من المناطق المتضررة، بالاضافة إلى طرح آلية تنسيق مشتركة تتيح لكل مؤسسة أو جمعية تحديد المساهمة التي يمكن أن تقدمها، بما يعزز تكامل الجهود وتنظيم العمل الإنساني في المرحلة المقبلة.
وتم التشديد على أهمية استمرار التشبيك بين المؤسسات الكاثوليكية والجهات الرسمية والإنسانية، والعمل بروح التضامن والمسؤولية لمساندة العائلات المتضررة وخدمة الإنسان وصون كرامته في لبنان.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى تقارير