لم تمضِ أيام قليلة على سلسلة مقالاتنا وتحذيراتنا المتكررة الواضحة من مخاطر مشاركة الفصائل المسلحة العراقية الولائية ـ ذات العقيدة الأيديولوجية الدينية والارتباط السياسي-العسكري بولاية الفقيه ــ في أي تصعيد إقليمي والذي نراه أصبح اكثر احتمالية من أي وقت مضى (( بالاخص بعد ان اعلنت قبل لحظات ومن خلال القيادة المركزية الأمريكية : بان المدمرة “فرانك بيترسن جونيور” والقطع البحرية المرافقة والطائرات المقاتلة قد أجرت مناورات وتدريبات بالذخيرة الحية ببحر العرب )) حتى ترجمت كتائب “حزب الله العراقي” – التي نعتبرها العمود الفقري والذراع الضاربة الأبرز خارج الحدود للحرس الثوري – هذه التخوفات التي تطرقنا لها بصورة موسعة إلى واقع ملموس وحسي وعلى أرض الواقع , ففي بيان صادر يوم أمس الخميس 26 شباط ، أعلنت قيادة عمليات كتائب حزب الله:استعداد “المجاهدين” لخوض حرب استنزاف طويلة الأمد ضد الولايات المتحدة، في حال اندلاع مواجهة إقليمية. واضافت تحذيراً صريحاً لحكومة محافظة اربيل من “مغبة التواطؤ مع القوات الأجنبية المعادية”، معتبرة أن ذلك سيحمل الإقليم “أعباء إضافية قد تهدد أمنه ومستقبله”.
بالنسبة لنا نقرأ هذا التحذير المبطن وبالأخص عندما يأتي متزامنا مع اضطراب الأوضاع بالمنطقة والتي هي حاليا على شفير الانفجار في اي لحظة في سياق انسحاب أمريكي من سوريا (بدءاً من قاعدة قصرك الرئيسية في الحسكة، مع إعادة نشر القوات والمعدات نحو شمال العراق، خاصة أربيل ودهوك) وتعزيز الوجود العسكري الأمريكي في تلك المحافظات الشمالية والمناطق المفتوحة المجاورة لها ، وبما يشمل في ذلك حشود ومعسكرات مزودة بمعدات قتالية متقدمة خارج أربيل تحديداً. ومع شدة التصريحات وتصاعد التوترات الإقليمية ــ مع تقارير مسربة اعلامية مقصودة ومن خلال “الحرب النفسية” التي قد تأتي بنتيجة غير متوقعة حتى لكبريات الوكالات الاخبارية لقبول ايران بالشروط الأمريكية ــ وعن استعدادات محتملة لضربات شاملة ضد إيران، قد تشمل “خطوطاً حمراء” مثل استهداف المرشد الأعلى “خامنئي” وليس فقط البرنامج النووي ومعسكرات ومراكز الصواريخ البالستية .
ولكي لا ينسى البعض او يحاول ان يقلل من خطر هذا التحذير فان مقاتلو كتائب حزب الله (وغيرها من الفصائل الولائية) يُشبعون بعقيدة “الشهادة” والولاء المطلق لولاية الفقيه، مشابهة لدرجة كبيرة لأسلوب “الحشاشين” التاريخيين في التضحية الذاتية من أجل الهدف الأيديولوجي وبالاخص إذا تم استهداف “الخامنئي” شخصياً فلن يكون الرد مقتصراً على قواعد عسكرية أمريكية فقط بل ستصبح المحافظات الشمالية ساحة مفتوحة لعمليات انتحارية متتالية (موجات بشرية )، تستهدف أهدافاً اقتصادية وحيوية لإحداث أكبر قدر من الشلل والضغط الشعبي والهدف الاستباقي لجعل أي تعاون “كردي-أمريكي” مكلفاً للغاية، بحيث يُجبر الإقليم على التراجع أو الحياد القسري لان كتائب حزب الله، المرتبطة مباشرة بمكتب “الخامنئي” وتعتنق أيديولوجية متشددة عابرة للحدود، تمتلك قدرات صاروخية ومسيرات انتحارية متقدمة ومتطورة وكادر تقني وتنظيمي متخصص ومتدرب جيدآ قادر على استعمالها بصورة مؤثرة جدآ , ولا نستبعد أبدآ بأن إحداثيات الأهداف الأمريكية (بما فيها المقرات والمعسكرات في شمال العراق) مكتملة لدى قيادتها الصاروخية، مما يعني أن أي تصعيد أمريكي شامل قد يترجم حرفيآ على أرض الواقع ليؤدي بالنتيجة إلى استهداف مباشر للقواعد والقوات الأمريكية في أربيل ودهوك و مع تداعيات أمنية واقتصادية كارثية على الحكومة المحلية والسكان. ونحن على ثقة تامة، بناءً على قراءتنا التحليلية الدقيقة للوضع الحالي، بأن الفصائل المسلحة الولائية لن تقتصر ردودها على استهداف المصالح والقواعد العسكرية الأمريكية فقط، بل ستشمل أيضاً محطات إنتاج الطاقة الكهربائية، ومصافي النفط والغاز، والبنية التحتية الحيوية بشكل عام وعلى الرغم من أن التحذير في البيان الأخير كان واضحاً وصريحاً، وإن لم يشر صراحة إلى هذه الأهداف بالتفصيل ، إلا أن قراءتنا الى التجربة السابقة تثبت ذلك بوضوح لا لبس فيه او تاويل , فقد شهدنا خلال الأشهر الماضية كيف استهدفت هذه الفصائل حقول النفط والغاز، مما أدى إلى توقف إنتاج الطاقة الكهربائية في مناطق واسعة. وأبرز مثال على ذلك الهجوم الذي تعرض له حقل كورمور الغازي (في قضاء جمجمال بمحافظة السليمانية)، حيث أوقف الإنتاج بالكامل وتسبب في انقطاع كهرباء واسع النطاق عبر الإقليم، وكان ذلك الهجوم الـ11 من نوعه منذ عام 2022.هذه النمطية في الاستهداف تؤكد أن أي تصعيد كبير قد يحول الإقليم إلى ساحة لضربات اقتصادية مدمرة، تتجاوز الأبعاد العسكرية التقليدية.
ولذا نحن نؤكد ومع درجة اليقين التام بان على حكومة (أربيل) لا يمكنها الاستهانة بهذه التحذيرات تحت أي ظرف، حتى لو جاءت تطمينات من القيادة العسكرية الأمريكية أو وعود بحماية فائقة لان التهديد هنا ليس مجرد كلام دعائي؛ هو مدعوم بنمط عملياتي سابق، عقيدة متطرفة، وقدرات قتالية وتنفيذية مثبتة. والتطمينات لا تغير الواقع الاستراتيجي وحتى لو وعدت واشنطن بـ”دفاع جوي محكم” أو “ردع قوي”، فإن أي هجوم أمريكي شامل على إيران (خاصة إذا تجاوز “الخط الأحمر” باستهداف المرشد الأعلى علي خامنئي شخصياً) سيُفعّل ردوداً غير متناسبة وغير محسوبة بدقة. الفصائل لا تتبع منطق “الرد المحدود”؛ ردودها غالباً ما تكون استنزافية وعابرة للحدود
وليس أقلها ونؤكد عليها للمرة الثانية بان الموجات الانتحارية البشرية التي سوف تضرب المناطق القيادة الحساسة في اربيل دهوك بغداد البصرة واستهداف محطات النفط والطاقة جنوب العراق , وكما حدث في تفجير السفارة العراقية في بيروت وكذلك تفجير مقر مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) مما ادى الى مقتل 241 جندياً أمريكياً، وإصابة 128 آخرين، بالإضافة إلى مقتل 58 جندياً فرنسياً في هجوم منفصل في اليوم نفسه وهذه التفجيرات الانتحارية كانت جزءاً من سلسلة هجمات استهدفت القوات المتعددة الجنسيات خلال الحرب الأهلية اللبنانية والذي سبقه تفجير السفارة الأمريكية في 18 نيسان 1983 .
المنطقة ملتهبة واصبحت على شفا حافة لمواجهة موسعة ومع تزايد الحشود العسكرية والتهديد لم يعد مقتصراً فقط على الضربة العسكرية؛ بل إنه يمتد إلى الاقتصاد والطاقة والخدمات الأساسية. الاستباقية هنا ليست خياراً، بل ضرورة لتجنب تحول بغداد والمحافظات الشمالية إلى هدف سهل في حرب استنزاف لا تخدم مصالح أحد سوى من يريد إشعال الفتنة.
ومع سلسلة التغريدات المتتابعة التي ينشرها حاليآ الرئيس “ترامب” والتي استطعنا ان نتابع بعضها :
(*) أنا غير راض عن إيران لكن من المتوقع إجراء مزيد من المحادثات معها ؟
(*) لا يمكن لإيران أن تمتلك أسلحة نووية ؟
والتي تترجم لدينا بان خيار الدبلوماسية ما تزال قائمة ومفضلة على الأقل خلال هذه الايام لان “ترامب” يقول ” نحن مستعدون للدبلوماسية”، وإيران ترد بأنها تريد حلاً دبلوماسياً أيضاً ” مما يعكس لنا هذا التوازن الدقيق بين الدبلوماسية والتهديد بالقوة العسكرية. ولكن أين تكمن الخطورة بالنسبة لنا قبل إعطاء ” فجر ساعة الصفر ” إذا شعر “ترامب” أو فريقه (خاصة الصقور) بأن إيران تتعمد التسويف لكسب الوقت – سواء لإعادة بناء قدراتها النووية بعد الضربات السابقة ، أو لانتظار تغيرات إقليمية/دولية مفاجئة – فمن المرجح جداً انتقال سريع إلى مرحلة “الأمور السيئة جداً”. هذا يتوافق مع أسلوبه المعروف “الضغط الأقصى” (maximum pressure) مع عرض دبلوماسي قصير الأجل، ثم تصعيد مفاجئ بالبدء بالضربة العسكرية إذا لم يُستجب الاخر للمطالب.
وفي الختام، لا أعتقد أن الحكومة العراقية المركزية قادرة على وقف أو منع تنفيذ تهديدات كتائب حزب الله إذا ما قررت التصعيد، بل ستكون في أغلب الأحوال مجرد متفرجة على ما سيحدث وفي حال نفذت الفصائل تهديداتها ضد أهداف في إقليم كردستان (قواعد أمريكية أو بنية تحتية حيوية)، فإن ذلك سيؤدي على الأرجح إلى تدخل قوات البيشمركة بكامل جاهزيتها العسكرية للدفاع عن الإقليم، مما يفتح الباب أمام بدايات حرب أهلية حقيقية: مواجهات متعددة الأطراف، انقسام طائفي-إثني عميق، وانهيار جزئي للسيطرة المركزية على الأرض ويبقى لنا أن نذكر الجميع بان الخروج الوحيد من هذا المأزق هو حياد إيجابي صارم من جانب أربيل (تجنب أي تعاون يُفسر كـ”تواطؤ”)، وجهود دبلوماسية عراقية-كردية فورية لاحتواء التصعيد قبل أن يتحول إلى مواجهة داخلية. لكن مع مهلة ترامب القصيرة والتحشيد الأمريكي، الفجوة اصبحت تضيق بسرعة وبعدها قد تغلق تماما لاستبدالها بعقيدة “الحشاشين” وما تحمله من رمزية تاريخية قوية (الاغتيالات السياسية، التضحية الذاتية، الولاء المطلق، الإرهاب الانتقائي في العصور الوسطى) لذا على الجميع أن يكون حذرآ خلال هذه الساعات وليس فقط الايام ؟ والان مطار اسطنبول يعلن الغاء جميع الرحلات المتجهة من وإلى إيران ؟ وهذا مما يفسر بأن خيار الضربة العسكرية اصبح يلوح في الافق ؟