المسألة الإيرانية وغيرها من المسائل الدولية الأخرى ليست سوى هوامش في خطاب “حال الأمة” السنوي. في ضوء وضعه في الاستطلاعات، وقبيل انتخابات منتصف الولاية التي ستجرى في شهر تشرين الثاني، اختار ترامب التركيز على مسائل أمريكية داخلية.
حاول ترامب تسويق ازدهار أمريكي قبيل يوم الاستقلال الـ 250 للدولة، وحاول إقناع الأمريكيين بأن “الولايات المتحدة عادت، وهي الدولة الأكثر إثارة في العالم”. هذا في الوقت الذي تشير فيه الاستطلاعات إلى خيبة أمل من الوضع الاقتصادي ومن الانقسام السياسي. من زاوية نظر الرئيس، فالوضع سيتحسن أكثر.
في هذه الأثناء، ولإثارة الحماسة في قاعدته، بادر إلى مواجهات مع المشرعين الديمقراطيين الذين حضروا الخطاب. وحسب استطلاع أجرته شبكة “CNN” بعد خطابه، ربما يكون ترامب نجح، جزئياً على الأقل، حين أشار ثلثا المستطلعين إلى أنه كان لهم تعقيب إيجابي على خطابه.
في إطار جهوده لمنح خطابه بعداً تاريخياً، أطال ترامب الأحاديث وألقى أطول خطاب في تاريخ الرؤساء في هذه المكانة. لكن في أثناء الدقائق الأخيرة التي كرسها لـ “المسائل المشتعلة” إسرائيلياً -إيران وغزة – قدم سلسلة من التصريحات الدراماتيكية.
أحدها كان موجهاً للجمهور الأمريكي، وهو عملياً تبرير محتمل لحرب مع إيران. حتى الآن، كان التركيز على البرنامج النووي الإيراني. أما الآن فقد عرض ترامب حجة جديدة، حين أشار إلى “أنهم (الإيرانيين – أ. ل) طوروا صواريخ تهدد أوروبا وقواعدنا خلف البحر، ويعملون على بناء صواريخ ستصل قريباً إلى الولايات المتحدة الأمريكية”.
عملياً، هذه علة مناسبة لترامب المعني بتأطير المواجهة مع الإيرانيين كمصلحة قومية للولايات المتحدة للدفاع عن نفسها وعن أعضاء الناتو في أوروبا ضد تهديد الصواريخ الإيرانية التي قد تحمل قنبلة نووية. هذا المبرر يفترض أن يشكل حجة ضد أولئك المعارضين في الولايات المتحدة لهجوم محتمل.
هذه الاعتراضات لا تنحصر فقط في الجانب الديمقراطي، بل تضم مسؤولين كباراً في إدارته، مثل نائب الرئيس فانس الذي يتبنى الانعزالية ويمثل تيار “أمريكي أولاً”. يدعي مؤيدو هذا النهج بأن حرباً محتملة مع إيران هي مصلحة إسرائيلية فقط، لا يفترض أن تهم الولايات المتحدة. هذا مقابل تيار وزير الخارجية ماركو روبيو الذي يؤيد الهجوم على إيران وتغيير نظام آية الله.
هذا الجدال موجود أساساً في الشبكات الاجتماعية، حيث يتجادل المؤثرون الأمريكيون فيما بينهم على مستقبل الحركة المحافظة والحزب الجمهوري. هذا حين يكون تيار “أمريكي أولاً” يضم أصواتاً واضحة في مناهضتها لإسرائيل، المعارضين لنفوذ إسرائيل بذات الشدة مع التقدميين المناهضين لإسرائيل في الجانب الديمقراطي.
إن مبرر تهديد الصواريخ يستهدف التصدي أيضاً للاستطلاعات التي تشير إلى انعدام اهتمام عام في الولايات المتحدة بهجوم على إيران.
فضلاً عن التهديد النووي والباليستي، هاجم ترامب بشدة النظام الإيراني على دعمه للإرهاب وعلى قمعه لمواطنيه. وأشار إلى أن إيران ووكلاءها قتلوا آلاف الجنود الأمريكيين بالعبوات الجانبية. إضافة إلى ذلك، قدم الرئيس معطيات قاسية عن القمع الداخلي، وادعى بأن النظام قتل نحو 32 ألف متظاهر في أثناء الاحتجاجات.
وأشار ترامب إلى أنه رغم التحذيرات التي وجهت لإيران بعد الحملة العسكرية، “فإنهم يحاولون بدء كل شيء من جديد”. وأوضح بأن “تفضيلي هو حل هذه المشكلة بوسائل دبلوماسية، لكن أمراً واحداً هو المؤكد: لن أسمح لممولة الإرهاب رقم 1 في العالم حيازة سلاح نووي”. أما عن غزة، فقد قدم ترامب طرفة لن تفرح حكومة نتنياهو عندما أعطى وصفاً شاذاً وغير مسبوق للتعاون الذي تحقق ظاهراً على الأرض، بين الأطراف المتقاتلة لغرض العثور على الجثث: “صدقتم أم لم تصدقوا، عملت حماس إلى جانب إسرائيل، حفروا وحفروا وحفروا. ونقلوا أحياناً مئة جثة لقاء كل واحد وجدوه.
هذا في الوقت الذي تريد فيه إسرائيل إقناع الجمهور بأن هدف المرحلة الثانية في غزة هو تصفية منظمة الإرهاب.
إيلي لئون
معاريف 26/2/2026