لا مجال للشك في الإشارات المتراكمة في الأيام الأخيرة. الولايات المتحدة تسرع استعدادها لشن هجوم عسكري واسع النطاق على إيران. وإسرائيل تتصرف وكأنها جزء لا يتجزأ من هذه الخطط: ليست طرفاً ثانوياً يتأثر بالتبادل الإقليمي للضربات، بل طرف سيشارك بفعالية في الحرب منذ بدايتها. ومثلما هو معلن، سيتخذ ترامب القرار النهائي بشأن مهاجمة إيران. ولكن إذا اندلعت مثل هذه الحرب فمن المؤكد أنها ستكون حرباً أمريكية – إسرائيلية مشتركة. لإسرائيل مصلحة استراتيجية عميقة في إسقاط النظام في إيران، وهي خطوة قد تغير ميزان القوة في الشرق الأوسط جذرياً.
مع ذلك، تصميم نتنياهو على وضع إسرائيل في صدارة الصراع في هذه المرة، بعد أن دخلت بالفعل في حرب مع إيران في حزيران السنة الماضية، قد تكون له عواقب وخيمة. أولاً، إذا لم يتوقف القتال بعد الهجوم الأول فقد تتطور حملة طويلة المدى تلحق ضرراً كبيراً بالجبهة الداخلية الإسرائيلية. ثانياً، أكثر مما حدث في حرب العراق في 2003 فإنه في نظر شريحة كبيرة من الشعب الأمريكي، يمكن اعتبار إسرائيل هي التي دفعت الولايات المتحدة إلى حرب مكلفة، التي ليست بالضرورة على رأس سلم أولويات بلادهم.
لا خلاف حول وحشية وضرر النظام في إيران. وإزاحته عن الطريق ستعود بالنفع على الشعب الإيراني أولاً وقبل كل شيء، وعلى جيراننا، سواء كانوا أقرب أم أبعد. تكمن المشكلة في أنه من خلال كل ما سمعناه من الأمريكيين حتى الآن، من غير الواضح إذا كانت لديهم خطة منهجية ومنطقية لتحقيق ذلك. التاريخ الحديث لم يحقق أي نجاح (لحلف الناتو) في إجبار أي نظام على التغيير من خلال حملة تعتمد فقط على القصف من الجو إلا في العام 1999 في كوسوفو. في كل الحالات الأخرى، كان التدخل العسكري البري الطويل ضرورياً، وهو أمر يرفضه ترامب.
يبدو أن الأمريكيين يأملون أن يؤدي القصف الكثيف إلى تجدد أعمال الشغب والمظاهرات، وإسكات قوات حرس الثورة وقوات الباسيج الموالية للنظام، وإقناع ملايين المواطنين في إيران بالمخاطرة بحياتهم والخروج إلى الشوارع من جديد. هذا رغم أنهم شاهدوا كيف قتل النظام بوحشية آلاف من إخوانهم قبل أقل من شهرين. قد تستغرق مثل هذه الخطوة وقتاً طويلاً نسبياً. سيناريو آخر ربما يتخيله المخططون في واشنطن، وهو أن تحركاً عسكرياً أولياً سيدفع النظام في طهران إلى إعادة النظر في مواقفه. وربما حتى تخفيفها بشكل ملحوظ، إذا تم استئناف المفاوضات.
لكن ما يكاد لا يناقش، سواء في أمريكا أو في إسرائيل، هو الاعتبارات الكامنة وراء خوض الحرب. ففي إسرائيل تظهر وسائل الإعلام الحماسة لاحتمالية انهيار النظام في إيران، بدون التطرق إلى العواقب المحتملة. ويبدو أن الرأي العام قد تعود على الحرب الدائمة ويتقبل تبعاتها. والسؤال المطروح للنقاش هو: متى سيحدث ذلك (وكيف سيؤثر على خطط المواطنين الشخصية)، وليس ما إذا كان ضروريا. أما في الولايات المتحدة، فما زال الرأي العام لا يستوعب تماماً فكرة احتمالية اندلاع حرب طويلة، وهي بالتحديد الحرب التي دائماً ما عارضها الرئيس (بدأ ترامب تحركاته السياسية الأولى بمعارضة الحرب في العراق في 2003، وجزء من تحذيراته تحققت).
كالعادة، هناك اعتبارات سياسية، ولا يكترث ترامب أو نتنياهو بإخفائها. ترامب يشعر بالقلق إزاء انخفاض شعبيته في الاستطلاعات، قبل أقل من تسعة أشهر على انتخابات نصف الولاية. ويخشى من أن ينظر إليه بأنه هو الذي تخلى عن جموع المعارضين الإيرانيين للنظام بعد أن وعد علناً بأن “المساعدة قادمة” وأنها لم تصل حتى الآن. أما نتنياهو فيبدو أنه يعتقد أن استمرار التوتر العسكري قبل الانتخابات (المقرر إجراؤها في نهاية تشرين الأول) سيكون في مصلحته. أولاً، تخلق حالة الطوارئ الدائمة عدم اليقين لدى الناخبين، وشعور (خاطئ) بأن نتنياهو وحده هو الذي يعرف كيفية التعامل مع الوضع. ثانياً، كل دقيقة لا يتناول فيها النقاش العام الإخفاقات التي أدت إلى مذبحة 7 أكتوبر، تعتبر دقيقة ناجحة بالنسبة له.
يبدو أن التوقعات تميل الآن بشكل واضح لصالح التقييم القائل بأن الأزمة في الخليج ستؤدي إلى مواجهة عسكرية. مع ذلك، لا يشترط أن تكون المواجهة على الفور. ففي ختام الجولة الثانية للمحادثات مع الإيرانيين في جنيف الثلاثاء الماضي، تحدث الأمريكيون عن أسبوعين قبل الرد الإيراني. أمس، صرح ترامب: “سنعرف ذلك في غضون عشرة أيام”. ويتعلق هذا الأمر أيضاً بموعد وصول حاملة الطائرات “جيرالد فورد” إلى المنطقة في نهاية الشهر الحالي.
إن تحديد موعد نهائي يهدف إلى إحباط تكتيك الإيرانيين المعتاد في المفاوضات، والمماطلة لكسب الوقت. ويأمل الأمريكيون أن يكون هذا، إضافة إلى تعزيز القوة العسكرية، كافياً لإقناع المرشد الأعلى علي خامنئي بالتخلي عن نهجه الراسخ، وهو الاعتقاد بأنه لا يجب جر إيران إلى تقديم تنازلات تحت الضغط، لأن ذلك لا يؤدي إلا إلى مزيد من الضغط. في الوقت الحالي، لا توجد أي مؤشرات على استعداد النظام لإظهار أي مرونة حقيقية في مواجهة الطلبات الأمريكية بشأن الاتفاق النووي الجديد.
من ناحية إسرائيل، يكمن السؤال الرئيسي في مدى قوة التهديد الإيراني للجبهة الداخلية. ففي حرب الـ 12 يوماً في حزيران الماضي، ازداد حجم الدمار الذي ألحقته الصواريخ البالستية الإيرانية بالمدن الإسرائيلية في المرحلة الأخيرة في الحرب. وفي الأشهر الأخيرة، جاءت تقارير تفيد بأن وتيرة إعادة تشغيل خطوط إنتاج الصواريخ أسرع مما كان متوقعاً (بل إن حاشية نتنياهو بدأت في تمهيد الطريق إعلامياً لتجدد الحرب في إيران على هذه الخلفية).
يبدو أن نقطة الضعف التي تواجه الإيرانيين تتعلق بعدد منصات الإطلاق التي تم تدمير عدد كبير منها في حزيران. أما العائق الآخر الذي يؤثر عليهم فيتمثل في الغياب شبه الكامل لأنظمة الدفاع الجوية المتقدمة التي تسببت إسرائيل بإلحاق أضرار كبيرة بها. الأمر الذي يعني ظاهرياً بأن إسرائيل والولايات المتحدة ستتمتعان بحرية عمل شبه كاملة في سماء غرب إيران من بداية الحرب.
نظرة إلى الشمال
أحد أسباب نجاح إسرائيل ضد إيران في 2025 هو إبعاد حزب الله عن الساحة. ففي تشرين الثاني 2024 أجبر التنظيم الشيعي على الموافقة على وقف إطلاق النار مع إسرائيل في لبنان بعد قتل معظم قادته، وعلى رأسهم الأمين العام حسن نصر الله، وتدمير جزء كبير من ترسانته الصاروخية. على مدى أكثر من عشرين سنة، بنى النظام في إيران حزب الله كقوة ردع وهجوم على إسرائيل تحسباً لأي هجوم. لم يكتف حزب الله بعدم ردع إسرائيل، بل طلب أيضاً وحصل على إعفاء من الحرب نفسها عند اندلاعها.
لقد تغيرت الأمور منذ ذلك الحين، ويقدر الجيش الإسرائيلي أن حزب الله سيشارك هذه المرة في الحرب إذا اندلعت. أولاً، تستخدم إيران ضغوط كبيرة على الزعيم الحالي الشيخ نعيم قاسم لإعادة جزء من الاستثمار في تنظيمه وإطلاق الصواريخ على إسرائيل في حالة اندلاع الحرب. ثانياً، قد يكون لنعيم قاسم دافع خاص للتحرك. فمنذ فرض وقف إطلاق النار عليه أصبح حزب الله في مأزق. الجيش الإسرائيلي يشن هجمات متواصلة في لبنان، جنوب نهر الليطاني وأماكن أخرى أيضاً، ويتكبد التنظيم عشرات القتلى في هذه الهجمات شهرياً، لكنه لا يرد حالياً على الهجمات الإسرائيلية على الإطلاق.
الآن، يتبلور وضع جديد قد يغري حزب الله لمحاولة تغيير الواقع على طول الحدود؛ فقد تضررت قدرات الحزب الصاروخية بشكل كبير في الحرب مع الجيش الإسرائيلي، ولم تتم استعادة هذه القدرات منذ ذلك الحين، لكن قد يحاول الحزب إشعال جبهة ثانوية في الحرب من خلال عمليات على طول الحدود، أو في جنوب لبنان، ضد المواقع الخمسة التي أنشأها الجيش الإسرائيلي وما زال يسيطر عليها داخل أراضي لبنان منذ بداية الحرب.
وقد حذرت إسرائيل مؤخراً حزب الله من خلال آلية المراقبة اللبنانية في لبنان من أنها سترد بقوة كبيرة إذا حاول مهاجمتها. مع ذلك، إذا اندلعت حرب إقليمية فستشمل حزب الله، ما يستدعي نشر القوات الجوية والاستخبارات العسكرية وقيادة الجبهة الداخلية أيضاً في الجبهة الشمالية. في هذه الحالة، قد يهاجم سلاح الجو أهدافاً لحزب الله في بيروت والبقاع بهدف تقليص قدراته العسكرية بشكل أكبر.
الحكومة في لبنان يبدو أنها مترددة في هذه المسألة، لأنها تخشى من إلحاق المزيد من الضرر بالمدنيين والبنى التحتية إذا تم استئناف القتال. من جهة أخرى، فإن جهود الحكومة والجيش لنزع سلاح حزب الله واجهت صعوبات، وقد يؤدي انخراط التنظيم الشيعي بشكل أكبر في القتال إلى تعزيز الشرعية في أوساط أبناء الطوائف الأخرى لتحرك طموح أكثر من قبل الحكومة ضد الحزب.
ما لم يتم قوله
إذا ما اتخذت الولايات المتحدة قراراً بالهجوم في القريب، فستكون أول حرب تشنها في المنطقة في رمضان. وقد تؤدي حرب في هذا التوقيت إلى زيادة التعاطف مع إيران في العالم الإسلامي بدرجة معينة. وقد تكون لها تأثيرات سلبية على الوضع في الساحة الفلسطينية. ففي الضفة الغربية، يسود توتر عشية شهر رمضان في ظل الصعوبات الاقتصادية وخطوات الضم التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية والمستوطنون والآثار المتأخرة للحرب في قطاع غزة.
يقر الجيش الإسرائيلي بوجود تصعيد مضطرد في الضفة الغربية على مدى فترة من الزمن، لكنه لا يتوقع حالياً انفجار سريع في ظل الأحداث الجارية فيها. وقد تأتي الشرارة من الخارج، مثلما في حالة اندلاع حرب إقليمية. بشكل عام، ينظر إلى حلول شهر رمضان في هذا الوقت كعامل ردع. في خضم فترة اقتصادية واجتماعية صعبة ومضطربة، ونظرا للاحتكاك المستمر مع الجيش والمستوطنين، فمن المرجح أن يفضل كثيرون في الضفة الغربية فترة راحة هادئة تسمح لهم بالتركيز على المشاركة في مناسبات شهر الصوم ومراعاة عاداته.
ما تقلل وسائل الإعلام في إسرائيل الكتابة عنه هو عمق المعاناة الاجتماعية التي تمر على الفلسطينيين في الضفة الغربية؛ فقد كان لاندلاع الحرب في 7 تشرين الأول تداعيات اقتصادية واسعة النطاق، حيث أدت المذبحة في القطاع إلى قطع العلاقة الاقتصادية بين الضفة الغربية وإسرائيل بدرجة كبيرة، وتوقف العمل القانوني للفلسطينيين داخل الخط الأخضر بشكل شبه كامل، وتوقف تحويل أموال الضرائب الفلسطينية للسلطة، الأمر الذي فاقم الوضع الاقتصادي في الضفة بشكل كبير.
نظراً لهذه الصعوبات اضطرت عائلات كثيرة في الضفة إلى بيع الذهب والمجوهرات، بل وحتى الأراضي، من أجل البقاء. وبات رأس المال أكثر تركيزاً في يد شريحة ضيقة في المجتمع، ما يعمق الفجوة الاقتصادية ويفاقم الإحباط. وتسبب الأزمة المستمرة ظواهر اجتماعية مقلقة مثل ارتفاع حاد في الجرائم وأحداث العنف داخل العائلة وازدهار الدعارة كمصدر دخل وزيادة في حالات الطلاق وما شابه. كل هذه العوامل تساهم في التفكك السريع والمفاجئ لوحدة العائلة التقليدية. وقد كشف ملخص أجرته قوات الأمن الفلسطينية في 2025، بأن عدد الاعتقالات على أساس جنائي تضاعف ثلاث مرات ووصل إلى 12 ألف اعتقال في السنة.
الحرب في إيران قد تؤدي إلى تصاعد الهجمات التي ينفذها إرهابيون أفراد وخلايا محلية كبادرة تضامن مع الإيرانيين ومحاولة لتقويض الأمن الداخلي في إسرائيل والمستوطنات. من ناحيته، يستعد الجيش الإسرائيلي إلى تبني إجراءات أكثر صرامة في إنفاذ القانون تشمل إغلاق بعض المناطق ووضع نقاط تفتيش على طرق الضفة الغربية وزيادة الإغلاقات على طول خط التماس. عاموس هرئيل
هآرتس 20/2/2026