يعيش النظام الإيراني مرحلة دقيقة وخطرة، تُشكِّل أبرز تحدّ منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، نظراً إلى تقاطع عوامل داخلية وخارجية لم تجتمع بهذا الشكل من قبل: شارع كسر حاجز الخوف؛ عقوبات زادت في انهيار الاقتصاد وتدني قيمة العملة الوطنية؛ «البازار» يدخل على خط الاعتراض؛ مرشد متقدِّم في العمر يعيش تراجع فعالية خطابه الديني عند الجيل الجديد؛ ضغط أمريكي متجدِّد يقوده دونالد ترامب وسبق أن اختبره في ولايته الأولى باستهداف قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني؛ تدخّلات خارجية مكلفة؛ انسداد الأفق السياسي؛ وتحولات إقليمية أفرزتها تداعيات عملية «طوفان الأقصى».
لكن ثمة ارتباك في تقدير حجم التهديدات التي تواجه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما إذا كانت تهديدات وجودية. في قراءة التجارب الماضية، يخلص المراقبون إلى أن الخطر الداخلي، حتى ولو وصل إلى ذروته، يبقى محدود القدرة على إحداث انهيار فوري للنظام. فالمنظومة الإيرانية ما زالت تُمسك بمفاصل القوة الأساسية، من الأجهزة الأمنية إلى البنية المؤسسية والعسكرية (الأمن الداخلي واستخباراته، الحرس الثوري الإيراني واستخباراته، والباسيج، والجيش) وكلها تمتلك أدوات قمع فعّالة تُتيح لها احتواء الشارع مهما بلغت مستويات الغضب والتصعيد.
القمع كخيار وحيد… وحدوده
يبدو من مسار الأيام الماضية أن النظام استطاع إخماد هذه الموجة من الاحتجاجات عبر استخدام القمع بعيداً عن أعين العالم نظراً إلى انقطاع الإنترنت وشبكات الاتصال، لكن هذا الاحتواء الأمني وإن نجح في تفكيك الزخم الميداني راهناً، فإنه لا يعالج جذور الأزمة، ما يجعل الانفجار مؤجلًا لا ملغىً في ظل الاقتناع بأن هذه الاحتجاجات مختلفة في طبيعتها عن سابقاتها.
فالمقارنة مع موجات الاحتجاج السابقة، في أيام الحركة الخضراء 2009 واحتجاجات 2017 و2019، وثورة الحجاب 2022 التي فجَّرها موت الشابة الكردية مهسا أميني في مركز الأمن، تكشف عن تحوّل نوعي في طبيعة الحراك الحالي. فبعد ما عُرف بـ«حرب الاثني عشر يوماً» وما خلّفته من أضرار جسيمة في البنية النووية الإيرانية، تآكلت إلى حد كبير سردية الصبر والتضحية التي لطالما روّج لها النظام تحت عنوان «كرامة الأمة» ومواجهة الأعداء الخارجيين. ومع غياب أي مردود اقتصادي أو معنوي لهذا الخطاب، انفجرت الأزمة المعيشية بصورة غير مسبوقة، وتحوَّلت سريعاً من مطالب اقتصادية إلى مواجهة سياسية مباشرة مع جوهر النظام، من دون المرور بالمراحل الإصلاحية التي ميَّزت احتجاجات سابقة.
فالانفجار الحالي لا يمكن فصله عن الانهيار الاقتصادي غير المسبوق، مع عملة إيرانية فقدت معظم قيمتها، وتضخم تجاوز مستويات قياسية، ورواتب لم تعد تغطي الحد الأدنى من المعيشة. ودخول البازار الإيراني، أي التجار وأصحاب رؤوس الأموال والحرفيين، إلى قلب الحراك. فإلى أكثر من 12 يوماً متواصلة، شهدت الأسواق الرئيسية في طهران ومدن كبرى إضرابات واسعة، ما شكّل ضربة قاسية للنظام الذي هو تاريخياً أحد أعمدة النظام، أو على الأقل أحد مكوناته المتعايشة معه. وقد يُنظر تحوّله إلى طرف فاعل في الاحتجاجات على أنه «انشقاق ناعم» داخل البنية الاجتماعية الداعمة للسلطة.
رغم نجاح السلطات الأمنية، حتى الآن، في كبح الزخم الميداني للاحتجاجات عبر القمع الواسع، والاعتقالات الجماعية، وقطع الاتصالات، إلا أن ذلك لم يترجم استعادة فعلية للاستقرار، بقدر ما كشف حدود القوة الخشنة للنظام، وأعاد فتح الأسئلة المؤجلة حول قابلية الجمهورية الإسلامية للاستمرار بصيغتها الحالية.
والأهم أن الشارع الإيراني تجاوز كليًا ثنائية «الإصلاحيين والمحافظين»، ورفع شعاراً جامعاً مفاده أن المشكلة ليست في الحكومات أو الوزراء أو السياسات الجزئية، بل في النظام السياسي نفسه. فخلال الأسبوعين الماضيين، لم تُسجَّل أي مطالب إصلاحية تقليدية، ولا دعوات لتعديل الدستور أو تحسين الأداء الحكومي، بل إن كل الشعارات تمحورت، من طهران إلى تبريز، ومن الأحواز إلى زاهدان، حول إسقاط النظام، وكسر قدسية المرشد، ورفض شرعية ولاية الفقيه.
ومع ذلك، لا يزال النظام الإيراني يمتلك مجموعة من مقومات الصمود التي تمنحه هامشاً واسعاً للمناورة، في مقدمتها الآلة القمعية الشديدة التنظيم التي يقودها الحرس الثوري، مدعومة بشبكة من الميليشيات الولائية المنتشرة في كل أرجاء البلاد. كما يستند إلى قاعدة شعبية منظمة تُقدَّر بعشرات الملايين، ترتبط مصالحها الاقتصادية والأمنية ببقاء المنظومة الحاكمة، وتمتلك بنى لوجستية ونفوذاً فعلياً في مناطق استراتيجية وحساسة. ويُضاف إلى ذلك استمرار فاعلية الأيديولوجيا الثورية كعنصر تعبوي داخلي، فضلاً عن الغطاء السياسي الذي يوفره «المحور الشرقي»، حيث تنظر كل من موسكو وبكين إلى إيران بوصفها ورقة تكتيكية مهمة في صراعهما الأوسع مع الغرب.
صحيح أنه في التجارب التاريخية، يُولّد كل قمع انفجاراً لاحقاً أكثر حدّة، وسيكون أي استقرار غير قابل للاستدامة إذا كان قائماً على القمع وحده. حتى الآن لا أرقام دقيقة حول حجم الضحايا في إيران. وتتراوح تلك الأرقام بين 3000 و12000 وتصل حتى إلى 20000، وكانت لترتفع حكماً مع لوائح إعدامات جماعية تحضَّرت لها السلطات القضائية من أجل زرع الرعب الكابح لعودة الخروج إلى الشوارع مجدداً. يقول باحثون مؤيدون ومعارضون إن النظام ما كان ليتوانى، ولن يتوانى عن قتل مليون إيراني إذا كان ذلك يحمي نظامه. فمسألة بقاء النظام العقائدي المرتكز على ولاية الفقيه، حيث المرشد هو ممثل المهدي المنتظر على الأرض، والمدافع عن المسلمين والمظلومين في العالم في وجه الاستعمار والاستغلال العالمي، ورمز للصحوة الإسلامية، هي مسألة تتقدَّم على ما عداها، وتبقى كل الأثمان زهيدة أمام حماية النظام. غير أن المراقبين المناهضين للنظام يرون أن التحولات التي طرأت على الوعي الجمعي الإيراني، خصوصاً لدى الشباب والطبقة الوسطى، باتت عميقة ولا رجعة فيها، وأن الدولة التي حكمت لعقود باسم الثورة والدين، تواجه اليوم مجتمعاً يسأل عن الخبز والكرامة والحرية، لا عن الشعارات الكبرى، ويريد أن يعيش حياة طبيعية ويحلم بالانفتاح على الخارج، وأن مسألة عودة الاحتجاجات بقوة وانفجار الشارع من جديد ليس سوى مسألة وقت. تميّزت الاحتجاجات باتساع جغرافي غير مسبوق شمل مدناً كبرى ومحافظات ذات حساسية قومية عالية. فقد خرجت طهران، وكرج (محافظة البرز)، وقزوين (محافظة قزوين)، وقم (محافظة قم)، إلى جانب تبريز في محافظة أذربيجان الشرقية ذات الغالبية التركية، ومشهد في خراسان الرضوية، وكرمانشاه وسنندج في كردستان، والأهواز في خوزستان العربية، وزاهدان في بلوشستان.
ولا تكمن خطورة هذا الانتشار في العدد فقط، بل في دلالته السياسية: النظام يواجه حراكاً عابراً للقوميات والمناطق، يدمج بين احتجاجات المركز وتمرّد الأطراف. فالمناطق القومية ـ الكردية والبلوشية والعربية والتركية ـ لا تشكّل فقط عبئاً أمنياً، بل تهديداً جغرافياً مباشراً، لأن أي فقدان للسيطرة فيها يفتح الباب أمام سيناريوهات حكم محلي أو لا مركزية قسرية، وهو كابوس استراتيجي لطهران.
تهديد ترامب: مناورة أم قرار
المشهد الداخلي قابل للتبدّل في ظل التهديد الخارجي ولا سيما احتمال لجوء الولايات المتحدة إلى عمل عسكري مباشر أو ضمن تحالف دولي، وهذا يحتل موقع الخطر الأعلى على بقاء النظام. ليس أمراً عابراً أن يخرج ترامب ويوجِّه رسائل مباشرة إلى الشارع الإيراني، يدعو فيها المتظاهرين إلى الاستمرار، معلناً أن «الدعم في الطريق». هي سابقة نادرة لرئيس أميركي يخاطب حركة احتجاجية داخل إيران بهذا الوضوح. هذا الخطاب عزّز قناعة داخل النظام بأن الاحتجاجات لم تعد شأناً داخلياً يمكن احتواؤه أمنياً فقط، بل باتت جزءاً من معادلة دولية أوسع، تستخدم فيها واشنطن الشارع الإيراني كورقة ضغط موازية لملفات النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي.
وهذا الإدراك يُفسِّر بوضوح سلوك طهران الدبلوماسي في الأسابيع الأخيرة، حيث كثّفت اتصالاتها غير المباشرة مع واشنطن عبر قنوات عدة منها عراقية، وتحرَّكت وساطات خليجية، سعودية وقطرية وعُمانية في محاولة لخفض منسوب التصعيد وتبديد احتمالات الضربة العسكرية. فالنظام، بحسب هذا التقدير، لا يخشى الاحتجاجات بقدر ما يخشى تلاقيها مع تدخل خارجي يستهدف مراكز القوة الاستراتيجية في الداخل الإيراني.
خطاب ترامب اتسم بازدواجية محسوبة. فبعد التلويح بالخيار العسكري، عاد ليشير إلى تلقيه معلومات عن تراجع نسبي في القمع، ما فُهم على أنه استخدام للتهديد كأداة ردع، لا مقدمة لضربة فورية. هذا التراجع ليس ضعفاً، بل نتيجة ضغوط خليجية واضحة حذّرت من تفجير المنطقة، ودعت إلى فتح نافذة تفاوض مشروط مع طهران.
وحده ترامب الواضح والغامض في آن، يعرف كيف ستتجه الأمور في الغد. لا يزال ومسؤولون أمريكيون يؤكدون أن الخيارات كلها مفتوحة. ورغم أن الخيار العسكري تراجع إلى مرتبة أدنى حالياً، فإن ذلك لا يعني أنه سُحب من على الطاولة، ولا أن المفاوضات ستبدأ حتماً وصولاً إلى حل سلمي. بحسب قراءات المحللين المتابعين للشأن الأمريكي، فإن الإدارة الأمريكية تسعى إلى كسب الوقت.
وكشف موقع «أكسيوس» أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طلب من البيت الأبيض تأجيل أي عمل عسكري، لأن إسرائيل تريد مزيداً من الوقت لإنجاز تحضيراتها تحسباً لأي رد إيراني محتمل، ويرى المسؤولون العسكريون في تل أبيب أن الخطة الأمريكية العسكرية لا تكفي لزعزعة النظام بالقدر الذي يؤدي إلى انهياره، وبالتالي، طلب التأجيل ليس سوى محاولة لكسب الوقت، ولا سيما أن الحديث عن فتح مفاوضات جديدة مع النظام الإيراني غير مقبول في أوساط المتشددين الذي يحذرون ترامب من أن يتحوَّل إلى «أوباما آخر» إن سلك هذا المسار. ويقود هذا المسار السيناتور المتشدد ليندسي غراهام المقرَّب من ترامب، والذي يرى مع عدد كبير من المسؤولين المتشددين في الكونغرس وداخل الإدارة، أن اللحظة الراهنة تمثل فرصة تاريخية للتخلص من هذا النظام، في ظل عجز إيران الاستراتيجي وفقدانها حلفاءها الإقليميين.
سؤال الفوضى…
ومخاوف الانهيار السريع
غير أن قراءة أمريكية أخرى تذهب إلى أن لدى ترامب خشية حقيقية من أن تنزلق الولايات المتحدة إلى حرب طويلة الأمد، تُعيد إنتاج نماذج التدخل المكلف في الشرق الأوسط، بدل أن تُعيد رسم توازن القوى الإقليمي بسرعة وحسم الأمر. ويبدو أن غياب تصور أميركي واضح لمرحلة ما بعد أي ضربة أو حتى ما بعد سقوط محتمل للنظام، في ظل تشابك الخريطة القومية والجغرافية داخل إيران، أفضى إلى تفضيل مسار الضغط المركّب والقائم على تهديد عسكري، وعقوبات إضافية، ودعم سياسي للاحتجاجات، وترك الباب مواربًا أمام تفاوض مشروط، يقوم على «صفر تخصيب» نووي، وكبح البرنامج الصاروخي، وتفكيك شبكة الأذرع الإقليمية.
لعبت التحذيرات الخليجية المباشرة من مخاطر تفجير المنطقة دوراً مهماً في لجم الانفجار ولو مؤقتاً، إذ دفعت دول خليجية نافذة باتجاه إعطاء أولوية لفتح قنوات تفاوض جديدة مع طهران مقابل تجميد التصعيد العسكري.
ففرضية السقوط السريع للنظام الإيراني أثارت قلقاً متزايداً لدى دول الخليج، التي باتت تنظر إلى مشهد الفوضى المحتملة بوصفه تهديداً يفوق في خطورته استمرار النظام نفسه، رغم الخلافات العميقة معه. فالأولوية الأمنية الخليجية شهدت تحوّلاً ملحوظاً في الفترة الأخيرة، مع تصاعد القلق من الأنشطة العسكرية الإسرائيلية خارج حدود الكيان، وما قد تجرّه من مواجهات إقليمية مفتوحة. وهو ما حرَّك العواصم الخليجية إلى الدفع باتجاه إبطاء أي مسار انهياري غير منضبط في إيران، تفادياً لاختلالات حادة في ميزان القوى الإقليمي. وبرز في الموازاة، الدور الروسي كوسيط غير معلن بين طهران وتل أبيب، في محاولة لمنع انزلاق الوضع إلى مواجهة مباشرة على أكثر من جبهة، في وقت لا ترغب فيه موسكو بخسارة ما تبقّى من توازنات المنطقة.
وتحذِّر التقديرات من أن انهيار النظام الإيراني من دون مسار انتقالي منظّم قد يفتح الباب أمام سيناريوهات كارثية، تبدأ بتحوُّل إيران إلى كيان فوضوي يسيطر على مفاصل جغرافية حسَّاسة في الساحل الهرمزي، بما يهدد الملاحة الدولية، ولا تنتهي عند احتمال اندلاع حرب أهلية واسعة النطاق في بلد يتجاوز عدد سكانه 90 مليون نسمة. مثل هذا السيناريو من شأنه أن يولّد موجات لجوء ضخمة، ويزعزع استقرار دول الجوار، فضلًا عن إحداث صدمة عنيفة في أسواق الطاقة قد ترفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، تخدم مصالح روسيا وتلحق أضراراً جسيمة بالاقتصادات الغربية ودول الخليج على حد سواء.
تفادي لحظة اللاعودة
لا يزال مستقبل إيران رهينة توازن دقيق بين الداخل والخارج، وأي مقاربة لإسقاط النظام من دون إدارة دقيقة للمخاطر قد تفضي إلى تداعيات إقليمية ودولية تفوق بكلفتها السياسية والاقتصادية بقاء النظام نفسه في المدى المنظور، رغم ما يتسم به من ديكتاتورية وبطش ودور مزعزع لدول الجوار حتى الأمس القريب. وعليه، يبقى منع اندلاع حرب شاملة وضبط مسار التحولات أولوية تتقدَّم على منطق الحسم السريع، سواء بالنسبة للإيرانيين أو للفاعلين الإقليميين والدوليين.
الاعتقاد السائد أن النظام لا يمكنه أن ينجو من دون التماهي مع الشروط الأمريكية والدولية، وأنه مهما كابر اليوم وغداً، فإنه ما عاد لديه ترف المناورة بعدما ضعفت عناصر قوته التي بناها عبر أذرعه العسكرية في ما عُرف بـ«الهلال الشيعي»، بحيث تلقّى خط طهران – بيروت ضربة قاصمة مع سقوط نظام بشار الأسد وهزيمة «حزب الله» في حربه مع إسرائيل وكبح جماح الميليشيات الولائية في العراق، فضلًا عن وضع ضوابط لجماعة الحوثي في اليمن، وخروج غزة من معادلته، وبعدما أطبقت عليه العقوبات بشكل أفعل، وبعد خسارته فنزويلا، وبعدما ظهر خطأ حساباته بإمكان انضمام الصين وروسيا إلى حمايته علانية بالانضمام إلى المواجهة.
وحين يذهب نظام ولاية الفقيه إلى التسليم أو الاستسلام في ملفات النووي الإيراني، ووقف التخصيب، وتقييد البرنامج الصاروخي، والتخلي عن الاذرع والوكلاء، فإن ذلك يعني أننا أمام نسخة جديدة من النظام الإيراني لا تشبه النظام القائم اليوم.