الدوحة – “القدس العربي”:
في لحظة إقليمية تتكاثف فيها الإشارات المتناقضة بين التهدئة والتهديد، تحرّكت عواصم الخليج عبر خطوط الهاتف، في محاولة لالتقاط زمام المبادرة قبل أن تنزلق المنطقة إلى مسار يصعب ضبطه.
المشهد بدا وكأنه سباق مع الزمن، حيث تتقاطع حسابات الأمن، وضغوط الشارع، ورسائل القوة القادمة من واشنطن وتل أبيب، فيما تبقى طهران في قلب العاصفة.
تقدّمت الدبلوماسية السعودية واجهة الحراك، عبر سلسلة اتصالات متزامنة مع طهران ومسقط والدوحة، حملت عنواناً واحداً: احتواء التوتر، ومنع انفجار إقليمي واسع
تقدّمت الدبلوماسية السعودية واجهة هذا الحراك، عبر سلسلة اتصالات متزامنة مع طهران ومسقط والدوحة، حملت عنواناً واحداً: احتواء التوتر، ومنع انفجار إقليمي واسع، في وقت تتزايد فيه التقديرات العسكرية والتحليلات الاستخباراتية حول سيناريوهات المواجهة.
اتصالات مكثفة في لحظة حرجة
بدأ التحرك بإجراء وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان اتصالات هاتفية منفصلة مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، ونظيره العماني بدر البوسعيدي، ورئيس الوزراء وزير خارجية قطر محمد بن عبد الرحمن، في يوم واحد، عكس إدراكاً متقدماً لحساسية التوقيت وخطورة المسار الذي تتجه إليه الأحداث.
بحثت هذه الاتصالات، وفق ما أوردته وكالة الأنباء السعودية، تطورات الأوضاع في المنطقة، وسبل دعم أمنها واستقرارها، في صيغة بدت محسوبة الكلمات، لكنها ثقيلة الدلالات.
وعكست اللهجة المستخدمة إدراكاً خليجياً بأن التوتر المحيط بإيران لم يعد شأناً داخلياً، بل بات عاملاً مهدداً لتوازنات إقليمية هشّة، تمتد آثارها من الخليج إلى شرق المتوسط.
برزت مسقط في هذا السياق كحلقة وصل تقليدية في ملفات التهدئة، مستندة إلى دورها التاريخي في إدارة القنوات الخلفية، بينما حمل الاتصال مع الدوحة بعداً إضافياً، في ظل دور قطري نشط في الوساطات الإقليمية المعقدة، وارتباط الملف الإيراني بتفاعلات أوسع تشمل غزة ولبنان والممرات البحرية.
تحرّكت هذه الاتصالات في لحظة بدا فيها أن هامش المناورة يضيق، وأن أي خطأ في الحسابات قد يحوّل التوتر السياسي إلى مواجهة مفتوحة، لا تملك المنطقة ترف خوضها.
واشنطن بين التهدئة اللفظية وسيناريوهات القوة
تزامنت الاتصالات الخليجية مع تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب خفّف فيها، ظاهرياً، من حدة خطابه تجاه إيران.
أعلن ترامب، في حديث صحافي من البيت الأبيض، أنه أُبلغ بتوقف عمليات الإعدام في إيران، محذراً في الوقت ذاته من أن أي تطورات دموية ستُقابل بردود فعل دولية واسعة، ومشيراً إلى أن مسؤولين أمريكيين يحققون في مقتل مشاركين في الاحتجاجات الجارية داخل البلاد.
عكست هذه التصريحات ازدواجية مألوفة في الخطاب الأمريكي: إشارات إنسانية من جهة، وإبقاء العصا مرفوعة من جهة أخرى. بدت واشنطن وكأنها تترك الباب موارباً أمام التهدئة، دون أن تغلق خيارات الضغط القصوى، سواء السياسية أو العسكرية.
زاد من تعقيد المشهد ما نقلته هيئة البث العبرية الرسمية عن تقديرات في إسرائيل تشير إلى احتمال شن الولايات المتحدة هجوماً على إيران خلال الأيام المقبلة
زاد من تعقيد المشهد ما نقلته هيئة البث العبرية الرسمية عن تقديرات في إسرائيل تشير إلى احتمال شن الولايات المتحدة هجوماً على إيران خلال الأيام المقبلة، وهي تقديرات رافقها إعلان الجيش الإسرائيلي رفع حالة التأهب تحسباً لرد إيراني محتمل.
في هذا المناخ، تحوّلت التصريحات إلى أدوات ضغط بحد ذاتها، تُستخدم لتشكيل المزاج الإقليمي، وإرسال رسائل متبادلة لا تخلو من اختبار الأعصاب، فيما تبقى الحقيقة محجوبة خلف طبقات من الغموض المتعمد.
الشارع الإيراني وحسابات النظام والمواجهة
تتصاعد الضغوط على طهران منذ اندلاع مظاهرات شعبية في 28 ديسمبر الماضي، احتجاجاً على تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.
خرجت هذه الاحتجاجات من إطارها الاجتماعي، لتتحول إلى عنصر مركزي في الحسابات الدولية، مع انخراط الولايات المتحدة وإسرائيل في خطاب يربط بين الأزمة الداخلية الإيرانية ومستقبل النظام القائم منذ عام 1979.
كشفت تصريحات مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين عن تطلع واضح إلى تغيير جذري في بنية الحكم في طهران، ما رفع منسوب القلق لدى دول الجوار، التي ترى في أي انهيار مفاجئ سيناريو محفوفاً بالمخاطر، لا يقل خطورة عن بقاء التوتر عند مستوياته الحالية.
تزامن ذلك مع حديث إسرائيلي متكرر عن إعادة إيران بناء قدراتها الصاروخية البالستية التي تضررت في الحرب الأخيرة، وهو ما دفع تل أبيب إلى السعي للحصول على ضوء أخضر أمريكي لشن هجوم جديد، وفق تسريبات متداولة في الإعلام العبري.
وسط هذه المعادلة المعقدة، تحاول الدبلوماسية الخليجية شق طريق ثالث، لا ينحاز إلى منطق الانفجار، ولا يتجاهل واقع الضغوط المتراكمة. يتحرك هذا المسار على خيط رفيع، بين تفادي الحرب، والحفاظ على استقرار إقليمي بات مهدداً بتداعيات تتجاوز حدود أي دولة بعينها.
تتقدم الاتصالات الهاتفية هنا كأدوات لشراء الوقت، وإعادة ترتيب الأولويات، وإرسال إشارات تهدئة في فضاء يضج برسائل القوة. في المقابل، تبقى المنطقة معلّقة على احتمالات متناقضة، حيث يمكن لجملة واحدة، أو قرار متسرّع، أن يبدّل مسار الأحداث، ويفتح أبواباً يصعب إغلاقها.
في هذا المشهد المفتوح، يبدو أن الدبلوماسية تحاول أن تتكلم قبل أن تتقدم الطائرات، وأن تفرض منطق العقل قبل أن يفرض منطق النار كلمته الأخيرة.