بغداد ـ «القدس العربي»: بدأت الحكومة العراقية برئاسة محمد شياع السوداني، بالتحرك لإيجاد مخرج من الأزمة المالية التي يبدو أن تأثيرها بدأ يتسرب إلى عموم مفاصل الدولة، متخذة جمّلة من القرارات، أبرزها بيع أصناف من السيارات والمعدات الحكومية، فضلاً عن وقف ابتعاث الموظفين إلى دول الخارج، في خطوة تواجه تضارباً لدى المختصين بشأن مدى أهميتها في تدارك الأزمة.
حزمة إجراءات
وأظهرت وثائق صادرة عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء، إقرار الأخير توصية المجلس الوزاري للاقتصاد، والتي تضمنت حزمة إجراءات مالية وإدارية، تخصّ الموظفين وأملاك الدولة.
وحسب الوثائق المُتداولة، فإن مجلس الوزراء وافق على توصيات المجلس الوزاري للاقتصاد (26005 ق) والمتضمنة «بيع جميع السيارات عدا الإنتاجية التابعة للوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة التي مضى على سنة صنعها 15 سنة، بالإضافة إلى تخفيض حصص الوقود المخصصة لجميع الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة بمقدار 50٪».
كما قرر المجلس «اعتماد الشهادة الدراسية التي جرى تعيين الموظف بها في دوائر الدولة أول مرة شهادة نهائية، بالإضافة إلى عدم احتساب الشهادات التي يجري الحصول عليها في أثناء الوظيفة لجميع الأغراض بعد المباشرة، باستثناء الملاكات التدريسية في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بأضيق الحدود».
وقرر المجلس أيضاً «إيقاف احتساب الشهادات بدءاً من تاريخ 2 كانون الثاني/ يناير الجاري 2026 لمن لم يُشمل بالإجازة الدراسية، وإيقاف النقل إلى الوزارات التي يترتب على النقل أو التنسيب إليها زيادة في التخصيص المالي، بالإضافة إلى إيقاف الابتعاث إلى الخارج على حساب الدولة لجميع الاختصاصات لمدة 5 سنوات، وإيقاف منح الإجازات الدراسية في دوائر الدولة كافة لمدة 5 سنوات».
هذه الإجراءات الحكومية واجهت انتقاداً لدى الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي، الذي وصف قرارات حكومة تصريف الأعمال، المتضمنة وقف تمويل ابتعاث الموظفين وبيع فئات من سيارات الدولة، بأنها «اعتراف ضمني بوجود أزمة مالية حقيقية».
وقال في «تدوينة» له، إن «الحكومة العراقية بدأت (بتصفية موجوداتها) ووقف الإنفاق على أبواب صرف متعددة، في اعتراف ضمني بوجود أزمة مالية حقيقية تعاني منها الحكومة».
ورأى أن «بيع سيارات قديمة ومعدات مستهلكة ووقف تمويل الابتعاث تعتبر خطوة سليمة لترشيد الانفاق، لكنها ثانوية وغير كافية لوحدها لسدّ فجوة العجز المالي الكبير، والذي يتطلب خطوات وقرارات أكبر وأكثر جراءة وصرامة توازي ضخامة العجز الذي تعاني منه الحكومة».
خبير قال إنها حلول «ثانوية وغير كافية»… وآخر: ستوفر مئات ملايين الدولارات
واعتبر أنه «كان الأولى بالحكومة البدء بمراجعة سلم الرواتب وضبط وترشيد رواتب الدرجات العليا والخاصة ومخصصاتهم المليارية، ومكافحة حالة تعدد الرواتب والرواتب الوهمية والتي تقدر بعشرات الآلاف والتي تستنزف موارد مالية هائلة بصورة غير عادلة».
ولفت إلى أنه «بدل أن يكون التركيز على آليات مؤسسات الدولة، كان الأولى التركيز على المؤسسات نفسها وخصوصاً شركات القطاع العام، والتي تستنزف موارد مالية كبيرة دون مردود اقتصادي يرفد مالية الحكومة، ويكون ذلك عبر تصفية وبيع كل الشركات الخاسرة او إعادة هيكلتها وفتح الباب لشراكة استثمارية مع القطاع الخاص لتحويل تلك الشركات من شركات خاسرة ذات نموذج عمل قديم الى شركات ذات أداء وإنتاج وربحية».
وأضاف: «كل ذلك وغيره من خطوات مهمة لم تعطه الحكومة العراقية الأولوية المطلوبة في خطتها لضبط الانفاق، واكتفت بإعطاء الأولوية لضبط أبواب إنفاق ثانوية لن تساعدها كثيراً في تحقيق الانضباط المالي المطلوب».
وأشار إلى أن «الحكومة كما هو واضح، لا تريد استفزاز الكبار ولا تريد التأثير على منطقة الراحة التي يتنعمون فيها هم ومن معهم من أتباع ومؤيدين، لذلك قررت الاكتفاء بالحلول الشكلية مع الاستمرار في تحمّل كامل العبء المالي، حتى وإن أدى ذلك لمزيد من العجز والأزمات المالية التي ترهق الاقتصاد والمواطن».
أما الخبير القانوني جمال الأسدي، فكان له رأي آخر، إذ أفاد بأن تطبيق القرار الحكومي بالنص الكامل ومن دون استثناءات من شأنه أن يحقق وفورات مالية كبيرة على الموازنة العامة للدولة.
الإنفاق الحكومي
وذكر في «تدوينة» له أيضاً، أن «تنفيذ القرار سيوفر أولاً بيع ما يقارب 110 آلاف مركبة مختلفة، بعائدات مالية تصل إلى نحو 250 مليون دولار»، مشيرا إلى أن «حجم الإنفاق الحكومي السنوي على الوقود يبلغ قرابة 2.5 تريليون دينار وتخفيضه بنسبة 50٪ سيسهم في تقليل النفقات بما يعادل نحو 760 مليون دولار».
وأضاف أن «إيقاف الإيفادات والابتعاث والإجازات الدراسية لمدة خمس سنوات سيوفر نحو 400 مليار دينار سنوياً، أي ما يعادل قرابة 275 مليون دولار، فضلاً عن أن ضبط العناوين الوظيفية والشهادات من شأنه أن يحقق وفراً يقدّر بنحو 275 مليار دينار سنوياً، بما يعادل حوالي 200 مليون دولار».
وبيّن الأسدي أن «تفعيل ملف إعادة التصدير والمناطق الحرة يمكن أن يوفر نحو 400 مليون دولار سنوياً، إلى جانب تحقيق وفر إضافي يقدّر بنحو 200 مليون دولار سنوياً من خلال تنظيم أجور خدمات الحماية التابعة لوزارة الداخلية».
وأشار إلى أن «إجمالي المبالغ الممكن توفيرها سنوياً في حال تطبيق القرار يقدّر بنحو ملياري دولار»، لافتاً إلى «وجود حلول أخرى إضافية غير هذه الإجراءات قد تحقق وفورات تتجاوز 8 مليارات دولار سنوياً إلا أنها قد تواجه اعتراضات من قبل الجهاز الوظيفي».
يأتي ذلك في وقتٍ كشف فيه النائب محمد الخفاجي، عن طلب حكومة محمد شياع السوداني من شركة «بي أم دبليو»، سيارات للقمة العربية، كلفتها 10 مليارات دينار عراقي (أكثر من 7 ملايين و600 ألف دولار).
ووفق «تدوينة» للنائب، فإنه «بمناسبة بيع السيارات الحكومية، كانت كلفة شراء سيارات القمة العربية 10 مليارات دينار عراقي، لكن أين الكارثة؟ أن الحكومة طلبت مواصفات الـ بي إم دبليو تكون 10 سليندر وتصفيح ليس موجوداً أصلاً؟!».
وقال النائب إن «الشركة أجابتهم بعدم وجود مواصفات كهذه»، متهكماً: «تريدون تطيرون بيها للقمر لو (أو) تدخلون اختبار تفجير نووي؟!».
وأضاف: «تلاحظون حجم المغالة والتفريط والهدر بالمال العام؟»، مبيناً أن «تكاليف الضيافة والإتيكيت ليوم واحد بـ 60 مليار دينار عراقي (نحو 46 مليون دولار)».