بغداد/موقف المسلة: في أعماق الشرق الأوسط، حيث تتقاطع مصالح الإمبراطوريات وتتنافس الدول على بقعة من الرمال الدامية، تندلع التظاهرات في إيران.
لكن ما أسرع أن تتحول هذه الاحتجاجات المطلبية في شعاراتها في البداية، إلى أداة في يد جهات دولية وعالمية، تسعى بكل ما أوتيت من مكر ودهاء إلى تعويمها، ليس لإنصاف الشعب، بل لإسقاط النظام السياسي بأكمله.
هذا ليس مجرد تغيير بريء ، بل إعادة رسم خارطة المنطقة برمتها، لصالح التحالف العربي الأمريكي الإسرائيلي، الذي يرى في سقوط طهران فرصة ذهبية لترسيخ هيمنته، وإعادة ترتيب التوازنات الجيوسياسية على مقاس مصالحه الاستعمارية.
أما العراق، الجار الذي يعاني من جروحه الداخلية منذ عقود، فسيكون أول الضحايا في هذه العاصفة.
وإذا نجح المشروع الخارجي في إغراق إيران في فوضى عارمة، فإنها لن تكون مجرد أزمة عابرة، بل سنوات طويلة من الاضطرابات، حيث تتسرب النيران عبر الحدود كالوباء الذي لا يعرف حواجز.
العراق، لن ينجو من هذا الطوفان؛ بل سيكون أول المتأثرين، حيث تتحول حدوده إلى ممرات للإرهابيين والميليشيات، ويغرق في دوامة من العنف.
المنطقة بأسرها، من الخليج إلى الشام، ستسير على صفيح ساخن، ملتهب بحروب داخلية لا تنتهي، وتقسيم دول إلى كيانات صغيرة متناحرة، كأنها أحجار دومينو تتساقط واحدة تلو الأخرى.
كل هذا الخراب، في النهاية، يصب في مصلحة إسرائيل، التي تتربص بالمنطقة كالذئب الماكر، مستفيدة من تفكك الدول المعادية لها، وتعزيز أمنها عبر إضعاف الآخرين.
إنها لعبة جيوسياسية كبرى، تفوق قدرات الدول المجاورة لإيران – ومنها العراق – على احتوائها، فالتوازنات الإقليمية المعقدة، المشبعة بالتحالفات السرية والعداءات المكبوتة، تحول دون أي تدخل فعال، تاركة الشعوب عرضة لرياح التغيير العنيف.
أما الأمل، فمعقود على الشعب الإيراني نفسه، ذلك الشعب العريق الذي يمتلك تاريخاً من الصمود والحكمة. يجب أن يدرك أن أعمال القتل والتخريب، وتحطيم البنية التحتية، لن تؤدي إلا إلى جعله الخاسر الأكبر في هذه المعمعة.
لا أحد ينكر حق كل شعب في التظاهر السلمي، من أجل تحسين الأوضاع العامة والمطالبة بحقوقه المشروعة، لكن عندما تتحول هذه التظاهرات إلى مشروع تخريبي يهدف إلى تقسيم البلاد وتفكيك نسيجها الاجتماعي، فإنها تصبح كارثة عظيمة، لا على الإيرانيين وحدهم، بل على كل البلدان المجاورة التي ستدفع ثمن هذا الجنون المدبر.