القاهرة ـ «القدس العربي»: أيام قليلة وتنعقد الجلسة الأولى لمجلس النواب المصري الجديد، بعد انتخابات هي الأطول في تاريخ انتخابات البرلمان المصري، حيث بدأت بتلقي طلبات الترشح في 8 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، وجرت أول عملية تصويت يوم السابع من تشرين الأول/اكتوبر الماضي، واستمر حتى الرابع من كانون الثاني/يناير الجاري.
وشهدت الانتخابات انتقادات واسعة، بعضها تعلق بالقانون نفسه الذي أقره مجلس النواب، الذي نص على نظام مختلط يجمع بين النظام الفردي ونظام القائمة المغلقة بنسبة 50 في المئة لكل منهما، في وقت طالبت المعارضة بنظام القائمة النسبية، واعتبرت ان القائمة المطلقة تهدر أصوات الناخبين.
وعلى غرار انتخابات مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، رفضت الهيئة الوطنية للانتخابات أوراق جميع القوائم المترشحة ضد «القائمة الوطنية» في جميع الدوائر المخصّصة لنظام القائمة المغلقة، ما سهّل من عملية فوزها بجميع المقاعد، بالحصول على نسبة 5 في المئة فقط من إجمالي المقيدين بقاعدة بيانات الناخبين، وفق القانون.
وشهدت الانتخابات الأخيرة، جدلا واسعا، بسبب عدد الطعون التي تقدم بها مرشحون على نتائجها، وشكوى آخرين من سيطرة المال السياسي وتدخلات الأجهزة الأمنية فيها، ما دعا السيسي نفسه لمطالبة الهيئة الوطنية للانتخابات لمراجعة نتائج المرحلة الأولى، وإبطال نتائج أكثر من ثلثي دوائر المرحلة، إضافة إلى انخفاض نسبة التصويت ما فسره مراقبون بعزوف المواطنين عن المشاركة.
الحركة المدنية
ورغم انتهاء الانتخابات التي سيطرت عليها أحزاب الموالاة، إلا أن الجدل بشأن نتائجها استمر.
ونفت الحركة المدنية الديمقراطية ما جرى تداوله بشأن تمثيلها بـ32 عضواً في البرلمان الجديد، مؤكدة أن هذه المعلومات «غير صحيحة على الإطلاق».
وقالت الحركة، في بيان لها تعليقاً على منشور عبر منصة «فيسبوك» لضياء رشوان، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، إن الغالبية العظمى من الأسماء التي أُشير إليها ترشحت ضمن ما عُرف بـ«القائمة الوطنية»، التي أعدتها أحزاب موالية للسلطة، ولا تمثل الحركة تنظيمياً أو سياسياً.
وأضاف البيان أن هذه القائمة خاضت الانتخابات منفردة بعد إقصاء القوائم الأخرى من دون إبداء أسباب، لافتا إلى أنها استخدمت المال السياسي لاستقطاب الناخبين وتوجيههم للتصويت لصالحها، ورغم ذلك لم تحصد – بحسب البيان – أكثر من 11 في المئة من الأصوات.
وأكدت الحركة المدنية الديمقراطية أنها أعلنت أكثر من مرة عدم خوضها الانتخابات البرلمانية بالتنسيق مع أحزاب الموالاة أو الأجهزة الأمنية، سواء على المقاعد الفردية أو من خلال قائمة موحدة، لافتة إلى أنها تركت لأحزابها الأعضاء حرية خوض الانتخابات وفق ضوابط سبق أن أقرتها الحركة.
وشددت الحركة على أنها غير مسؤولة عن مشاركة بعض أعضاء الأحزاب التي كانت قد جمّدت عضويتها بالحركة في الانتخابات عبر «القائمة الوطنية»، منذ انتخابات الرئاسة الماضية.
وفي ختام بيانها، وجهت الحركة المدنية الديمقراطية الشكر والتحية للأحزاب والشخصيات العامة المنتمية إليها التي التزمت بالموقف المعلن للحركة، وخاضت الانتخابات بجهود ذاتية ومن دون تنسيق مع أحزاب الموالاة، متهمة هذه الأحزاب بإفساد الحياة السياسية عبر استخدام المال السياسي وارتكاب انتهاكات ممنهجة أثرت سلباً على نزاهة العملية الانتخابية.
وفي إطار النتائج النهائية المعلنة من الهيئة الوطنية للانتخابات، زعمت دراسة إحصائية أعدتها إحدى الوحدات البحثية المتخصصة في الهيئة العامة للاستعلامات ـ هيئة حكوميةـ عن مؤشرات رقمية مهمة تعكس التكوين الأولي لمجلس النواب الجديد، وذلك بعد الانتهاء من آخر جولات الإعادة للانتخابات البرلمانية.
سيطرة المولاة
وبينت الدراسة أن أحزاب المعارضة حصلت على 53 مقعدًا، بما يمثل نحو 10 في المئة من إجمالي الأعضاء المنتخبين بالمجلس، موزعة على 8 أحزاب سياسية، واستحوذت الأحزاب المنتمية للحركة المدنية الديمقراطية على 32 مقعدًا، ما يعادل 60 في المئة من إجمالي مقاعد أحزاب المعارضة.
وتوزعت مقاعد المعارضة بين الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي وحزب العدل بواقع 11 مقعدًا لكل منهما، يليه حزبا الإصلاح والتنمية والوفد بـ9 مقاعد لكل حزب، ثم حزب النور بـ6 مقاعد، وحزب التجمع بـ5 مقاعد، بينما حصل كل من حزبي المحافظين والوعي على مقعد واحد.
ولفتت الدراسة إلى أن أحزاب «القائمة الوطنية من أجل مصر» خسرت 82 مقعدًا في الانتخابات الفردية لصالح المرشحين المستقلين، ليرتفع إجمالي عدد مقاعد المستقلين إلى 105 مقاعد، بما يزيد على 18 في المئة من إجمالي أعضاء المجلس المنتخبين.
وطبقا للدراسة، يبلغ إجمالي مقاعد أحزاب المعارضة والمستقلين معًا 158 مقعدا، بنسبة تصل إلى 28 في المئة من أعضاء مجلس النواب، وهو ما يعكس تنوعًا في الخريطة السياسية للمجلس الجديد، الذي يضم 15 حزبًا سياسيًا، من بينها 8 أحزاب معارضة و7 أحزاب مؤيدة.
واعتبرت الدراسة أن مرشحي الأحزاب التي جمدت عضويتها في الحركة المدنية الديمقراطية التي تمثل جبهة المعارضة، وأعلنت مشاركتها في الانتخابات ضمن قائمة الموالاة، مبررة موقفها بشعار الحيز المتاح.
وكانت النائبة نيفين إسكندر، مرشحة القائمة الوطنية من أجل مصر، أثارت جدلا واسعا، بتصريحات قالت فيها إن هناك تخوفا من الكلام في السياسة، السياسة يا تحكم يا تتحبس في العالم كله، السياسي إما أن يقول كلمة تجعله ينفع يقود ويحكم يا يتحبس.
وأضافت إسكندر، خلال لقائها عبر برنامج الحكاية، عبر قناة «إم بي سي»: أنا قررت أكون صوت لـ 22 مليون شاب من جيل زد، لافتة إلى أن الانتخابات مناخ سياسي يتطور وينمو.
وشن الكاتب والمفكر السياسي الدكتور عمار علي حسن هجوماً حاداً على التصريحات الأخيرة للنائبة نيفين إسكندر، معتبراً أن حديثها حول مفهوم السياسة يمثل «كارثة فكرية» تهدد مستقبل العمل العام في مصر، وذلك رداً على عبارتها المثيرة للجدل: «السياسة في العالم كله يا تحكم يا تتحبس».
وتساءل حسن في سياق نقده عن المصدر الذي استقت منه النائبة هذا المفهوم الصادم، مستبعداً أن يكون نتاج دراستها الأكاديمية أو تجربتها الحزبية السابقة في صفوف المعارضة، وموجهاً تساؤلاً استنكارياً حول ما إذا كان هذا الطرح هو نتاج ما تلقته في «تنسيقية شباب الأحزاب».
وأعرب حسن في منشور على صفحته الرسمية على موقع فيسبوك، عن مخاوفه من تحول مفاهيم جيل الساسة الجدد من «فن إدارة الخلاف» وتعدد الآراء لصالح العامة، إلى «معادلة صفرية» لا تعترف إلا بطرفين فقط هما السلطة أو الزنزانة.
ووصف عمار عبارة النائبة بأنها رؤية «كابوسية متشائمة» غارقة في القمع ومعادية لقيم الحرية، مؤكداً أن خطورة التصريح تكمن في اعتبار التعددية السياسية جريمة تودي بأصحابها إلى السجون. وأوضح أن هذه الرؤية تعكس كفراً صريحاً بجوهر العمل السياسي الذي يقوم في الأصل على المساحات المشتركة والممارسة الديمقراطية، وليس على التقييد والترهيب.
كما توقف حسن عند إصرار النائبة على تعميم مقولتها بأن السياسة «في العالم كله» تدار بهذا المنطق، واصفاً هذا التعميم بالخطأ الجسيم والكارثي.
ولفت إلى أنه كان من الأوقع للنائبة أن تحصر حديثها في إطار تجربتها الشخصية أو ما لقنت إياه في السنوات الأخيرة، بدلاً من إطلاق أحكام مطلقة تسيء لتعريف السياسة وتضع كل المهتمين بالشأن العام في مهب الخطر، محذرا من مغبة تبني هذا التعريف الذي يهدم أسس الدولة المدنية الحديثة.
ووفقًا لقانون مجلس النواب وتعديلاته الأخيرة في حزيران/يونيو الماضي، يبلغ عدد أعضاء مجلس النواب 568 عضوًا، يُنتخب نصفهم بالنظام الفردي وعددهم 284، والنصف الآخر بنظام القوائم، وعددهم 284 أيضًا.
ويمنح القانون رئيس الجمهورية الحق في تعيين ما لا يزيد عن 5 في المئة من إجمالي الأعضاء، أي 28 عضوًا، وبذلك يصبح العدد الكلي لأعضاء مجلس النواب المنتخبين والمعينين 596 عضوًا.
وفتحت الانتهاكات التي شهدتها انتخابات مجلس النواب المصري، الباب للحديث عن التحولات الحاسمة التي شهدها مسار الإشراف القضائي على الانتخابات خلال السنوات الماضية.
ويمثل دستور عام 2014 أكثر تحول حاسم في هذا المسار، إذ تجاوز عمليا ما أقره دستور 1971، وما كرسه حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر عام 2000 من حيث تأكيده مبدأ الإشراف القضائي الكامل على جميع مراحل العملية الانتخابية، حسب تقرير للجبهة المصرية لحقوق الإنسان.
وبينت الجبهة في تقرير حمل عنوان «الهيئة الوطنية للانتخابات: هيمنة تنفيذية وإشراف قضائي رمزي»، أن الدستور الذي أقرته مصر عام 2014، تبنى نهجا مختلفًا يقوم على تفكيك الإشراف القضائي بصورة دستورية تدريجية تمتد لعقد كامل ينتهي في عام 2024، بحيث يتم الانتقال من الإشراف القضائي المباشر إلى نموذج إدارة انتخابية دائمة تتولاها هيئة وطنية حكومية مستقلة شكليا، ومنفصلة عن القضاء مؤسسيا.
ولفت التقرير إلى نص المادة (208) من الدستور على إنشاء الهيئة الوطنية للانتخابات كهيئة مستقلة تختص من دون غيرها بإدارة الانتخابات والاستفتاءات، متولية مهام إعداد وتحديث قاعدة بيانات الناخبين، واقتراح تقسيم الدوائر، وتنظيم إجراءات التصويت والفرز، وحتى إعلان النتائج النهائية، أما المادة (209) فقد عهدت بإدارة الهيئة إلى مجلس مكون من عشرة أعضاء ينتدبون كليا من بين نواب رئيس محكمة النقض، ورؤساء محاكم الاستئناف، ونواب رئيس مجلس الدولة، وهيئة قضايا الدولة والنيابة الإدارية، لمدة 6 سنوات غير قابلة للتجديد، ويختارهم مجلس القضاء الأعلى الذي يرأسه رئيس الجمهورية، وذلك وفق تعديلات دستور 2019، إلى جانب المجالس الخاصة للهيئات القضائية التي بات رئيس الجمهورية يختار رؤسائها بموجب القانون رقم 13 لسنة 2017.
النيابة الإدارية
وقضايا الدولة
تناول التقرير كيف حاولت السلطة الخروج من مأزق التفسيرات الدستورية حول مفهوم الإشراف: أجاز الدستور للهيئة أن تستعين بمن تراه من الشخصيات العامة، والمتخصصين، وذوى الخبرة في الشأن الانتخابي بدون أن يكون لهم حق التصويت، كما نصت المادة (210) على أن إدارة الاقتراع والفرز تتم بواسطة أعضاء تابعين للهيئة تحت إشراف مجلس إدارتها، مع جواز الاستعانة بأعضاء من الهيئات القضائية، والتي هي بحسب الفصل الخامس من الدستور الحالي هيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة، وألزم الدستور بأن تٌجرَى الانتخابات خلال السنوات العشر التالية لإقراره تحت إشراف قضائي كامل من أعضاء الجهات والهيئات القضائية المختلفة.
وبين التقرير أن هذا الجمع الدستوري بين الجهات (كالقضاء العادي ومجلس الدولة والمحكمة الدستورية) والهيئات القضائية (كالنيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة) أدى إلى تمكين وجهة نظر السلطة التنفيذية بشأن إشراك الهيئتين الأخيرتين في الإشراف على الانتخابات في العشر سنوات المنصوص عليها في الدستور، رغم أنهما لا تمثلان هيئات قضاء بالمعنى الموضوعي؛ فالأولى تختص بالتحقيقات الإدارية، والثانية تمثل الحكومة أمام القضاء.
وأكدت أن هذا الدمج مثل امتدادًا لما ورد لأول مرة في دستور 2012 الذي نصّ على إدراجها تحت باب «الهيئات القضائية»، وهو ما حافظ عليه دستور 2014 بعد خلافات بين الهيئات القضائية حول طبيعة هذا الإدراج.
الهيئة الوطنية للانتخابات
وبينت أن القانون رقم 198 لسنة 2017 الخاص بإنشاء الهيئة الوطنية للانتخابات كشف عمليا عن الطابع التنفيذي الحكومي للهيئة، إذ أجاز انتداب العاملين المدنيين في الدولة وغيرهم لإدارة الاقتراع والفرز، ما يعيد الدور البيروقراطي للجهاز الإداري في صميم العملية الانتخابية، ويستدعي صور التلاعب التي كانت سائدة في فترات سابقة. كما قصر إعلان النتائج النهائية على مجلس إدارة الهيئة دون سواه، ما قلص من مبدأ الشفافية والرقابة القضائية المباشرة.
وتابعت: أظهر القانون أيضا أن الجهاز التنفيذي للهيئة يملك فعليا معظم صلاحياتها، بما في ذلك إعداد التنظيم الإداري والمالي والفني ومشروع الموازنة العامة، فضلا عن إعداد قاعدة بيانات العاملين الذين يجوز ندبهم لإدارة عمليات الاقتراع والفرز. وقد أسندت إدارة هذا الجهاز إلى مدير تنفيذي، وثلاثة نواب يختارهم رئيس الجمهورية من بين مرشحين يرشحهم مجلس إدارة الهيئة من العاملين بالجهاز الحكومي أو الهيئات القضائية أو من ذوي الخبرة، لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد، وبذلك، أصبح لرئيس الجمهورية الدور المباشر في تعيين مجلس إدارة الهيئة والجهاز التنفيذي الذي يتولى فعليا إدارة الانتخابات، ما يعني أن من يشرفون على العملية الانتخابية هم موظفون إداريون تابعون للجهاز الحكومي، لا قضاة مستقلون.
السلطة التنفيذية
وتابعت: هذا التحول الدستوري، الذي جرى تقديمه بوصفه خطوة نحو «الاستقلال الدائم للإدارة الانتخابية»، أدى في الواقع إلى إعادة إنتاج السيطرة التنفيذية على العملية الانتخابية عبر آليات دستورية وقانونية جديدة هذه المرة، الأمر الذي مهد الطريق – في الممارسة الفعلية – لانحياز الهيئة الوطنية للانتخابات للأحزاب الموالية للسلطة التنفيذية، فقد أدارت الهيئة الوطنية الانتخابات في السنوات الماضية بشكل جعل من السهل الحفاظ على النسب التاريخية للسلطة التنفيذية بما يتيح لها تمرير الإجراءات والقوانين العادية والاستثنائية وتعديل الدستور وإعادة ترشيح رئيس الجمهورية، بما أعاد صياغة التوازن بين الدولة وصندوق الاقتراع في اتجاهٍ يُكرّس مركزية الدولة ويُقيد إمكانات التنافس السياسي الحقيقي.
انتخابات الرئاسة
ولفت التقرير إلى انعكاس أداء الهيئة الوطنية للانتخابات التمييزي لصالح السلطة التنفيذية والأمنية: في انتخابات 2020 حيث جاء البرلمان بأغلبية لصالح الأحزاب التابعة للنظام والأجهزة الأمنية مثل حزب مستقبل وطن في مقابل تراجع مقاعد المستقلين والمعارضة، ما أسفر عن هيئة تشريعية خاضعة بالكامل للسلطة التنفيذية، تعكس سيطرة الأجهزة الأمنية على العملية السياسية.
وواصلت: على مستوى انتخابات الرئاسة، شهدت الأعوام 2018 و2024، انخراط الهيئة في خروقات لصالح رئيس السلطة التنفيذية، إذ تم اعتقال أو تحييد المرشحين الجادين من قبل السلطات الأمنية والعسكرية، ورفضت الهيئة الوطنية للانتخابات الاعتراف بالانتهاكات المتعددة التي شابت العملية الانتخابية.
وزادت: وفي انتخابات الرئاسة لعام 20124، وصل الأمر إلى مستويات غير مسبوقة من التواطؤ، حيث تحالفت الهيئة الوطنية مع حزب «مستقبل وطن»، ووزارة الداخلية خلال مرحلة جمع التوكيلات لمنع أنصار المرشح أحمد الطنطاوي من ممارسة حقوقهم، مع رفض السماح لممثلي حملته بتقديم شكاوى، وهو ما وثقته عدة فيديوهات، مما أثر سلبًا على ثقة الجمهور والأطراف السياسية في نزاهة العملية الانتخابية.
المحطة الأولى
ولفتت إلى أن انتخابات مجلس الشورى التي عقدت في آب/اغسطس الماضي، مثلت المحطة الأولى لتطبيق النظام الجديد للإشراف على العملية الانتخابية، إذ جرى تنظيمها للمرة الأولى من دون مشاركة القضاء العادي أو قضاة مجلس الدولة في الإشراف المباشر على اللجان. وبدلا من ذلك، أوكلت مهمة الإشراف إلى أعضاء هيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة، حيث أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات تولي نحو 10600 عضو من هاتين الهيئتين مهام الإشراف بعد إخضاعهم لبرامج تدريبية نفذت عبر تقنية الفيديو كونفرانس.
وفيما يتعلق بانتخابات مجلس النواب الجارية حاليا، امتنعت لجان فرعية في عدة دوائر عن تسليم مندوبي المرشحين المحاضر الرسمية المختومة بنتائج الفرز، تنفيذا لتوجيهات صادرة عن الهيئة الوطنية للانتخابات. كما شابت العملية الانتخابية حالات تلاعب في الأعداد المعلنة للأصوات بين اللجان الفرعية واللجان العامة، وجرى التلاعب لصالح مرشحين محسوبين على أحزاب الموالاة.
وشدد التقرير على أن النص الدستوري يحول دون العودة للإشراف القضائي بصورته الكلاسيكية، بعد نجاح محاولات السلطة التنفيذية المتواصلة لإلغائه التي امتدت لما يقرب من ربع قرن.
وتابعت: في الوقت الراهن، تدار الانتخابات من قبل هيئة حكومية تحت سيطرة السلطة التنفيذية، وتتمثل مهمتها الحقيقية في ضمان بقاء مخرجات التمثيل السياسي لصالح هذه السلطة، وربما يكون من الأجدر التركيز على تعزيز عمل هذه الهيئة.
وقالت: وعلى الرغم من المطالب الدولية بإنشاء هيئات مستقلة لإدارة الانتخابات- حيث تعتمد نحو 75 في المئة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على مثل هذه الهيئات- إلا أن تحقيق عملية انتخابية حقيقية ونزيهة يتطلب أكثر من مجرد الاستقلال الإجرائي أو الشكلي؛ إذ يتطلب الاستقلال المؤسسي الفعلي الذي يمنح هيئة إدارة الانتخابات القدرة على التحكم الكامل في العملية الانتخابية، ومنع تدخل المؤسسات الأمنية والتنفيذية والمال السياسي، ذلك أن القيمة الحقيقية التي مكنت القضاء سابقا من إدارة الانتخابات لم تكن مجرد الصفة القضائية، بل بما يتمتع به من الاستقلال المؤسسي النسبي الذي حافظ عليه لعقود، وهو ما تفتقر إليه الهيئة الوطنية للانتخابات في صيغتها الحالية.
وأوصت المنظمة الحقوقية، بتوفير مناخ داعم لاستقلالية ونزاهة عمل الهيئة الوطنية للانتخابات، عبر توفر إرادة سياسية واضحة للتحول إلى نموذج إدارة انتخابية مستقل عن السلطة التنفيذية، وعبر إدخال تعديلات دستورية وتشريعية تضمن استقلالا فعليا وحقيقيا للهيئة الوطنية للانتخابات، بحيث تصبح جهة منفصلة مؤسسيا وإداريا عن الحكومة وأجهزتها، وحظر تدخل الأجهزة الأمنية في العملية الانتخابية، بما في ذلك منع أي تواصل بينها وبين المرشحين أو العاملين في اللجان الانتخابية، وقصر دورها على مهام التأمين الخارجي وضبط النظام العام فقط من دون الاقتراب من إدارة العملية أو التأثير في سيرها.
كما دعت إلى توسيع نطاق الرقابة الانتخابية المستقلة من خلال تسهيل اعتماد منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية، وإزالة القيود الأمنية والإدارية على عملها، وتمكينها فعليا من الوصول إلى مراكز الاقتراع والفرز ومتابعة جميع مراحل العملية الانتخابية، واختيار العاملين والإداريين داخل اللجان الانتخابية من كوادر غير تابعة للجهاز التنفيذي للدولة، مع إنشاء برامج تدريب متخصصة تشرف عليها الهيئة الوطنية للانتخابات لضمان مهارات مهنية محايدة، بعيدا عن نفوذ الوزارات والجهات الحكومية.