الوثيقة | مشاهدة الموضوع - إيران أمام مأزق تاريخي: هل ينجو النظام بـ«تسويات خارجية» أم هي بداية النهاية من الداخل؟
تغيير حجم الخط     

إيران أمام مأزق تاريخي: هل ينجو النظام بـ«تسويات خارجية» أم هي بداية النهاية من الداخل؟

مشاركة » الأحد يناير 11, 2026 9:50 am

4.jpg
 
دخلت إيران مع مطلع كانون الثاني/يناير 2026 مرحلة جديدة من الاضطراب الداخلي، تجاوزت فيها الاحتجاجات طابعها الاقتصادي المباشر لتتحوّل إلى أزمة سياسية مركّبة تمسّ جوهر شرعية النظام وآليات حكمه. فما بدأ كتعبير عن الغضب إزاء الانهيار المتسارع للعملة، وارتفاع الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية، سرعان ما اتَّخذ بعداً سياسياً صريحاً، مع تصاعد الشعارات المناهضة للنظام، واتساع رقعة الاحتجاجات لتشمل المدن الكبرى والمحافظات، من طهران إلى الأطراف.
لا يمكن قراءة هذه الاحتجاجات بمعزل عن السياق البنيوي لمأزق طهران والتراكمات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، كما لا يمكن فصلها عن البيئة الإقليمية والدولية الضاغطة، حيث تتقاطع العقوبات والصراعات الإقليمية والتجاذبات مع الولايات المتحدة وحلفائها.
تميّزت الاحتجاجات الراهنة في إيران بثلاث سمات رئيسية هي: الانتشار الجغرافي الواسع، والاستمرارية الزمنية، وارتفاع مستوى العنف المتبادل.فوفق التحديثات اليومية، لم تعد التظاهرات محصورة في مراكز حضرية كبرى، بل امتدت إلى مدن متوسطة وصغيرة، وحتى إلى مناطق تُعدُّ تقليدياً أقلّ انخراطاً في الاحتجاجات السياسية. ويعكس هذا الانتشار حالة سخط اجتماعي عابر للطبقات والفئات، مع تماهي بين التجار وشرائح من الطبقة الوسطى المتآكلة، والعمال، إضافة إلى طلاب وشباب.
في واقع الأمر، لا تكمن خطورة الاحتجاجات في عدد المدن وحده، بل في نوعيتها. فالنظام يواجه في آنٍ واحد احتجاجاً مركزياً في طهران أطلق «البازار الكبير» شرارته، وتمرداً اجتماعياً في المدن الفارسية الكبرى، وضغطاً قوميّاً في الأطراف التركية والكردية والعربية والبلوشية، وكل ذلك في سياق اقتصادي خانق وعزلة دولية متصاعدة. هذا التزامن يضع الجمهورية الإسلامية أمام معادلة غير مسبوقة: أي تصعيد مفرط في الأطراف قد يفتح أبواب التفكّك، وأي تساهل في المركز قد يُشجِّع على مزيد من الانفجار. لذلك، فإن خريطة المدن المحتجة اليوم ليست مجرد خلفية للمشهد، بل هي جوهر الأزمة، لأنها تعكس أن النظام يواجه تحدياً شاملاً للدولة، لا احتجاجاً موضعياً قابلاً للاحتواء.

الجغرافيا المتمردة بين انهيار المركز وصعود الهامش

امتدت الاحتجاجات، حتى يومها الثالث عشر، إلى مدن كبرى ومحورية تمثل، كلٌ منها، مصدر تهديد مختلف للنظام، سواء من حيث الوزن السياسي أو الطابع القومي أو الحساسية الجغرافية: طهران عاصمة البلاد ومركز القرار وقلب النظام وثقل «البازار الكبير» في تحالفه مع الجمهورية الإسلامية؛ أصفهان وشيراز، المدينتان الفارسيتان اللتان تمثلان العمق الصناعي والثقافي لإيران؛ مشهد ذات الرمزية الدينية العالية، وأحد معاقل النظام الأساسية؛ تبريز، عاصمة أذربيجان الشرقية ذات الغالبية التركية، وما لها من أهمية استثنائية لما تحمله من ثقل تاريخي وقومي، وارتباط بحساسية تركية-آذرية إقليمية تجعل أي تصعيد فيها قابلاً للتحوُّل إلى أزمة تتجاوز الداخل الإيراني؛ كردستان في الجنوب الغربي، ومدنها سنندج وسقز ومهاباد وبوكان، ذات الغالبية الكردية وخطر تحوُّل الاحتجاجات إلى عصيان طويل الأمد أو سيطرة محلية، نظراً للتجربة التنظيمية والسياسية المتراكمة في الإقليم؛ مدن الأحواز في محافظة خوزستان ذات الغالبية العربية التي تمثل تهديداً مزدوجاً، سياسياً واقتصادياً، بحكم ارتباطها المباشر بثروة النفط والغاز، وما يحمله الغضب هناك من قابلية لضرب شرايين الاقتصاد؛ زاهدان وخاش في محافظة سيستان وبلوشستان في الجنوب الشرقي، على الحدود مع باكستان وأفغانستان، التي تشكل الغالبية البلوشية خاصرة أمنية حسَّاسة للنظام بسبب الطابع القومي – المذهبي والموقع الحدودي؛ مدن قم وكرج وقزوين بمحافظاتها، ذات الطابع المختلط أو الديني. هذا الخروج في مدن مركزية وفارسية وأطراف قومية في آن واحد يجعل الاحتجاجات الحالية تحدّياً بنيوياً شاملاً للنظام، لا أزمة موضعية يمكن احتواؤها بأدوات تقليدية. ووفق التحديثات الميدانية، فقد شملت الاحتجاجات ما يزيد على 180 مدينة في جميع المحافظات الإيرانية الـ31، فيما تقول تقارير أخرى باقتصار التحركات على 27 محافظة.
يقول مراقبون من الشعوب غير الفارسية إن المعضلة الأساسية تكمن في أن إيران لم تعد، اجتماعياً ولا سياسياً، تلك الدولة المركزية المتجانسة التي واجهت سقوط الشاه. فالخارطة الداخلية تشهد صعوداً غير مسبوق للقوى القومية والإثنية، من الأكراد الذين يمتلكون أحزاباً وتنظيمات مسلحة، إلى الأتراك الذين يرفعون مطالب فدرالية ولا مركزية، مروراً بالبلوش الذين يعانون تهميشاً مزدوجاً عرقياً ومذهبياً، وصولاً إلى تصاعد الخطاب الأحوازي المطالب بالتحرر وتقرير المصير. في هذا السياق، فإن أي بديل عن نظام ولاية الفقيه يحتاج، نظرياً، إلى دولة مركزية قوية قادرة على ضبط الجغرافيا ومنع التفكك، غير أن المفارقة تكمن في أن معظم أطراف المعارضة الإيرانية، بما فيها تنظيمات تاريخية كـ»مجاهدي خلق»، تفتقر إلى القدرة السياسية والمجتمعية لفرض هذا النموذج بالقوة أو بالإجماع.

بهلوي ومعضلة البديل

من هنا، يُنظر إلى رضا بهلوي نجل شاه إيران، زعيم التيار الملكي، على أنه الشخصية الوحيدة في المعارضة القادرة، نظرياً، على استدعاء خطاب الدولة المركزية، ليس بسبب مشروع ديمقراطي جامع، بل نتيجة تبنّيه خطاباً قومياً شوفينياً يستحضر «إيران العظمى» والإمبراطورية الفارسية بوصفهما مرجعية سياسية ورمزية.
هذا الخطاب، يجعل المشروع البهلوي أقرب إلى استعادة نموذج سلطوي قديم بثوب حداثي، لا إلى بناء دولة مواطنة. ويعتبر هؤلاء المراقبون أن ما يُربك التيار الملكي الإيراني اليوم هو عجزه عن الإجابة عن سؤال جوهري: كيف يمكن مواجهة الواقع المركّب من الانقسامات الداخلية والتصدعات القومية والاجتماعية؟
لهذا السبب تحديداً، يتجنّب الملكيون مهاجمة الحرس الثوري أو الجيش الإيراني أو الأجهزة الأمنية، بحيث يحرص بهلوي على عدم توجيه أي انتقاد مباشر لهذه المؤسسات. فالتصوّر السائد يراهن على هذه القوى لاحقاً، لضبط الداخل، لكنه رهان ليس بالضرورة محكوماً بالنجاح نظراً إلى وجود معارضة إيرانية واسعة، داخل المجتمع الفارسي نفسه، ترفض إعادة إنتاج الدولة الأمنية بأي صيغة كانت، ونظراً لأن الشعوب غير الفارسية مثل الأكراد والبلوش والعرب، ومعهم قوى أخرى، يتمتعون بواقع جغرافي شديد الحساسية والأهمية، يجعل من المستحيل على أي جيش مركزي، حتى لو أُعيد تشكيله، أن يتجاوز المعطيات الراهنة أو أن يفرض سيطرته كما كان الحال في الماضي حين وقفت تلك الشعوب مع الثورة الإيرانية للتخلص من حكم الشاه الإمبراطوري قبل أن يعود وينقلب عليهم حكم الخميني الإسلامي.
ثمة قطيعة نفسية وسياسية عميقة بين الشارع الإيراني والنظام، حيث بات الإيرانيون يواجهون نظام ولاية الفقيه بوجوه مكشوفة، دون خوف، ويعبّرون عن رفضهم له، ويرفعون الشعارات ضد المرشد ويعمدون إلى إحراق حوزات علمية ومراكز ومكتبات دينية، فضلاً عن مقار الأجهزة الأمنية، ولا سيما التابعة للحرس الثوري والبسيج.
وتُشير حصيلة الضحايا حتى صباح السبت في العاشر من الشهر الجاري، بحسب تقارير ومنظمات حقوقية، إلى سقوط 50 محتجاً و14 من أفراد الأجهزة الأمنية، إضافة إلى مدني واحد مرتبط بالحكومة، بينما بلغ عدد المعتقلين الذين اقتيدوا من الشوارع والمنازل في هذه الاحتجاجات ما بين 2.200 و2,311 شخصًا على الأقل. وسبق للسلطات الرسمية أن أعلنت عن اعتقال نحو 21,000 مشتبه به في سياق عمليات أمنية شاملة على خلفية حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل، وهي اعتقالات يراها المعارضون أنها استهدفت في غالبيتها مناوئي النظام.

التشدد بدل الاحتواء… ومطرقة ترامب

في مواجهة هذا المشهد المُربك والحسّاس، اختار النظام الإيراني الذهاب نحو التصعيد الخطابي والأمني بدل تقديم إشارات احتواء سياسية. فقد أكّد المرشد الأعلى علي خامنئي أن النظام «لن يتراجع»، واعتبر أن ما يجري هو «أعمال شغب» تقف خلفها قوى خارجية. واعتبر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني أنّ «تورّط الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي واضح في المشهد الاحتجاجي، وأنّ قادة الجماعات الإرهابية المسلحة يسعون لإشعال حرب أهلية لتهيئة الأرضية لتدخّلات خارجية. وسيتمّ التعامل بحزم مع قادة الجماعات الإرهابية المسلحة». وعمدت السلطة إلى قطع شبكات الإنترنت والهاتف في محاولة لضرب إمكانات التواصل والتنسيق بين الشبكات التي تُدير الاحتجاجات بين المدن والمحافظات، وفي حجب المشهد الداخلي من الخروج إلى العالم، ربما في سياق عمليات أمنية لقمح الاحتجاجات التي خرجت في مدن عدة عن السلمية.
ليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها السلطة الحاكمة احتجاجات كبيرة. وهي استطاعت تفكيك احتجاجات «الحركة الخضراء» عام 2009 على خلفية «تزوير الانتخابات» التي جاءت بأحمدي نجاد، كما تفكيك احتجاجات 2022 – 2023 التي أشعلتها وفاة الشابة الكردية مهسا أميني. العامل المتغيِّر أن احتجاجات اليوم تأتي بعد حرب الـ12 يوماً التي أضعفت النظام الإيراني، والتي انخرطت فيها أمريكا بالمباشر عبر ضرب المنشآت النووية، ووسط مسار يبدو منظّماً ترعاه الولايات المتحدة بشكل علني، وتهدف من خلاله إلى تصوير أن الجمهورية الإسلامية على وشك السقوط.
فمواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تُشكّل عامل ضغط سياسي ونفسي إضافي على النظام، إذ يستخدم خطاباً مباشراً عالي السقف، واصفاً إيران بأنها «في ورطة كبيرة» مع اتساع رقعة التظاهرات، ومؤكداً أن واشنطن تراقب ما يجري «عن كثب شديد»، ومُبدياً اهتماماً بالغاً بزخم الحراك الشعبي الذي لم يتوقع أن يصل إلى هذا الاتساع في وقت قصير. وهو وجّه في أكثر من تصريح علني ومنشور عبر منصة «تروث سوشيال»، تحذيراً صريحاً للسلطات الإيرانية من مغبة استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين، ملمّحاً إلى أن الولايات المتحدة «مستعدة للرد» إذا تكرّر سيناريو القمع الدموي الذي طبع احتجاجات سابقة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تدخلاً عسكرياً برياً مباشراً.
هذا الخطاب، الذي ترافق مع انقطاع شامل لشبكات الإنترنت والاتصالات داخل إيران، عكس محاولة أمريكية لاستثمار اللحظة السياسية عبر الردع الإعلامي والسياسي، وإبقاء النظام تحت ضغط دولي مفتوح، ولا سيما أن ترامب وصف المشهد في الشارع الإيراني بأنه «غير مسبوق» و«مذهل»، في إشارة إلى حجم المشاركة الشعبية واتساعها الجغرافي.
تصريحات ترامب التي تصفها إيران بالتدخل السافر في شؤونها الداخلية ومحاولة لتأجيج الاضطرابات، تشي بأن الموقف الأمريكي، حتى وإنْ لم يُترجم إلى خطوات تنفيذية فورية، أصبح عنصراً مؤثراً في حسابات النظام الإيراني الذي يوازن بين خيار القمع وخشية تدويل الأزمة وفرض عقوبات أشدّ في حال انزلاق المشهد نحو مزيد من العنف. لم يصل الأمر إلى حد مطالبة ترامب بتنحي المرشد، وهو ما يقرأه المحللون على أن واشنطن ما زالت تترك الباب مفتوحاً أمام النظام لإمكان تجنّب الانهيار في حال ذهب إلى تلبية الشروط الأمريكية في ما خص الملفات الثلاثة الأساسية التي يُطالب بها، وهي الملف النووي، والملف الصاروخي، وملف الأذرع والنفوذ خارج حدودها، بمعنى أن الموقف الأمريكي لم يصل إلى نقطة اللاعودة بل لا يزال في خانة رسم الخطوط الحمر.
حاذر ترامب التحدث عن مد اليد للنظام لعودة «إيران عظمى من جديد»، وأعلن أنه لا يرى مناسباً في هذه المرحلة بصفته رئيساً للولايات المتحدة أن يلتقي رضا بهلوي، ويفضّل الانتظار لمعرفة من سيبرز من داخل الشارع الإيراني كقائد يمثل إرادة الشعب قبل اتخاذ موقف رسمي من شخصية المعارضة. ويأتي كلام ترامب في ظل معلومات عن إمكان لقاء فعليّ مع بهلوي، في منتجع مارألاغو الثلاثاء في 13 كانون الثاني/يناير، على هامش الحدث الذي تنظمه منظمة «فطور الصلاة من أجل القدس» (Jerusalem Prayer Breakfast) وهي حركة دينية سياسية مسيحية صهيونية تُنظِّم، على شكل لقاءات وموائد فطور، صلاة تجمع سياسيين وبرلمانيين وزعماء إنجيليين من دول مختلفة لـ«الصلاة من أجل سلام القدس» ولدعم الرواية الإسرائيلية باعتبار القدس «العاصمة الأبدية لإسرائيل».
يقترب المشهد الإيراني من مفترق حاسم: إما أن ينجح النظام في قمع الحراك عبر أدواته الأمنية والعسكرية، أو أن تتدحرج الأحداث نحو سيناريوهات أكثر خطورة. فمن منظور العقل الاستراتيجي داخل الحرس الثوري، لا يمكن السماح باستمرار هذا الوضع طويلًا. فإيران ليست سوريا، لا من حيث بنية المجتمع ولا من حيث طبيعة النظام. استنزاف طويل الأمد مع سقوط أعداد كبيرة من القتلى يُعد سيناريو مرفوضاً حتى داخل دوائر السلطة. لذلك يُرجّح بحسب مطلعين على ما يجري داخل كواليس «المحور الإيراني» أن يكون الحسم خلال فترة قصيرة نسبياً، وبأدوات داخلية، من دون الاستعانة بميليشيات خارجية.
وما تكشفه التطورات الأخيرة هو أن إيران لا تواجه موجة احتجاج عابرة، بل أزمة شرعية بنيوية. فالاقتصاد المنهك، والعقوبات، والتدخلات الإقليمية المكلفة، وتصلّب النظام السياسي، كلها عناصر قيد الاجتماع قادرة على أن تنتج هذا الانفجار الاجتماعي. وقد ينجح القمع في فرض هدوء مؤقت، لكنه لا يعالج جذور الأزمة. فمع اتساع الفجوة بين تطلعات المجتمع والواقع المفروض، وسقوط الحجة الدينية، يبدو الصدام قادماً.
فالإيرانيون لم يعودوا يطالبون بتحسين شروط العيش ضمن النظام، بل يرفضون النظام ذاته بوصفه مصدر أزماتهم الداخلية ومغامراتهم الخارجية. وبين نظام يرفض التنازل، ومعارضة لم تحسم شكل البديل، وإقليم يتهيأ لمرحلة ما بعد الجمهورية الإسلامية، تقف إيران على مفترق تاريخي لن يُحدِّد مصير الاحتجاجات فحسب، بل قد يرسم ملامح مرحلة جديدة في تاريخ الدولة الإيرانية نفسها، وستكون نتائجه أبعد من حدودها، وأكثر تأثيرًا على توازنات الشرق الأوسط بأسره.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات