بغداد ـ «القدس العربي»: بدأ تجار وأصحاب محال تجارية في العراق، بالاحتجاج على قرارات حكومية سابقة وجدت طريقها إلى التنفيذ الآن، تمثلت برفع التعرفة الجمركية على المواد المستوردة، فضلاً عن زيادة الضرائب، ضمن خطة لتدارك أزمة مالية تلوح في الأفق وتقليل العجز المالي في الموازنات المالية الاتحادية، الأمر الذي يُنّذر بزيادة السخط الشعبي لما لتلك الإجراءات من تأثير مباشر على المواطنين.
ووفق مركز «النخيل للحقوق والحريات الصحافية»، فإن الأمر يعود إلى القرار 957 لسنة 2025 والذي اتخذه مجلس الوزراء في 28 تشرين الأول/اكتوبر 2025.
والقرار عبارة عن تفعيل قانون التعرفة الجمركية المعطل منذ 2010، والذي يفرض رسوما بين 5 وصولا إلى 30 في المئة، إذ كانت الرسوم الجمركية في السابق تفرض بقرارات، وغالبا كانت تؤخذ مقطوعة بواقع 3 إلى 4 ملايين دينار (نحو 2000-2700 دولار) للحاوية بغض النظر عن نوعية السلع وقيمتها.
ومن المقرر أن تشمل الرسوم المرتفعة البالغة 30 في المئة الأجهزة الإلكترونية والهواتف المحمولة والأجهزة الكهربائية، لكن عدم وضوح البيانات قد يتحول إلى مبرر لرفع أسعار سلع أخرى أكثر من نسبة الرسوم المفروضة عليها، حسب المركز الحقوقي.
ورغم أن الحكومة تريد رفع واردات الجمارك بنحو أربعة أضعاف من خلال تفعيل هذا القرار، غير إنه يصدم برفض سياسي وشعبي واسع، تمثل بخروج العشرات من التجار في وقفات احتجاجية، وتعليق يافطات في الأسواق وواجهات محالهم توضح إن الإجراء الحكومي هذا يسهم في زيادة أسعار أغلب البضائع بنحو 20 في المئة.
الخبير الاقتصادي باسم انطون، انتقد إجراءات حكومة تصريف الأعمال برفع الضرائب ومضاعفة التعرفة الجمركية على السلع والبضائع الداخلة للبلاد بحجة تعظيم الموارد غير النفطية، مبينا أن المواطن الوحيد الذي سيتضرر بسبب فرض التاجر ما يتحمله من ضريبة على سعر السلعة.
وقال انطون في تصريح لمواقع إخبارية محلية، إن «قضية تعظيم الموارد غير النفطية لخزينة الدولة ليست بزيادة الضرائب أو مضاعفة التعرفة الجمركية، بل هناك أمور كثيرة ومهمة تقع على عاتق الحكومة في رسم السياسية المالية والاقتصادية من خلال تنشيط القطاع الخاص».
وأضاف أن «الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة بشأن مضاعفة التعرفة الجمركية وزيادة الضرائب ليس حلا جذريا لتعظيم موارد الدولة غير النفطية، وأن الحل الوحيد دعم القطاعين الزراعي والصناعي وذلك لسد الحاجات المحلية والاكتفاء الذاتي ما سيوفر الأموال الصعبة وتحقيق فرص العمل للعاطلين».
أما على المستوى السياسي، فأكدت النائبة في البرلمان العراقي، منى الغرابي، أن ما أقدم عليه مجلس الوزراء من إجراءات تتعلق برفع الضرائب «يُعد مخالفة صريحة للدستور»، ولا يمكن السماح بالعمل بها خارج الأطر القانونية والدستورية.
الغرابي ذكرت في بيان صحافي أن «الإجراءات المتخذة من قبل مجلس الوزراء برفع الضرائب تفتقر إلى السند الدستوري والقانوني، كون فرض الضرائب أو تعديلها من الصلاحيات الحصرية لمجلس النواب، وفقاً لما نص عليه الدستور العراقي».
وأشارت إلى أن «المادة (28 / أولًا) من الدستور العراقي نصّت صراحة على أنه (لا تُفرض الضرائب والرسوم، ولا تُعدّل، ولا تُجبى، ولا يُعفى منها، إلا بقانون)».
وأضافت الغرابي: «نحن كأعضاء في مجلس النواب سنقف بوجه هذا التخبط الحكومي، لما له من آثار سلبية مباشرة على المواطن العراقي، الذي يعيش هذه الأيام حالة من القلق والحيرة، في ظل إجراءات حكومية غير مدروسة تُحمّله أعباءً مالية إضافية».
ويسري القرار الاتحادي أيضاً على إقليم كردستان العراق، وهو ما دفع غرفة تجارة وصناعة دهوك، إلى إطلاق تحذيرات من تداعيات اقتصادية وصفتها بـ«الكبيرة»، في حال تطبيق الحكومة في بغداد قرارات جديدة تقضي بزيادة التعرفة الجمركية على السلع المستوردة ومنها اللحوم والأسماك والشاي والمواد الاستهلاكية اليومية وسلع أخرى.
وقال رئيس الغرفة شكري جميل لوسائل إعلام كردية، إن «هذه القرارات دخلت حيز التنفيذ منذ بداية العام الحالي عبر جميع المنافذ الحدودية، ما أدى إلى زيادة الرسوم الجمركية بنسب تتراوح بين 6 في المئة وتصل إلى 30 في المئة بعد أن كانت النسبة واحد في المئة».
وأضاف أن «هذه الزيادات سوف تسبب ارتفاع الأسعار في الأسواق المحلية»، مشيرا إلى أن «الشركات والتجار في إقليم كردستان يعانون من صعوبات في إدخال البضائع عبر منفذ ابراهيم الخليل مع تركيا إلى باقي المحافظات العراقية».
ودعا جميل، الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان إلى «فتح باب التفاوض للوصول إلى حلول مشتركة»، كما دعا أيضاً النواب الأكراد في البرلمان الاتحادي إلى «تدخل عاجل لإعادة الملف الاقتصادي إلى قبة البرلمان لمنع القرارات التي تضر بالاقتصاد الوطني».
في الطرف المقابل، تبرر الحكومة تفعيل إجراءاتها الجديدة بأنه يدخل ضمن خططها لتعظيم الواردات غير النفطية.
المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، يؤكد للوكالة الحكومية، أن «الحكومة ماضية بتطبيق إجراءات انضباط مالي تهدف إلى تحقيق الاستدامة المالية، من خلال ضبط الإنفاق العام، وتعظيم الإيرادات غير النفطية، وتقليص العجز المالي تدريجياً، ولا سيما ضمن موازنة عام 2026».
وأشار إلى أن «القرارات الحكومية الأخيرة تؤسس لمرحلة جديدة في إدارة السياسة المالية، تقوم على تعزيز متانة المالية العامة وخفض الدين العام، مع الحفاظ على استقرار المستوى المعيشي للمواطن وضمان استمرارية الصرف».
وتشير البيانات إلى أن العراق يعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية احتياجاته من السلع المختلفة، حيث بلغت قيمة الاستيرادات حوالي 95.5 مليار دولار في عام 2023 وارتفعت النسبة في 2024، مع تركيز كبير على السلع الجاهزة مثل الأجهزة الإلكترونية والسيارات والمواد الغذائية، ما يوضح ضعف الإنتاج المحلي ويعكس اعتماداً كبيراً على الأسواق الخارجية.
وتصدرت الصين وتركيا والإمارات قائمة الدول الموردة للعراق، وذلك حسب بيانات عام 2023 وتطورات عام 2025.