السلطات السورية تبدأ ترحيل المقاتلين الأكراد من آخر حيّ تحصنوا فيه بحلب
حلب,-(أ ف ب) – بدأت السلطات السورية نقل مقاتلين أكراد من الشيخ مقصود وهو آخر حيّ تحصنوا فيه في مدينة حلب، نحو مناطق الإدارة الذاتية الكردية، بعدما أعلن الجيش وقف عملياته في خطوة سرعان ما نفتها قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، مؤكدة استمرار المعارك المتواصلة منذ أيام.
واندلعت اشتباكات عنيفة بين القوات الكردية والحكومية الثلاثاء في حيي الشيخ مقصود والأشرفية الكرديين في حلب، تبادل الطرفان الاتهامات بإشعالها. وأدّت المعارك إلى نزوح 155 ألف شخص من الحيين، بحسب محافظ حلب.
وأتت المعارك على وقع تعثر المفاوضات بين دمشق وقوات سوريا الديموقراطية (قسد) منذ توقيع اتفاق في آذار/مارس نصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية.
ومساء السبت، أعلن التلفزيون الرسمي السوري “نقل مقاتلين من تنظيم قسد أعلنوا استسلامهم في مشفى ياسين بالحافلات إلى مدينة الطبقة بإشراف وزارة الداخلية” وذلك بعيد إعلان الجيش “وقف جميع العمليات العسكرية” واستعداده لترحيل المقاتلين الأكراد المتحصنين في الحيّ و”سحب أسلحتهم”.
وشاهد مراسل فرانس برس عند مدخل الشيخ مقصود أربع حافلات على الأقلّ تقلّ مقاتلين، تخرج من الحي بمواكبة قوات الأمن.
وتراجعت وتيرة الاشتباكات مساء السبت بعدما شهد الحيّ معارك عنيفة خلال النهار رغم إعلان الجيش استكمال عملية أمنية بدأت ليلا. وأفاد مراسل فرانس برس على مشارف الشيخ مقصود عن سماع أصوات إطلاق رصاص متقطعة من الحي بعد إعلان الجيش، بينما غادره عشرات المدنيين الذين كانوا عالقين جراء المعارك.
وشاهد مراسل آخر عشرات من الشبّان يفترشون الأرض ومن حولهم عناصر من القوات الحكومية عند مدخل آخر للحي.
وافترشت عائلات الأرض عند مدخل حيّ الشيخ مقصود بعدما علقت داخله لأيام وأخرجت برفقة القوات الأمنية استعدادا لنقلها إلى مراكز إيواء، كما شاهد مراسل فرانس برس. وأجهشت نساء وأطفال بالبكاء بينما نادت طفلة باكية والدها مرارا.
ونفت القوات الكردية من جهتها سيطرة القوات الحكومية على حيّ الشيخ مقصود في حلب ووقف العمليات العسكرية.
وقالت في بيان “ادّعت ما تُسمّى وزارة الدفاع في حكومة دمشق وقف إطلاق النار والمعارك في حي الشيخ مقصود، في محاولة مكشوفة لتضليل الرأي العام”، مضيفة “نؤكد بشكل قاطع أن هذه الادعاءات كاذبة جملة وتفصيلا” وأن قواتها ما زالت تتصدّى لـ”هجوم عنيف”.
– “نازح منذ أربعة أيام” –
وشهدت حلب، ثاني كبرى مدن سوريا، هدوءا موقتا صباح الجمعة بعدما أعلنت وزارة الدفاع السورية وقف إطلاق النار، وأمهلت المقاتلين الأكراد لإخلاء الحيين. لكن الاشتباكات استؤنفت ليلا بعد رفض القوات الكردية المغادرة.
وأعلنت القوات الحكومية الجمعة دخولها إلى حيّ الأشرفية الذي كان تحت سيطرة القوات الكردية.
وعلى مشارف الشيخ مقصود، كان عماد الأحمد (60 عاما)، أحد سكانه النازحين، ينتظر صباح السبت سماح قوات الأمن له بالدخول.
وقال “أنا نازح منذ أربعة أيام… لا أعرف ما اذا كنا سنعود اليوم. أقطن في منزل شقيقتي الآن… جئت للاطمئنان إلى منزلي”.
ومثله كانت ناهد قصاب، وهي أرملة تبلغ 40 عاما، تنتظر فرصة للدخول. وقالت “أولادي الثلاثة ما زالوا في الداخل، عند جارتي… أريد أن أخرج أولادي فقط”.
ودعت دول معنية بالشأن السوري، الى تثبيت وقف النار في حلب.
وأكد المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي في بيان السبت “التزام المملكة والولايات المتحدة دعم الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب السلمي لقوات سوريا الديموقراطية (قسد) من حلب، وضمان أمن وسلامة جميع المدنيين”.
وشدّدا على “ضرورة التنفيذ الفوري لاتفاق 10 آذار/مارس 2025” الذي أبرمته “قسد” والسلطات في دمشق، ونصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية.
وتتبادل الحكومة السورية والإدارة الذاتية الكردية منذ أشهر الاتهامات بإفشال الجهود المبذولة لتطبيق الاتفاق الذي كان يُفترض إنجازه بنهاية 2025، إلا أن تباينا في وجهات النظر حال دون إحراز تقدم، رغم ضغوط تقودها واشنطن الداعمة للطرفين.
وأكدت المسؤولة الكردية إلهام أحمد في منشور على منصة إكس فجر السبت أن الإدارة الذاتية ترحب “بعرض القوى الدولية الوسيطة بإعادة تموضع القوات الموجودة في شيخ مقصود الى شرق الفرات وذلك بشكل آمن، شريطة أن يضمن وجود حماية كردية محلية و مجلس محلي لسكان الحيين”.
– حُكم مجتمع متعدد –
تسيطر القوات الكردية على مساحات واسعة في شمال وشرق سوريا، تضم أبرز حقول النفط والغاز. وشكّلت رأس حربة في قتال تنظيم الدولة الإسلامية وتمكنت من دحره من آخر معاقل سيطرته في البلاد عام 2019 بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن.
وإثر إطاحة حكم بشار الأسد، أبدى الأكراد مرونة تجاه السلطة الجديدة، ورفعوا العلم السوري في مناطقهم. إلا أن تمسّكهم بنظام حكم لامركزي وبتكريس حقوقهم في الدستور لم يلقَ استجابة في دمشق.
وتأتي الاشتباكات في حلب بعد أعمال عنف دامية على خلفية طائفية طالت في آذار/مارس الأقلية العلوية في الساحل السوري، ثم الأقلية الدرزية في جنوب البلاد في تموز/يوليو. وشنّت اسرائيل حينها ضربات على دمشق قالت إنها دعما للدروز.
واعتبر نانار هواش من مجموعة الأزمات الدولية أن تجدّد الاشتباكات يثير الشكوك في مدى قدرة الحكومة على كسب ثقة الأقليات وتوحيد البلاد بعد 14 عاما من الحرب.
وقال “إذا ما تصاعد القتال، سوف يتساءل اللاعبون الدوليون حول مدى قدرة دمشق على حكم المجتمع السوري المتعدّد”.