دعا معهد “المجلس الأطلسي” الأميركي، الولايات المتحدة الى التركيز في سياستها العراقية لا على الافراد والقيادات، وإنما على تعزيز العمليات المؤسسية، معتبرا أنه برغم إن رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني يبدو “الخيار الأكثر أماناً”، الا ان هذا المنظور يخلط بين صفات القيادة الشخصية والمشاكل الهيكلية الأعمق التي طاردت العراق تاريخيا.
وبعدما قال المعهد الأميركي في تقرير له، إنه لا يزال من غير المؤكد ما إذا كان السوداني سيحصل على ولاية حكومية أخرى، أوضح أن محادثات الائتلاف الحكومي لن تؤدي إلى تشكيل الحكومة القادمة فقط، وإنما ستساهم أيضاً في تحديد اتجاه العراق إزاء التحديات المستقبلية.
بين المالكي والسوداني
وقال التقرير الأميركي إن كثيرين في واشنطن يعتقدون أن السوداني يختلف عن نوري المالكي، رئيس الوزراء الوحيد الذي خدم ولايتين في مرحلة ما بعد صدام حسين، مضيفا أن هذا “الافتراض مريح ومضلل على حد سواء”.
وتابع قائلا، إنه غالبا ما ينظر إلى السوداني على أنه يركز بشكل أكبر على القضايا التقنية وهو يثير انقساما أقل، بينما يقود بلداً أكثر استقرارا من السابق، وهو وضع يشير إلى أنه “الخيار الأكثر أماناً”، مرجحا أن يواصل السوداني عمله مع واشنطن فيما يتعلق بالملفات الحرجة المتعلقة بالاصلاح ونزع سلاح الميليشيات في السنوات الـ4 المقبلة.
ومع ذلك، بين أن هذه الرؤية “تخلط بين صفات القيادة الشخصية والمشكلات الهيكلية الأعمق التي لاحقت العراق تاريخياً”، موضحا أن النخب السياسية تنظر الى الدولة على أنها مصدر للمكافآت، ولهذا فإنه في ظل مشهد سياسي كهذا، يمكن لقائد واحد يستمر في السلطة لفترة طويلة، أن يحول السلطة المؤقتة إلى سيطرة دائمة، مشيراً إلى أنه حتى القادة الأكفاء بامكانهم إضعاف المؤسسات في حال بقوا لفترة ولاية ثانية.
ولهذا، اعتبر التقرير الأميركي أن القضية الرئيسية لاستقرار العراق، لا تتعلق بما اذا كان السوداني مثل المالكي، ولكن ما إذا كان النظام السياسي العراقي يتيح وجود منافسة حقيقية، مضيفا أن القوى الخاسرة يجب أن تتمكن من العودة إلى السلطة من خلال الانتخابات والتفاوض، وأن بإمكان المنافسين الاستمرار في التنافس داخل النظام نفسه، بدلا من البحث عن السلطة في مكان آخر.
وأكد أن هذا الشكل من التنافس، مهم لأمن العراق، وليس فقط لديمقراطيته، مبينا أن النخب السياسية استخدمت الوزارات والوكالات ليس فقط من أجل العمل السياسي، وإنما أيضاً لإدارة التحالفات من خلال توزيع الوظائف والعقود والمناصب الأمنية، أوضح أن رؤساء الوزراء مثل حيدر العبادي وعادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي لم يكونوا “عدوانيين” بما فيه الكفاية، وخسروا السلطة، لكنهم برغم ذلك تركوا الدولة أكثر استقرارا من أسلافهم.
وبالمقارنة، قال التقرير إن “القادة الذين تعاملوا مع الدولة على أنها “غنائم حرب” وبنوا شبكات رعاية قوية، مثل نوري المالكي، خدموا لفترة أطول، مشيراً إلى أنه غالبا ما ينظر إلى رؤساء الوزراء العراقيين على أنهم عمليين في ولايتهم الأولى، لأنهم يتولون مناصبهم من خلال صفقة تقاسم الحصص التي تقسم الوزارات والمناصب العليا عبر الكتل”، مضيفا أنه “في ظل هذه القيود، فإن رؤساء الوزراء يميلون خلال الولاية الأولى إلى تقليص الاحتكاك الفوري بين مراكز القوى المتنافسة واعطاء الاولوية للصفقات، بما في ذلك ترتيبات بغداد واربيل مثل اتفاقات الميزانية النفطية”.
وبالإضافة إلى ذلك، قال التقرير إن هؤلاء يحاولون احتواء الفصائل المسلحة من خلال مزيج من الدمج الرسمي والضغط الانتقائي.
وتابع أنه على النقيض من ذلك، فإن الولاية الثانية تغير الحوافز من خلال جعلها أكثر مكافأة للتمسك بالسلطة، مضيفا انه غالبا ما يضع القادة الذين يتوقعون البقاء لفترة أطول، الشخصيات المخلصة في الوظائف العليا، ويستخدمون العقود الحكومية لحماية أنفسهم، واضعاف هيئات الرقابة، واستخدام عمليات التدقيق أو التحقيقات ضد خصومهم.
وبحسب التقرير فان حكومة السوداني لجأت إلى تحرك كهذا في نهاية فترة ولايتها الأولى، بما في ذلك من خلال توجيه لجنة إشراف اتحادية للتدقيق في إيرادات حكومة إقليم كوردستان وانفاقها.
فخ الولاية الثانية
ورأى التقرير أن “فخ الولاية الثانية في العراق” لا يؤدي دائما مباشرة إلى الاستبدادية، وإنما يحول التعيينات والعقود وأدوات التطبيق، ببطء الى نظام يحد من التغيير السياسي ويضعف المؤسسات.
وبعدما لفت في هذا الإطار إلى تجربة العام 2014، عندما انهارت الوحدات العسكرية خلال مواجهة تنظيم داعش، حيث ألقيت المسؤولية على الفساد وضعف القيادة والتعيينات السياسية والانقسامات الطائفية، وهي مشكلات تحدث عندما تعمل قوات الأمن على خدمة السياسة بدلا من العمل كمؤسسات مهنية، أوضح التقرير أن “هذا هو الدرس الرئيسي من ولاية المالكي الثانية في منصبه، والتي يمكن تعريفها بأنها المنحدر المنزلق نحو نهاية العراق كدولة واحدة موحدة”.
وتابع قائلا ان “المشكلة لم تكن مجرد اسلوب قائد واحد، وانما فشل المؤسسات في منع السلطة من ان تصبح شخصية للغاية بمجرد بقاء شخص ما في منصبه لفترة شديدة الطول”.
وأشار إلى أن مؤيدي السوداني يشيرون الى تركيزه على الخدمات، وأسلوبه في الحكم، وما يؤمنه للعراقيين، وانه حتى منتقديه يعترفون في الغالب، بأنه يتعامل بانضباط مع الضغوط المتنافسة، إلا انه قال انه “في العراق لا يمكن للأسلوب الشخصي للقائد، أن يتغلب على الضغوط الأكثر عمقا لفترة طويلة، خصوصا عند السعي للحصول على ولاية ثانية”.
وأضاف التقرير أنه “في حال فاز السوداني بولاية ثانية، فإنه من المرجح ان يستخدم الدولة لتعزيز سلطته الشخصية في غياب الضوابط والتوازنات الحقيقية، وهو مصدر قلق ينعكس في حق النقض الذي اطلقه الإطار التنسيقي الشيعي على بقائه في السلطة”.
وتابع قائلا إنه في حال حصول السوداني على ولاية ثانية، فإن بإمكان شركائه في الائتلاف أن يفرضوا مطالب وشروط صارمة عليه، متوقعين أن يستخدم السوداني سلطته لإجراء تعيينات تعزز شبكاتهم وفوائدهم المالية ومساعدة حلفائه والتصدي للمنافسين.
وقال التقرير إنه منذ العام 2014، شهدت الأمور في العراق تحسينات تدريجية إلى حد ما، لأن رؤساء الوزراء لم يتمكنوا من رؤية سلطتهم على انها دائمة، وانه حتى خلال التحولات الفوضوية، فان الاعتقاد بأنه لا يوجد زعيم باق إلى الأبد، ابقى السياسة مفتوحة وسمح بالتغيير، مشيرا إلى أن “هذا الانفتاح يغير كيفية تصرف القوى السياسية، حيث أنه عندما يعتقدون أن خسارة الانتخابات تعني انه لا يزال بامكانهم المساومة لاحقا، فمن المرجح أن يشاركوا في الانتخابات والتفاوض وبناء التحالفات، وسيكونون أقل ميلا لاستخدام القوة”.
أميركا والعراق
وذكر التقرير أنه بناء على وجهة النظر هذه، فإن السؤال الحقيقي لصناع السياسة الأميركيين، لا يتعلق بالصفات الشخصية لرئيس الوزراء العراقي المقبل، وانما ما إذا كان النظام السياسي مفتوحا بما يكفي لمنع الدولة من أن تصبح وسيلة لتحقيق المصالح الضيقة للمجموعات.
وفي حين لفت التقرير إلى محدودية تأثير الولايات المتحدة في الساسة العراقي، قال انه في حال كانت مباشرة أكثر مما يجب، فإنها قد تأتي بنتائج عكسية باثارة النزعة الوطنية، او مساعدة المفسدين، أو إذا بدا وكأن الولايات المتحدة هي من يختار القادة.
ولهذا، اعتبر التقرير أن أي استراتيجية امريكية جيدة، يجب أن تكون “حذرة ومركزة” بهدف دعم المؤسسات القوية والتغيير السياسي دون دعم أي زعيم واحد.
وتابع قائلا ان الاستراتيجية الامريكية يجب ان تعطي الأولوية للعمليات المؤسسية لا إلى القادة الأفراد لتحقيق الاستقرار.
وختم التقرير بالقول إن “السؤال الرئيسي لا يتعلق بما إذا كان السوداني مثل المالكي، ولكن ما إذا كانت الولاية الثانية ستقلص من المنافسة وتضعف المؤسسات”، مضيفا أن “الاحتفاظ بنفس القائد لا يمكن أن يساعد في الاستقرار إلا في حال كانت هناك رقابة حقيقية وفرصة للتغيير السياسي”.