الوثيقة | مشاهدة الموضوع - فايننشال تايمز: احتجاجات إيران تضع أجندة الرئيس الإصلاحية على المحك
تغيير حجم الخط     

فايننشال تايمز: احتجاجات إيران تضع أجندة الرئيس الإصلاحية على المحك

مشاركة » الجمعة يناير 02, 2026 11:23 am

6.jpg
 
لندن- “القدس العربي”:

تتفجّر احتجاجات واسعة في إيران بعد إغلاق تجّار في طهران محالّهم اعتراضاً على انهيار العملة وارتفاع الأسعار، قبل أن تمتد إلى “البازار الكبير” والجامعات ومدن أخرى وسط تصاعد الغضب من تدهور مستوى المعيشة.
وفي تقرير لبيتا غفّاري من طهران، تُظهر هذه الموجة كيف باتت أجندة الرئيس مسعود بزشكيان الإصلاحية أمام اختبار حاسم بين محاولات التهدئة وتشديد الإجراءات الأمنية، فيما يشتد الضغط الاقتصادي بفعل العقوبات وتراجع الإيرادات وتضخم تجاوز 40%.

عندما أغلق تجّار الهواتف المحمولة وغيرها من الإلكترونيات في الحيّ التجاري بطهران محالّهم يوم الأحد احتجاجاً على الانهيار المتسارع للعملة، لم يكن كثيرون يتوقعون أن تقود هذه الخطوة إلى أكبر موجة تظاهرات على مستوى البلاد منذ سنوات. ومنذ ذلك الحين، اتسعت رقعة الإغلاقات والتجمعات لتشمل “البازار الكبير” التاريخي في العاصمة، والجامعات ومدناً أخرى في مختلف أنحاء إيران، مع تفاقم السخط الشعبي من التضخم المتصاعد وتدهور مستويات المعيشة في الجمهورية الإسلامية.

وكتب تاجر للحديد في طهران على الإنترنت معلناً استمرار الإغلاق: “احتراماً لجميع تجّار البازار وأصحاب المحال، لن تكون لدينا أي مبيعات أخرى. لعلّ هذا يكون جرس إنذار”.

ولا تزال الاحتجاجات حتى الآن أصغر حجماً من التظاهرات الجماهيرية التي اندلعت خلال حركة “امرأة، حياة، حرية” عام 2022، والتي أشعلتها وفاة امرأة في الحجز لدى الشرطة بدعوى عدم ارتداء الحجاب بالشكل “الصحيح”. لكنها برزت اليوم كاختبار حاسم لمسعود بزشكيان، الرئيس المعتدل الذي وصل إلى السلطة قبل نحو 18 شهراً متعهداً بإصلاح الاقتصاد، والسعي لرفع العقوبات عبر تحسين العلاقات مع الغرب، وتخفيف الأعباء عن الإيرانيين. غير أن صعوبات الحياة اليومية لم تتراجع، بل تفاقمت. ففي الأشهر التي تلت إطلاق إسرائيل حرباً استمرت 12 يوماً على إيران في يونيو، هبطت العملة إلى أدنى مستوى قياسي، وتقلصت عائدات النفط تحت وطأة العقوبات، وارتفع التضخم السنوي فوق 40% في ديسمبر.

وقالت شيرين، وهي مقيمة في طهران وتدير مشروعاً غذائياً عبر الإنترنت، إنها علّقت خدماتها مؤقتاً دعماً للتجّار. وأضافت، مكتفية بذكر اسمها الأول خشية تبعات محتملة: “تكاليف النقل ارتفعت بشدة. والطلب تراجع لأن القدرة الشرائية انهارت والناس باتوا يضطرون لتقديم الضروريات”. وتابعت: “بلغت الأمور حداً جعل كثيرين يشعرون أن البقاء في المنزل وعدم فعل شيء صار أكثر جدوى اقتصادياً”.

واعتمد بزشكيان حتى الآن نبرة تهدئة سعياً لاحتواء الاحتجاجات، مؤكداً للتجّار والنقابات المهنية أن لجنة عمل شُكّلت لمعالجة مشاكلهم. لكن المشهد يبقى هشّاً في بلد له سجل في التعامل الصارم مع الاحتجاجات. وبحسب منظمة العفو الدولية، قُتل أكثر من 300 شخص عندما واجهت الجمهورية الإسلامية تظاهرات 2022 التي استمرت أشهراً باستخدام القوة.

ومع امتداد الاحتجاجات هذا الأسبوع إلى مدن بينها همدان وأراك وأصفهان، وإلى بلدات صغيرة في أقاليم مختلفة، أظهرت تقارير محلية ومقاطع فيديو متداولة انتشاراً كثيفاً لشرطة مكافحة الشغب. وجرى استخدام خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع وإطلاق النار لتفريق الحشود. وأكدت وسائل إعلام إيرانية مقتل عدد من الأشخاص، من بينهم، وفق ما قالت منظمة “هنغاو” لحقوق الإنسان ومقرها النرويج، متظاهران يبلغان 28 و21 عاماً في مدينة لُردِغان يوم الخميس. كما ذكر مسؤولون أن أحد عناصر القوة التطوعية التابعة للحرس الثوري قُتل مساء الأربعاء على يد “مثيري شغب” في محافظة لرستان. وتم توقيف عشرات الأشخاص.

وفي محاولة لتهدئة مخاوف المحتجين، عيّنت السلطات محافظاً جديداً للبنك المركزي هو عبد الناصر همتي، الذي تعهّد باستعادة الاستقرار الاقتصادي. وسجل الريال الإيراني، الذي بلغ مستويات متدنية غير مسبوقة خلال الأسابيع الماضية، ارتفاعاً طفيفاً عقب إعلان التغيير. كما أقالت وزارة التعليم العالي مديرين أمنيين في جامعة طهران وجامعتين كبيرتين أخريين، بينما أفادت وسائل إعلام محلية بأن الإقالات جاءت على خلفية “سوء معاملة” طلاب شاركوا في الاحتجاجات.

ووصف بزشكيان تحسين معيشة المواطنين يوم الخميس بأنه “الخط الأحمر للحكومة”، مؤكداً أن معالجة الهموم الاقتصادية “غير قابلة للتفاوض”. لكن المدعي العام محمد موحدي آزاد، قال إن الاحتجاجات السلمية “مفهومة”، محذراً في الوقت نفسه من أن “أي محاولة لتحويل الاحتجاجات الاقتصادية إلى أدوات لزعزعة الأمن، وتخريب الممتلكات العامة، ستواجه برد قانوني متناسب وحاسم”.

ومع ذلك، وعلى الرغم من تشديد الإجراءات الأمنية في أجزاء من طهران، استمرت الحياة اليومية في معظم أنحاء المدينة بصورة شبه طبيعية، حيث واصل السكان أعمالهم دون انقطاع يذكر.

ومنذ حرب يونيو التي شاركت فيها الولايات المتحدة لفترة وجيزة بقصف مواقع نووية إيرانية، سعت حكومة بزشكيان إلى الإبقاء على تأييد الرأي العام عبر منح هامش أوسع من الحريات الاجتماعية، مثل تخفيف القيود على لباس النساء، إلى جانب دعم الأسر منخفضة الدخل بقسائم غذائية. كما أبدى استعداداً لاستئناف المحادثات مع الولايات المتحدة بشأن مستقبل البرنامج النووي، في مسعى جديد لتخفيف العقوبات. إلا أن البلدين ما زالا على خلاف حاد حول مجموعة من الملفات.

وقال علي سعدوندي، الخبير الاقتصادي ومؤسس “إيكون كلينيك”، وهو معهد خاص للتدريب في مجالي المصارف والاقتصاد بطهران، إن العقوبات ليست وحدها المشكلة، إذ إن سنوات من سوء الإدارة المزمن للاقتصاد وإمدادات الطاقة قوضت ثقة الجمهور. وأضاف: “معالجة السخط الاقتصادي تتطلب زيادة رأس المال الاجتماعي للحكومة واستعادة ثقة الناس في رسم السياسات الاقتصادية”. وتابع: “من الواضح أن هذا المسار غير قابل للاستمرار. عاجلاً أم آجلاً، ستضطر الحكومة إلى الاتجاه نحو إصلاحات حقيقية، لكن من دون رأس مال اجتماعي، محكوم على تلك الإصلاحات بالفشل”.

أما شيرين، صاحبة المشروع الغذائي، فبدت أقل تفاؤلاً: “سيكون من التمني توقع أن تعيد الحكومة النظر جذرياً في سياساتها. التجربة تقول إنهم نادراً ما يصغون”، وقالت: “مع ذلك، آمل أن يدفعهم هذا إلى معالجة المشاكل بدلاً من كنسها تحت السجادة. ربما لا يزال هناك طريق للعودة من كل الضرر الذي تسببوا به”.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى الصحافة اليوم