تغيير حجم الخط     

العراق يدفع ثمن حصار إيران: العقوبات الأميركية تضغط على التجارة والدولار والطاقة

مشاركة » السبت سبتمبر 19, 2026 4:46 pm

تضيق العقوبات الأميركية الخناق على الاقتصاد الإيراني، فيما تمتد ارتداداتها إلى العراق عبر التجارة والطاقة والقنوات المالية، في وقت تتزايد فيه حساسية التعاملات بين البلدين.

ومع تراجع الصادرات الإيرانية وتصاعد القيود على النظام المالي، تتحول الحدود العراقية إلى شريان تجاري مهم لطهران، وفي المقابل إلى مساحة تتقاطع فيها احتياجات السوق العراقية مع مخاطر العقوبات الأميركية.

ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه طهران ضغوطاً اقتصادية متصاعدة ضمن حملة “المنبوذ الاقتصادي” التي أطلقتها وزارة الخزانة الأميركية في آب/ أغسطس الماضي، بالتزامن مع استمرار الحرب التي دخلت شهرها السابع، وسط دعوات عراقية إلى صياغة آليات مالية وتجارية تضمن استمرار تدفق السلع والطاقة الإيرانية من دون تعريض النظام المصرفي العراقي للعقوبات الأميركية.

تكيف مع العقوبات

وعن الوضع الاقتصادي في إيران، يرى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة طهران والكاتب الإيراني، محمد ياسر إرشادمنش، أن العقوبات تضغط على الاقتصاد الإيراني، لكنها “لم تتمكن حتى الآن من إخراج البلاد من مسار النشاط الاقتصادي”.

وقال إرشادمنش إن إيران تواجه العقوبات بمزيج من الإنتاج المحلي و”اقتصاد المقاومة”، مبيناً أن استمرار الصمود يحتاج إلى إصلاحات داخلية، خصوصاً في مجالات التضخم والانضباط المالي وبيئة الأعمال والطاقة.

وأشار إلى أن قرابة خمسة عقود من العقوبات دفعت قطاعات إيرانية إلى تطوير قدرتها على تأمين جزء من احتياجات السوق المحلية، فيما تمكنت التجارة من إيجاد مسارات بديلة، موضحاً أن الحدود البرية والسككية وشبكات الطاقة والعلاقات التجارية مع دول الجوار تمنح إيران منافذ لا يمكن للعقوبات المالية إلغاؤها.

وتابع إرشادمنش، قائلاً إن طهران تستطيع كذلك استخدام العملات الوطنية والعقود الثنائية والمقايضة والأدوات الرقمية لتقليل اعتمادها على الدولار، وإن كانت هذه الآليات ترفع كلفة التجارة وتبطئها.

لكن هذه القدرة على التكيف، بحسب إرشادمنش، لا تلغي الحاجة إلى إصلاحات اقتصادية، فـ”الصمود من دون إصلاح ليس سوى صبر”، بينما يمكن، في رأيه، للصمود المقترن بالإصلاح أن يتحول إلى وسيلة لتقليص أثر العقوبات على المدى الطويل.

العراق ومخاطر العقوبات

وفي الجانب العراقي، يضع الخبير المالي والاقتصادي، صفوان قصي، المسألة في إطار مختلف، قائلاً إن العقوبات الجديدة لا تستهدف إيران وحدها، بل قد تضغط أيضاً على الشركات والمصارف والدول التي تتعامل معها.

واعتبر قصي أن انتقال واشنطن من استهداف النظام المالي الإيراني مباشرة إلى معاقبة الجهات التي تتعامل معه مالياً واقتصادياً، يفرض على بغداد البحث عن آلية تمنع إخضاع الاقتصاد العراقي للعقوبات الثانوية.

ووفق تقديره، ما زالت إيران قادرة على تمويل جزء من احتياجاتها اعتماداً على الإنتاج المحلي، لكن العقوبات تضيق قدرتها على الوصول إلى العملات الأجنبية، ولا سيما الدولار، وتزيد صعوبة تمويل التجارة والاستيراد.

وأضاف أن الخيار بالنسبة إلى العراق لا يتمثل بالضرورة في قطع التجارة مع إيران، وإنما في تنظيمها ضمن ترتيبات مالية واضحة ومتوافقة مع القواعد التي تحمي النظام المصرفي العراقي، مقترحاً التفاوض مع واشنطن على آلية تسمح باستمرار تدفق السلع الإيرانية اللازمة للعراقيين، مقابل تسوية المستحقات عبر قنوات مالية محددة.

تراجع التجارة الثنائية

وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر بالنظر إلى حجم الاعتماد المتبادل بين البلدين، حيث قال إرشادمنش، إن العراق يؤمن نحو 30% من الوقود اللازم لإنتاج الكهرباء من الغاز الإيراني، بينما يقدر حجم التجارة الثنائية بنحو 12 مليار دولار، مع تراجع الصادرات الإيرانية إلى العراق بنحو 18% خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 1404 بالتقويم الإيراني، وفق الأرقام التي يستشهد بها، أي ما يعادل الفترة الممتدة من 21 آذار/ مارس 2025 حتى 22 آب/ أغسطس 2025 بالتقويم الميلادي.

لكن البيانات الجمركية الإيرانية المنشورة في 23 تموز/ يوليو 2026 تظهر تراجعاً أكثر حدة في الربع الأول من العام، فقد بلغت صادرات إيران إلى العراق 2.3 مليار دولار، مقابل 5.1 مليارات دولار في الربع الأول من 2025، فيما سجل الربع الرابع من 2025 نحو 2.4 مليار دولار، وهذا يعني انخفاضاً سنوياً يقارب 55%، مقابل انخفاض فصلي محدود بنحو 4%.

وتصدر الغاز والهيدروكربونات الغازية قائمة الصادرات في تلك الفترة بقيمة 351 مليون دولار، تلتها قضبان وأسلاك الحديد والفولاذ بـ159 مليون دولار، والتفاح والإجاص والسفرجل بـ78 مليون دولار، والسيراميك بـ77 مليون دولار، والأدوات المنزلية البلاستيكية بـ60 مليون دولار، وبوليمرات الإيثيلين بـ59 مليون دولار.

مهران وزرباطية

وفي محاولة لتوسيع القنوات التجارية مع العراق، تسعى طهران إلى تطوير منطقة مهران الحرة وربطها بمنطقة تجارية مشتركة مقابلة في زرباطية العراقية.

وفي الاثنين الماضي، 14 أيلول/ سبتمبر الجاري، أعلنت وكالة “إرنا” الإيرانية أن المفاوضات بين الجانبين تسارعت لإنشاء منطقة حرة مشتركة بين مهران وزرباطية، ونقلت عن الرئيس التنفيذي لمنطقة مهران الحرة، مهدي راياتي، أن الجانب العراقي رحب بالمقترح، وأن المباحثات تستهدف إقامة مركز اقتصادي على جانبي الحدود.

وكانت منطقة مهران الحرة قد حصلت على الموافقة عام 2021، قبل أن تبدأ عملياتها الرسمية في شباط/ فبراير 2026، بحسب “إرنا”، أما المنطقة المشتركة مع زرباطية فما تزال بحاجة إلى أطر قانونية وسياسية وأمنية.

وبحسب تقرير لصحيفة “فاينانشال تريبيون” الإيرانية، يجري تسجيل نحو 470 شركة إنتاجية وخدمية في منطقة مهران، فيما بدأت العمليات الجمركية، مع خطط لافتتاح مصنع يوفر نحو 300 وظيفة مباشرة، إلى جانب مشاريع تجارية وإدارية.

ويعتقد إرشادمنش أن الحدود العراقية تظل ذات أهمية استراتيجية لإيران، لأن الجغرافيا تمنح البلدين مصلحة مشتركة في استمرار التجارة حتى في ظل العقوبات.

وقدر أن التعاون التجاري الإيراني-العراقي قد يتحرك، في سيناريو استمرار الضغوط، ضمن نطاق 9 إلى 12 مليار دولار، بينما يمكن أن يرتفع على المدى المتوسط إلى نحو 20 مليار دولار إذا اكتملت مشاريع السكك الحديدية وحُلّت المشكلات المصرفية.

لكن صفوان قصي، رأى أن المشكلة الأساسية ليست في القدرة على نقل السلع عبر الحدود بقدر ما هي في كيفية دفع قيمتها.

وختم حديثه بالقول إن استخدام العملات المحلية والمقايضة والعقود الثنائية يمكن أن يتيح استمرار التجارة، لكنه يرفع التكلفة والمخاطر، بينما يمثل الوصول إلى الدولار وشبكة المصارف المراسلة نقطة الاختناق الأساسية.

تصاعد الضغوط الاقتصادية

وفي هذا الجانب، أوضح أستاذ العلاقات الدولية، محمد حسين هاشمي، في حديثه من طهران، أن الضغوط الحالية ليست جديدة على إيران، مشيراً إلى أن العقوبات الأميركية تصاعدت على مدى نحو أربعة عقود، وبلغت مستويات أكثر شدة في الفترة الأخيرة.

وأكد هاشمي، أن العقوبات والحصار والقيود على الشركات التي تتعامل مع إيران تضغط بالفعل على الأسعار والتضخم والقدرة الاقتصادية، لكنه يستبعد أن تؤدي وحدها إلى النتيجة السياسية التي تسعى إليها واشنطن.

ويستشهد بالمناورة التي شهدتها إيران أمس الجمعة باعتبارها مؤشراً على استمرار التعبئة الداخلية، لكنه يقر في الوقت ذاته بأن الأثر الاقتصادي للعقوبات حقيقي، ولا سيما في ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة.

وكانت وسائل إعلام إيرانية قد قالت أمس الجمعة، إن 33 مليون إيراني سجلوا في حملة “فدائيو إيران”، أما عدد المشاركين في طهران، فقد أعلنت السلطات أنه بلغ 313 ألفاً.

وخلص هاشمي، قائلاً إن التعاون التجاري مع العراق سيستمر، مستشهداً بالعلاقات الاقتصادية والحدودية التاريخية بين البلدين، وبما يعتبره قدرة مشتركة على إبقاء التجارة قائمة حتى في ظروف الحصار.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى تقارير