تغيير حجم الخط     

الزيدي لن يمسك السلاح.. يعرف مكان تخزينه ويُبلّغ قبل إطلاق النار بغداد/ تميم الحسن

مشاركة » الأربعاء سبتمبر 09, 2026 10:18 am

صيغة واحدة، على ما يبدو، عُممت بين بغداد وغزة الفلسطينية خلال الشهرين الأخيرين: السلاح “يُجمّد” لتمرير عاصفة دونالد ترامب.
يشكك سياسي مستقل بهذه المناورة، ويعتقد أن فريق الرئيس الأميركي يختلف عمّن سبقوه، ولن يقبل بالحلول الوسط.
في المقابل، ستكون العقوبات جاهزة لمن يمضي في هذه “الطبخة” التي توصف بأنها إيرانية.
وتفصل بغداد نحو عشرين يوماً فقط عن الموعد الذي كان محدداً سابقاً لنزع السلاح، قبل أن يبدأ الموعد نفسه بالتحرك، وربما يتمدد لسنوات.
وفي 30 أيلول، يفترض أن تغادر القوات الأميركية العراق. لكن السلاح، بدلاً من أن يغادر معها، قد يخرج من المشهد بطريقة أخرى.
نسخة عراقية من صيغة غزة
الفكرة، كما يشرحها قيادي شيعي مطلع على المفاوضات، تقوم على إخراج الأسلحة من الاستخدام، من دون إخراجها فعلياً من حيازة الفصائل. تُخزن الترسانة في أماكن معلومة، وتصبح عملية استخدامها مرتبطة بموافقة الحكومة.
بهذه الطريقة، يستطيع الجميع القول إنه حقق شيئاً.
الحكومة تقول إنها وضعت السلاح تحت السيطرة. والفصائل لا تضطر إلى تسليم ترسانتها. وإيران، التي ترتبط بها معظم هذه الجماعات، تحتفظ بأوراق القوة التي تحتاجها في العراق.
التشابه الأكثر إثارة للانتباه أن الصيغة العراقية الجديدة تشبه، إلى حد بعيد، ما أعلنته حركة حماس في غزة الشهر الماضي، حين تحدثت عن استعدادها لـ”تجميد” السلاح مقابل إعادة الحياة إلى القطاع.
في الحالتين، لا يختفي السلاح. لكنه يتوقف عن الظهور بوصفه أداة يومية للحرب.
القيادي الشيعي، الذي تحدث شريطة عدم نشر اسمه، لا يؤكد أن الصيغة العراقية جاءت من طهران أو أنها نسخة من النموذج الذي ظهر في غزة. لكنه لا يستبعد أن تكون إيران تبحث عن مخرج يحفظ مصالحها في المنطقة والعراق معاً.
ويقول إن الحوارات مع الفصائل ما تزال مستمرة، وإن المقترح المطروح لا يتحدث عن “نزع” السلاح، وإنما عن “تجميده”.
وفي إحدى الصيغ المتداولة، يعني ذلك تخزين الأسلحة في أماكن معروفة للحكومة، على أن يكون رئيس الوزراء علي الزيدي على علم بها.
أما الاستخدام، وفق الصيغة نفسها، فيحتاج إلى موافقة مسبقة.
ويقول القيادي إن الخطة قد تتضمن تعهداً بألا “تُطلق رصاصة واحدة” من هذه الترسانة من دون علم رئيس الوزراء.
السلاح باقٍ.. والحوار يتوسع
في المقابل، لا تبدو الفصائل، التي تمتلك ترسانات تضم صواريخ ومسيّرات، مستعدة للتخلي عنها. وقد وضعت بعض هذه الجماعات شروطاً للمشاركة في الحوار بدت، بالنسبة إلى محللين، أقرب إلى شروط لإفشال العملية منها إلى شروط للتفاوض.
ومع ذلك، يقول القيادي الشيعي إن الحوار مع الفصائل ما يزال مستمراً، وإن لجنة الحوار الثلاثية الشيعية توسعت بعد انضمام همام حمودي، رئيس المجلس الأعلى.
لكن اثنين من أعضاء اللجنة قالا إن تفكيك السلاح ليس مطروحاً عملياً.
هادي العامري، زعيم منظمة بدر، رفض نزع السلاح، لكنه نفى في الوقت نفسه احتمال الذهاب إلى صدام مسلح.
أما نوري المالكي، أحد المشاركين في لجنة الحوار، فكان أكثر وضوحاً. حذر من أن نزع السلاح قد يؤثر في “نفسية الفصائل”.
انقلاب داخل الإطار
بحسب محللين، فإن الإطار التنسيقي تراجع عن تفاهمات سابقة بشأن نزع السلاح، الأمر الذي دفع الزيدي إلى الاستعانة بـ”إدارة الدولة”، التحالف الذي يضم القوى السياسية المشاركة في الحكومة، لتثبيت تعهدات بدأت تتبخر.
لكن الاجتماعات السياسية الأخيرة لم تمنح الملف دفعة واضحة.
اجتماعان عُقدا مؤخراً، كان آخرهما لـ”الإطار التنسيقي” مساء الاثنين في منزل رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، إلى جانب اجتماع لـ”إدارة الدولة”، لم يضعا ملف السلاح في مركز النقاش.
حتى لهجة بغداد نفسها تغيرت.
فبعد أن كان الحديث يدور حول إجراءات بحق من يرفض تسليم السلاح، بدأ يظهر حديث آخر عن تشريع قانون للحشد الشعبي، في خطوة يمكن أن تُقرأ بوصفها حافزاً لمن يوافق على الصيغة الجديدة.
في واشنطن، مع ذلك، قد لا يكون تغيير الاسم كافياً.
مثال الألوسي، السياسي المستقل ومؤسس حزب الأمة، يرى أن ما يحدث يتجاوز قضية السلاح إلى صراع على السلطة داخل البيت الشيعي.
يقول إن هناك، بحسب ما يسمعه في واشنطن، قيادات داخل الإطار تحاول الاستفادة من عملية نزع السلاح أو إفشالها، لأن أحد أهدافها قد يكون العودة إلى رئاسة الحكومة.
ويختصر المسألة بأنها صراع على من يملك الحكومة ومن يملك قرارها، ومن يستطيع أن يجعل رئيس الوزراء أداة تنفيذية لما يسميه “الحكومة العميقة” في العراق.
المال والسلاح
بالنسبة إلى الألوسي، السلاح ليس قضية أمنية فقط، إنه جزء من اقتصاد سياسي كامل.
يقول إن الصراع داخل الإطار هو أيضاً صراع نفوذ على المال، لأن “السلاح يعني المال، والمال يعني الميليشيات”.
ومن وجهة نظره، فإن محاولة تشكيل لوبي داخل واشنطن ليست منفصلة عن هذه المعركة.
ويقول مرة أخرى، متحدثاً عن اللوبي الذي كشف عنه في تقرير سابق إن الإطار، بدفع إيراني، يسعى إلى بناء شبكة في العاصمة الأميركية لإعطاء الإدارة والمؤسسات الأميركية انطباعاً إيجابياً عن القوى التي تريد البقاء في السلطة.
بحسب روايته، تضم هذه المحاولات أشخاصاً لهم علاقات سابقة أو حالية في الولايات المتحدة، وآخرين يقول إن لهم صلات بالحرس الثوري الإيراني.
لكن الهدف النهائي، وفق الألوسي، سياسي أكثر منه دبلوماسياً: تثبيت السلطة الحالية أو العودة إليها، مع محاولة الوصول إلى تفاهم مع المؤسسات الأميركية بشأن مستقبل حكومة الزيدي.
“أميركا وإدارة ترامب تختلفان عن سابقاتهما”، يقول الألوسي، محذراً من أن واشنطن لن تتسامح مع ما يعتبره محاولة للالتفاف على شروطها.
العقوبات خلف الباب
غازي فيصل، وهو دبلوماسي سابق، يضع المسألة في سياق أوسع.
من وجهة نظره، لا تستطيع الولايات المتحدة التخلي عن مصالحها الاستراتيجية في العراق والشرق الأوسط والخليج، ولذلك فإن المواجهة مع النفوذ الإيراني والفصائل المرتبطة به ستستمر.
ويرى فيصل أن هزيمة إيران في مواجهة الولايات المتحدة والمجتمع الدولي ستنعكس في النهاية على الفصائل المسلحة المتحالفة معها.
لكن الخطر الأقرب قد لا يكون عسكرياً، وهو العقوبات.
هوشيار زيباري، وزير الخارجية الأسبق، حذر من احتمال فرض عقوبات على العراق إذا اتجهت الأزمة إلى مواجهة مفتوحة.
وقد تشمل، بحسب ما طرحه في مقابلة تلفزيونية، قطاعات الطيران والنفط والغاز والمعاملات المالية والمصارف وشخصيات عراقية.
زيباري يقول إنه لا يريد مواجهة شيعية-شيعية، ولا صداماً بين الحكومة والفصائل.
ويستحضر تجربة إقليم كردستان، حين أدى النزاع الكردي-الكردي إلى سنوات من الانقسام، قبل أن تحتاج الأوضاع إلى سنوات أخرى لإصلاحها.
لكن المشكلة، كما يراها، أن الحكومة نفسها لا تستطيع أن تحكم بينما توجد قوى مسلحة يمكن أن تهدد الأمن أو علاقات العراق الخارجية أو تمنع المستثمرين من دخول البلاد.
لماذا تريد الفصائل البقاء؟
الألوسي يجيب ويذهب أبعد من ذلك، فهو يرى أن الحفاظ على الفصائل وتوسيع سلطة الحشد الشعبي يخدم، بحسب تفسيره، هدفين متداخلين: الدفاع عن النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة، والحفاظ على منظومة حكم يصفها بأنها مختلفة عن النموذج الديمقراطي والدستوري الذي يفترض أن يحكم العراق.
ويربط الألوسي هذا التفسير بمواقف قادة الفصائل من احتجاجات تشرين، مشيراً إلى تصريحات هادي العامري الأخيرة بشأن ما وصفه بـ”الفتنة”، في إشارة إلى المتظاهرين.
ويقول إن هذه الرؤية تجعل أي احتجاج سياسي خارج منظومة السلطة قابلاً لأن يُنظر إليه بوصفه تهديداً.
ويطرح الألوسي اتهاماً أكثر خطورة بشأن قتل المتظاهرين، إذ يقول إن ذلك جاء، بحسب اعتقاده، بأوامر من إيران ونُفذ بواسطة حلفائها في العراق.
بالنسبة إليه، فإن الفصائل المسلحة هي “اليد الطولى” للنفوذ الإيراني والحرس الثوري في العراق.
الاختبار الحقيقي للزيدي
في النهاية، لا يرى الألوسي أن معركة السلاح ستحسم داخل الإطار التنسيقي نفسه.
يعتقد أن رئيس الوزراء يحتاج إلى البحث عن قوة خارج المعادلة التي تحاول تطويقه.
يقول إن “النصيحة العاقلة” للفصائل هي أن تسلم السلاح وتشارك في إصلاح الدولة، وإلا فإنها ستواجه، بحسب تعبيره، خطر أن تُجبر على الخروج من الدولة.
لكن الألوسي لا يعتقد أن الزيدي يستطيع إنجاز ذلك وحده.
ويقترح عليه الذهاب إلى المحافظات والقوى السياسية خارج الحلقة الشيعية الحاكمة: الأنبار، الموصل، صلاح الدين، العلمانيين، المدنيين، الديمقراطيين والكرد، وبناء تحالف وطني جديد يقوم على الخدمات ووحدة البلاد وتطبيق الدستور.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات