يدخل العراق مرحلة حساسة تتشابك فيها ترتيبات انسحاب قوات التحالف الدولي مع ملف حصر السلاح، وتأمين صادرات النفط، وتوفير بيئة مستقرة للاستثمارات الأجنبية، في وقت تتسع فيه العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، بما يرفع احتمالات انتقال آثارها إلى الشركات والمؤسسات العراقية التي ترتبط بطهران بمعاملات تجارية أو مالية.
ولا يبدو موعد 30 أيلول مجرد تاريخ لإنهاء جانب من الوجود العسكري الأجنبي، بل يتحول تدريجياً إلى نقطة فاصلة بين مرحلتين؛ الأولى ارتبطت بوجود التحالف وتعدد القوى المسلحة، والثانية يفترض أن تتولى فيها الدولة العراقية مسؤولية حماية أراضيها وأجوائها وممراتها الاقتصادية، بالتوازي مع معالجة ملف السلاح خارج المؤسسات الرسمية.
وتعتمد قدرة الحكومة على تحويل الانسحاب إلى مكسب سيادي واقتصادي على نجاحها في منع الفراغ الأمني، وضمان استمرار تدفق النفط، وحماية المؤسسات العراقية من العقوبات الخارجية، فضلاً عن تقديم ضمانات حقيقية للشركات التي تفكر في دخول السوق العراقية.
العقوبات تقترب من خطوط الاقتصاد العراقي
وفرضت وزارة الخزانة الأميركية، الاثنين، حزمة عقوبات واسعة على قطاع الطيران الإيراني، شملت 36 هدفاً، بينها جميع شركات الطيران الإيرانية النشطة التي لم تكن مدرجة سابقاً، في خطوة جديدة ضمن حملة واشنطن لتشديد العزلة الاقتصادية على طهران.
وقالت الوزارة إن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية فرض عقوبات على 27 شركة طيران إيرانية، بينها إيران آسمان إيرلاينز، وكيش إير، وقشم إير، وزاغروس إيرلاينز، وآتا إيرلاينز، فضلاً عن شركات ووسطاء أجانب قالت إنهم ساعدوا قطاع الطيران الإيراني أو شركة ماهان إير الخاضعة للعقوبات.
وتثير هذه الحزمة مخاوف عراقية من اتساع نطاق العقوبات ليشمل قطاعات أخرى، ولا سيما أن العراق يرتبط بإيران بعلاقات تجارية ومالية وطاقوية واسعة، في ظل اعتماد جزء من نشاطه الاقتصادي على ممرات بحرية وجوية وبرية تقع ضمن دائرة التوتر بين طهران وواشنطن.
وحذر نائب رئيس كتلة الإعمار والتنمية، منصور البعيجي، من احتمال تعرض شركة تسويق النفط العراقية «سومو» لعقوبات أميركية، مدعياً أن الشركة تدفع رسوماً إلى إيران تصل إلى 20 دولاراً عن كل برميل نفط يصدر عبر مضيق هرمز.
وقال البعيجي إن إيران تحصل على هذه الرسوم من «سومو»، وإن العراق غير مشمول بأي استثناء، محذراً من أن معرفة الولايات المتحدة بهذه المدفوعات قد تقود إلى فرض عقوبات على الشركة العراقية.
ولم يتضمن التصريح المعروض تأكيداً رسمياً من الحكومة العراقية أو شركة «سومو» بشأن طبيعة هذه الرسوم أو قيمتها وآلية دفعها، إلا أن طرح المسألة يكشف حجم القلق من انتقال العقوبات الأميركية إلى المؤسسات النفطية العراقية، وما قد يترتب على ذلك من تأثيرات في الإيرادات والتحويلات المالية وتسويق الخام.
الموازنة تحت ضغط التصدير والأسعار
ويرتبط القلق من العقوبات بواقع مالي شديد الحساسية، إذ تشكل الإيرادات النفطية المصدر الرئيس لتمويل الإنفاق العام والرواتب والمشروعات الحكومية.
ووفق البعيجي، فإن مشروع الموازنة سيصل في 10 تشرين الأول، لكنه سيكون «فقيراً» بسبب انخفاض حجم التصدير وبيع النفط بأسعار متدنية، مشيراً إلى أن العراق يصدر خلال هذه الفترة أكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً.
وتضع هذه المعطيات الحكومة أمام معادلة صعبة؛ فزيادة الصادرات لا تحقق بالضرورة إيرادات كافية إذا رافقها انخفاض في الأسعار أو ارتفاع في تكاليف النقل والرسوم والتأمين، كما أن أي عقوبات تطال مؤسسات التسويق أو الشركات المتعاملة معها قد تعرقل وصول الإيرادات إلى الخزينة.
ويتجاوز الخطر المباشر مسألة بيع النفط، ليشمل قدرة الدولة على تمويل الموازنة التشغيلية وتنفيذ المشروعات الاستثمارية ومعالجة البطالة وتحسين الخدمات. ولذلك يصبح أمن طرق التصدير جزءاً من الأمن المالي، وليس ملفاً فنياً يخص وزارة النفط وحدها.
منافذ بديلة بعيداً عن هرمز
وفي مواجهة المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز والتوترات الإقليمية، تتحرك وزارة النفط باتجاه تنويع منافذ التصدير وتقليل الاعتماد على المسار البحري الجنوبي.
وقال وزير النفط باسم محمد خضير، خلال افتتاح أعمال معرض ومؤتمر العراق الدولي الرابع للنفط والغاز والمشروعات النفطية وجولات التراخيص، إن القطاع النفطي يمر بمرحلة فرضت تحديات كبيرة، لكنها أتاحت فرصاً جديدة للتطوير.
وذكر أن الحكومة تمكنت خلال أول 100 يوم من زيادة الصادرات النفطية من 200 ألف برميل يومياً إلى أكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً خلال أيلول الحالي.
وأوضح أن الوزارة عملت على تنويع منافذ التصدير من خلال توقيع الاتفاقية العراقية–التركية لإعادة تفعيل المنفذ الشمالي، بالتزامن مع المضي في مشروعات استراتيجية مع ائتلاف يضم شركات «شيفرون» و«TI» الأميركيتين و«UCC» القطرية، لربط البصرة بفيشخابور وميناء بانياس السوري.
وأشار أيضاً إلى توقيع اتفاقيات خلال زيارة واشنطن لتطوير الحقول والرقع الاستكشافية، فضلاً عن وضع قطاع التصفية ضمن الأولويات لتقليل استيراد المشتقات النفطية، وإقناع شركة «JGC» اليابانية باستئناف العمل في مشروع «FCC» بمصافي الجنوب.
وتكتسب هذه المشروعات أهمية إضافية في ظل الاضطرابات المحيطة بمضيق هرمز، إذ إن إنشاء أكثر من منفذ لتصدير الخام يمنح العراق قدرة أكبر على المناورة ويقلل تعرض الموازنة للصدمات السياسية والعسكرية.
لكن تنفيذ خطوط التصدير البديلة يحتاج إلى استقرار أمني واتفاقات طويلة الأمد مع دول العبور، فضلاً عن تمويل كبير وضمانات للشركات المنفذة، وهو ما يعيد ملف السلاح والانسحاب الأميركي إلى قلب النقاش الاقتصادي.
الانسحاب بين السيادة وثقة المستثمرين
يرى النائب عن كتلة صادقون صكر العمشاني أن الانسحاب الأميركي سيسهم في تعزيز البيئة الاستثمارية وفتح المجال أمام دخول شركات عالمية كبرى، استناداً إلى الاتفاقات والضمانات التي وضعتها الحكومة.
وقال العمشاني إن الانسحاب يمثل خطوة باتجاه تعزيز السيادة العراقية، وقد يفتح آفاقاً أوسع أمام المشروعات الاقتصادية والاستثمارية، بعيداً عن المخاوف المرتبطة باستمرار الوجود العسكري الأجنبي.
وأشار إلى أن وزارة الدفاع وضعت خطة لتطوير منظومات الدفاع وتسليح الجيش، بما يعزز قدراته على حماية البلاد وأجوائها وحدودها، مؤكداً أن إدارة الملف الأمني بعد الانسحاب ينبغي أن تكون مسؤولية وطنية.
غير أن العلاقة بين الانسحاب والاستثمار لا تسير في اتجاه واحد؛ فخروج القوات الأجنبية قد يُقدم بوصفه استعادة للسيادة، لكنه قد يرفع في الوقت نفسه مستوى القلق لدى الشركات إذا ترافق مع تصاعد نشاط الفصائل أو تراجع قدرة الدولة على حماية المنشآت وخطوط الطاقة.
وتبحث الشركات الأجنبية عادةً عن استقرار القواعد الأمنية والقانونية، وليس عن غياب القوات الأجنبية بحد ذاته. ولذلك سيعتمد الأثر الاقتصادي للانسحاب على ما إذا كانت الحكومة ستنجح في ملء الفراغ وضبط الجماعات المسلحة ومنع استخدام الأراضي العراقية في الصراعات الإقليمية.
تركيا تربط الأمن بطريق التنمية
دخلت تركيا على خط النقاش المتعلق بالسلاح والاقتصاد، إذ أعرب رئيس البرلمان التركي نعمان قورتولموش، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس مجلس النواب العراقي هيبت الحلبوسي في أنقرة، عن أمله في أن يتخلص العراق من الإرهاب والجماعات المسلحة.
وأشار قورتولموش إلى أهمية الاستعدادات المتعلقة بتسليم الجماعات المسلحة والفصائل في العراق أسلحتها إلى الحكومة المركزية، والتي قال إنها ستبدأ اعتباراً من الشهر المقبل.
واعتبر أن توافق الرئاسات والمؤسسات العراقية على نزع سلاح الفصائل يمثل مكسباً مهماً، ويسهم في بناء بيئة يسودها السلام والاستقرار، وفق ما نقلته وكالة الأناضول.
ولم يفصل المسؤول التركي بين الأمن والاقتصاد، إذ وضع مشروع «طريق التنمية» في صدارة الملفات المشتركة، مؤكداً أنه سيربط آسيا بأوروبا عبر العراق وتركيا، ويوفر فرصاً للتكامل الاقتصادي بين البلدين والقارتين.
ويمثل المشروع، بالنسبة إلى بغداد، منفذاً اقتصادياً موازياً لطرق تصدير النفط، لأنه يتيح نقل البضائع وربط ميناء الفاو بالحدود التركية ومنها إلى أوروبا. غير أن نجاحه يحتاج إلى تأمين الطريق والمحافظات التي يمر بها، ومنع الجماعات المسلحة من التأثير في الشركات والبضائع والاستثمارات المرتبطة به.
وبذلك يصبح ملف حصر السلاح جزءاً من متطلبات تشغيل طريق التنمية وجذب رؤوس الأموال، وليس قضية سياسية أو أمنية منفصلة.
الفصائل تطرح «السلاح مقابل السيادة»
في مقابل التصريحات الحكومية والسياسية بشأن حصر السلاح، لا تزال فصائل عراقية ترفض التخلي عنه قبل تحقيق ما تصفه بالسيادة الكاملة.
وقال المتحدث باسم كتائب سيد الشهداء، كاظم الفرطوسي، إن ملف حصر السلاح جرى بحثه من خلال لجنة شكلها الإطار التنسيقي وأخرى تمثل الفصائل، وإن النقاشات ركزت على تحديد الأولويات.
وأوضح أن المبدأ الذي طرحته الفصائل هو «السلاح مقابل السيادة»، مؤكداً أنها لن تتخلى عنه ما لم تتحقق السيادة الكاملة، بما يشمل حماية الأرض والسماء والشعب والقرار السياسي والاستقلال الاقتصادي.
وأضاف أن المطالب العشرة التي قدمتها الفصائل لا ترتبط، وفق رؤيتها، بمصالح خاصة، وإنما تمثل تعريفاً للسيادة وكيفية تحقيقها.
وفي ما يتعلق بموعد 30 أيلول، قال الفرطوسي إنه موعد انسحاب قوات التحالف وليس موعداً نهائياً لحسم ملف السلاح، واعتبره «الاختبار الأول» لجدية الإدارة الأميركية والتحالف الدولي في تنفيذ التزاماتهما تجاه الحكومة العراقية.
وبحسب هذا الموقف، فإن الحديث التفصيلي عن مستقبل سلاح الفصائل سيبدأ بعد خروج القوات الأجنبية، ما يعني أن الموعد قد يشكل بداية مفاوضات جديدة بدلاً من أن يكون نهاية للملف.
رفض التسليم يفتح مأزقاً أمنياً
وأعلنت فصائل، في مقدمتها حركة النجباء وكتائب حزب الله، رفضها تسليم السلاح. وجددت حركة النجباء تمسكها بما وصفته بـ«قدسية سلاح المقاومة»، فيما وضعت كتائب حزب الله شروطاً للخوض في أي مقاربة لتنظيم السلاح، بينها الخروج الكامل للقوات الأميركية والتركية وحل قوات البيشمركة.
ويرى الخبير الأمني مخلد حازم أن عدم تعاطي الفصائل مع توجه الحكومة والإرادة السياسية والمجتمعية لحصر السلاح بيد الدولة يدخل البلاد في مأزق كبير.
وقال إن استمرار السلاح خارج مؤسسات الدولة يضعف مكانتها وسيادتها، ويحول دون أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الحكومة، مشيراً إلى أن الاعتراض على هذا الوضع داخلي قبل أن يكون خارجياً.
ووفق حازم، فإن الارتباط العقائدي لبعض الفصائل بما يعرف بـ«وحدة الساحات» أو «محور المقاومة» يجعل فصل قرارها عن التطورات الإقليمية عملية معقدة، ولا سيما أن إيران تنظر إلى الفصائل العراقية بوصفها جزءاً من استراتيجيتها الإقليمية.
ويحذر من أن بقاء الملفات السيادية، وفي مقدمتها السلاح وقرار الحرب والسلم، خارج إطار الدولة قد ينعكس على استقرار العملية السياسية ويهدد البيئة الأمنية والاقتصادية في البلاد.
تفاهمات مرنة بدلاً من المواجهة
في المقابل، يرى الباحث والأكاديمي مجاشع التميمي أن اقتراب موعد 30 أيلول يدفع الأطراف العراقية نحو تفاهمات أكثر مرونة، بدلاً من الذهاب إلى مواجهة مباشرة قد تفاقم الأزمات السياسية والأمنية.
ويقول التميمي إن طرح مفهوم «تنظيم واحتواء السلاح» بدلاً من نزعه يعكس محاولة لاستيعاب الفصائل ضمن أطر رسمية وقانونية، وتجنب إحراج الجهات التي ترفض التسليم المباشر.
ويرى أن وصول القائم بالأعمال الأميركي الجديد ستيفن فاجن يعكس رغبة واشنطن في إدارة الملف دبلوماسياً، مع التركيز على ضبط الأسلحة النوعية، بدلاً من الدفع نحو صدام مسلح.
وبحسب هذا التصور، قد يفقد موعد أيلول جانباً من حساسيته المرتبطة باحتمال المواجهة، ويفتح مساراً تفاوضياً أطول يهدف إلى الحفاظ على استقرار الحكومة وإعادة تنظيم علاقة الفصائل بالدولة.
وسبق لائتلاف إدارة الدولة أن أعلن مساراً لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، مؤكداً أن أي نشاط مسلح خارج القانون بعد انتهاء المهلة سيخضع للإجراءات القانونية. إلا أن تطبيق هذا المسار سيعتمد على قدرة الحكومة على تحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات فعلية.
تمديد مرفوض وروايات تحتاج إلى تأكيد
وفي سياق الحديث عن موعد الانسحاب، قال منصور البعيجي إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب طلب من رئيس الحكومة علي الزيدي تمديد وجود التحالف الدولي لمدة ستة أشهر.
وادعى البعيجي أن الزيدي أجاب بأن تمديد وجود القوات الأجنبية سيقابله تمديد نشاط الفصائل للمدة نفسها، ولذلك جرى رفض الطلب.
ولا تتضمن المعلومات المعروضة تأكيداً رسمياً عراقياً أو أميركياً لهذه الرواية، ما يجعلها في إطار التصريحات السياسية المنسوبة إلى البعيجي.
ويرى البعيجي أن رئيس الحكومة قادر على تنظيم ملف السلاح، إلا أن العملية قد تستغرق نحو أربعة أشهر بعد 30 أيلول، وهو تقدير يتقاطع مع الطروحات التي تتحدث عن مرحلة تفاوضية تلي الانسحاب، وليس حلاً فورياً لجميع الملفات.