بغداد/ تميم الحسن
يؤكد "الإطار التنسيقي" أن حسم ملف الوزارات الشاغرة سيكون قبل 30 أيلول.
ويتجه التحالف الشيعي، على الأرجح، إلى إلغاء مناصب نواب رئيس الوزراء، لأسباب بينها ضغط أميركي.
وبالتزامن، من المقرر أن يكون لرئيس الجمهورية نائبان، للمرة الأولى منذ 2018.
ويقول 3 مسؤولين في أحزاب شيعية إن رئيس الحكومة، علي الزيدي، يدفع بقوة باتجاه إنهاء ملف تشكيلته الوزارية.
وهو، بحسب أحد المسؤولين، لم يعد مرتاحاً لفكرة إدارة نصف حكومته تقريباً بالوكالة.
وفي الأسبوع الأخير، تحرك الزيدي باتجاه زعيمين شيعيين رئيسيين. زار نوري المالكي، زعيم "دولة القانون"، ثم عمار الحكيم، زعيم "تيار الحكمة"، في مسعى لفتح الطريق أمام الوزارات المتبقية.
والوقت، بالنسبة لرئيس الحكومة، ليس مجرد موعد دستوري أو سياسي. إنه اختبار لقدرته على أن يكون صاحب القرار داخل حكومته، وفق ما يقوله مسؤول بحزب شيعي.
ومر أكثر من أربعة أشهر منذ تشكيل الحكومة، فيما لا تزال 9 وزارات شاغرة.
موعد لا يملك الجميع رفاهية تأجيله
جاسم محمد جعفر، الوزير السابق والقيادي في ائتلاف نوري المالكي، يقول لـ(المدى) إنه يتوقع تمرير الوزارات الـ9 في 20 أيلول.
ويفترض أن الإطار التنسيقي ناقش في اجتماع عقده أمس تفاصيل أوسع تتعلق بالموعد وأسماء المرشحين، وقد تؤجل إلى جلسة غداً الأربعاء.
وكان التحالف قد أعلن في الأسبوع الماضي أنه سيقدم أسماء الوزراء خلال أسبوعين.
لكن خالد وليد، عضو المكتب السياسي في ائتلاف محمد السوداني "الإعمار والتنمية"، لا يعطي موعداً محدداً.
ما يقوله، بدلاً من ذلك، هو أن الوقت بدأ ينفد. ويضيف لـ(المدى): "الإطار لم يعد يملك وقتاً إضافياً".
ويرى أن الزيدي يضغط بصورة واضحة من أجل حسم الوزارات، لأنه لا يريد الاستمرار في إدارة حكومته بهذه الصيغة.
لكن المشكلة التي عطلت الحكومة منذ أيار لم تكن مجرد نقص في الأسماء.
كانت، في جزء منها، حرب فيتو صغيرة بين القوى السياسية: كتلة ترفض مرشحاً، فترد الأخرى برفض مرشح مقابل، يقول وليد.
أسماء معلقة بين البرلمان والقضاء
كان الاعتراض على المرشحين أحد أهم أسباب تعطيل إكمال الكابينة الوزارية.
بعض هذه الاعتراضات يبدو الآن في طريقه إلى التسوية، لكن ليس جميعه.
جعفر يقول إن كتلته لا تزال تدعم قاسم عطا لمنصب وزير الداخلية.
عطا ليس اسماً جديداً. فقد عرض على البرلمان في الوجبة الأولى من الترشيحات في أيار، لكنه لم يحصل على الأصوات الكافية.
ومن الناحية القانونية، أصبح عطا خارج المنافسة بعد عدم نيله الأصوات المطلوبة، لكن المالكي اعترض على ذلك أمام القضاء.
ولا يزال مسار الاعتراض القانوني غير واضح.
في المقابل، يقول قيادي في "منظمة بدر"، طلب عدم نشر اسمه، إن هناك اسمين آخرين عرضا على الزيدي لتولي وزارة الداخلية.
أما وزارة التعليم، فيؤكد جعفر أن كتلته لا تزال متمسكة بعامر الخزاعي، مع وجود اسمين بديلين.
وزارة الدفاع أكثر غموضاً
المعلومات التي حصلت عليها (المدى) تدور حول اسمين: نايف الشمري، النائب الحالي، وجمعة عناد، وزير الدفاع السابق في حكومة مصطفى الكاظمي.
لكن حتى هوية الجهة التي تقف خلف الشمري ليست محسومة. فثمة من يربطه بحزب "تقدم" بزعامة محمد الحلبوسي، بينما تضعه معلومات أخرى في خانة "حسم"، الحزب الذي يقوده وزير الدفاع السابق ثابت العباسي.
العباسي، الذي تراجعت إطلالاته الإعلامية بصورة واضحة خلال الأشهر الأخيرة، تحيط به أيضاً أحاديث عن احتمال تورطه في قضايا فساد، وإن لم تحسم هذه الاتهامات قضائياً.
وكان أحمد المساري، النائب عن حزب "تقدم"، قد قال في وقت سابق إن المجلس السياسي الوطني، المعروف إعلامياً باسم "الإطار السني"، هو الجهة التي ستقدم مرشحي الوزارات المخصصة للمكون السني.
لكن هذا "الإطار" نفسه لم يعد مستقراً.
خلال الأشهر الأربعة الماضية، تعرضت القوى السنية إلى هزات سياسية متتالية، خصوصاً مع اعتقالات طالت قيادات بارزة ضمن حملة مكافحة الفساد، كان من أبرزها اعتقال زعيم كتلة "عزم" مثنى السامرائي.
عندما أصبحت الداخلية والدفاع أقل أهمية
خالد وليد يصف ما حدث منذ أيار بأنه "عناد سياسي".
لكن المسؤولين الشيعيين الذين تحدثت إليهم (المدى) يرون أن القصة أوسع.
خلال الأشهر الماضية، كانت واشنطن ترسل رسائل واضحة إلى بغداد: لا وزارات للفصائل المسلحة.
ولم يكن المطلوب، بحسب هذه الرسائل، مجرد تغيير أسماء الوزراء. كانت هناك مطالبة بتفكيك هذه الجماعات.
لهذا السبب، يقول مسؤول شيعي، أمضت القوى السياسية والحكومة أشهراً في محاولة العثور على مرشحين للوزارات الأمنية يمكن تمريرهم داخلياً، ولا يصطدمون في الوقت نفسه بالاعتراض الأميركي.
ثم فعل الزيدي شيئاً لم يكن متوقعاً حتى داخل الإطار التنسيقي نفسه. أعاد هيكلة بعض المواقع الأمنية الحساسة.
ومن بين قراراته إعادة المكتب العسكري لرئيس الوزراء، بعد نحو 12 عاماً على إلغائه.
القرار لم يمر بهدوء. يقول المسؤول الشيعي، طالباً عدم نشر اسمه: "لم تعد وزارتا الدفاع والداخلية بتلك الأهمية بعد إعادة المكتب. المكتب هو من سيقود فعلياً هذه الوزارات".
ولم يتوقف الأمر عند إنشاء المكتب. وضع الزيدي عبد الأمير الشمري، وزير الداخلية السابق، قريباً منه، وكان الشمري قد اقترب في وقت سابق من الحصول على ولاية ثانية في الوزارة. ثم عينه مديراً لمكتبه.
بالنسبة إلى بعض زعامات الإطار، كان ذلك أكثر من إعادة ترتيب إداري. كان توسيعاً لنفوذ رئيس الحكومة، وتكلفة مالية إضافية في وقت تواجه فيه الدولة أعباء وديوناً ثقيلة.
قبل ذلك، كانت هناك مقترحات لإعادة تشكيل الوزارتين الأمنيتين، وإضافة تشكيلات جديدة إليهما، من بينها الحشد الشعبي.
لكن المسؤول الشيعي يقول إن جزءاً من تلك الأفكار كان مرتبطاً بالاعتراضات الأميركية وبالدور الذي يفترض أن تلعبه الوزارات الأمنية في ملف حصر السلاح.
وهذا الملف نفسه، الذي كان يفترض أن يكون أحد العناوين الرئيسية للحكومة، أصبح الآن من أكثر الملفات تعقيداً.
خالد وليد يرى أن هذه ليست القصة كلها، فالزيدي، بحسبه، لا يريد أن يكون رئيس حكومة ينتظر الآخرين كي يقرروا عنه.
"شخصية لا تسمح بأن يكون غيره هو المبادر"، يقول وليد. "يريد أن يمسك زمام الأمور ويكون صاحب القرار الأول".
وهنا تظهر مفارقة أخرى: من سيرغب في تولي وزارة الدفاع أو الداخلية في لحظة يصبح فيها ملف السلاح اختباراً دائماً للوزير؟
يقول المسؤول الشيعي: "من سيرضى بمنصب وزير الدفاع والداخلية في ظل وجود أزمة السلاح؟ أنا عن نفسي لن أقبل في هذا التوقيت".
لهذا السبب، لا يستبعد رحيم العبودي، المحلل السياسي القريب من الإطار التنسيقي، أن تبقى الوزارتان خارج الصفقة الأخيرة.
يقول لـ(المدى): "هناك 7 وزارات مكتملة، وقد تقدم إلى البرلمان بدون الدفاع والداخلية".
ويضيف أن الخلاف ما زال يدور حول أسماء المرشحين، وأن رئيس الوزراء طلب خمسة أسماء لكل وزارة حتى يختار بنفسه.
إذا حدث ذلك، فإن الحكومة قد تقترب من الاكتمال من دون أن تكتمل فعلياً.
الوزارة التي لا ينبغي الاقتراب منها
لكن النفوذ الأميركي، وفق المسؤولين الذين تحدثت إليهم (المدى)، لا يتوقف عند الدفاع والداخلية.
هناك وزارة أخرى تبدو أقل أهمية من الوزارتين الأمنيتين، لكنها أصبحت واحدة من أكثر النقاط حساسية في المفاوضات، مثل وزارة العمل.
الوزارة، بحسب المصادر، يفترض أن تذهب إلى "عصائب أهل الحق" بزعامة قيس الخزعلي.
المسؤول الشيعي ونائب سابق تحدثا لـ(المدى) يعتقدان أن وصول فصيل مسلح إلى وزارة في الحكومة أصبح أمراً بالغ الصعوبة، حتى إذا كان الفصيل قد أعلن تخليه عن السلاح.
وهنا تظهر الفجوة بين ما يقال علناً وما يجري خلف الأبواب.
يقول المتحدثان إن الخطاب المتداول داخل الإطار يتحدث عن مطالبة أميركية بنزع سلاح الفصائل أو "تنظيمه"، وفق التعبير المخفف المستخدم الآن، لكن ما يحدث في ملف وزارة العمل يوحي، بحسب تقديرهما، بأن واشنطن تريد تفكيك هذه الجماعات.
قد يكون الحل، وفق النائب السابق، أن يتقدم الفصيل بصورة غير مباشرة، ومن خلال غطاء سياسي مستقل.
ويستشهد بـ"المجلس الأعلى"، الذي يملك فصيلاً مسلحاً، لكنه قدم مصطفى سند مرشحاً لوزارة الاتصالات بصفته السياسية لا بصفته ممثلاً للفصيل.
نواب الرئيس الذين اختفوا من الطاولة
لم يصل التأثير الأميركي، بحسب المصادر نفسها، إلى الوزارات فقط. كان من المفترض أن يكون لرئيس الوزراء ثلاثة نواب.
بين الأسماء التي جرى تداولها كان ليث الخزعلي، شقيق زعيم "عصائب أهل الحق"، وهو مدرج منذ سنوات على قوائم وزارة الخزانة الأميركية على خلفية اتهامات تتعلق بتهريب النفط.
لكن فكرة نواب رئيس الوزراء تبدو الآن في طريقها إلى الإلغاء.
المصادر تقول إن ذلك جاء نتيجة اعتراض أميركي، لكن أيضاً برغبة من الزيدي نفسه.
حتى الرواتب التي كان يفترض أن يحصل عليها شاغلو المناصب لم تعد هي القضية الأساسية. فقد كان هناك رفض شعبي واسع لفكرة استحداث مناصب جديدة في قمة السلطة التنفيذية.
في المقابل، هناك شبه اتفاق على إعادة منصب نائبين لرئيس الجمهورية.
سيكون ذلك عودة إلى صيغة لم تعمل بها الرئاسة منذ سنوات.
كان حيدر العبادي قد ألغى مناصب نواب رئيس الجمهورية في 2015، قبل أن تعاد بقرار قضائي في نهاية ولايته. وبعد ذلك لم تتكرر التجربة.