تغيير حجم الخط     

ضائقة السيولة المالية تحاصر بغداد بين طباعة العملة والتحذير من «سيناريو فنزويلا»

مشاركة » الثلاثاء أغسطس 04, 2026 7:19 am

8.jpg
 
بغداد/ أحمد كوكب
اقترحت اللجنة المالية النيابية، اليوم الاثنين، اللجوء إلى طباعة العملة للتعامل مع أزمة السيولة الخانقة وضمان تأمين رواتب الموظفين، تفاديا لما وصفته بـ«انتفاضة البطون الجائعة»، فيما رأى متخصصون اقتصاديون أن العراق يواجه سوء إدارة مالية لا إفلاسا، محذرين من أن الإصدار النقدي من دون إنتاج حقيقي سيؤدي إلى تراجع القوة الشرائية للدينار والدخول في سيناريو تضخمي كارثي.
وقال عضو اللجنة المالية النيابية جمال كوجر، في حديث لـ«المدى»، إن المقترح المطروح لطباعة العملة يمثل «الخيار الآمن المتبقي» لتجنب تلكؤ صرف الرواتب، على الرغم من المخاطر الاقتصادية المترتبة عليه.
وأشار كوجر إلى وجود معضلة زمنية مرتبطة بالإيرادات النفطية، موضحا أن مستحقات مبيعات النفط تُسلّم بعد شهرين إلى ثلاثة أشهر من عملية البيع، ما يعني استمرار الأزمة الخانقة مدة لا تقل عن شهرين، في وقت أصبحت فيه خيارات الحكومة لتوفير السيولة اللازمة لتسديد الرواتب لثلاثة أشهر على الأقل محدودة للغاية.
وكشف عن صعوبة اللجوء إلى حلول بديلة لجمع السيولة، قائلا إن خيار إلقاء القبض على ما بين 100 و200 فاسد، على غرار عدنان الجميلي، واسترداد الأموال منهم «بدأ يتراجع وأصبح صعبا جدا»، فضلا عن أن تعظيم الموارد يحتاج إلى وقت طويل.
وأضاف أن بيع النفط «ليس بيد الدولة العراقية حاليا»، وأن محاولات إحياء خطوط التصدير القديمة، مثل خطي بانياس والعقبة، تواجه عرقلة أمنية «وصلت إلى تحميل شاحنات التانكرات بالسلاح».
وأوضح كوجر أن رفع الضرائب يعني ممارسة ضغط مباشر على المواطنين، بينما تتجه وزارة المالية إلى بيع عقارات الدولة لتسديد ديون المصارف التي بلغت مستويات كبيرة.
ولفت إلى أن قانون الإقراض الجديد لن يسعف النفقات التشغيلية، ومنها الرواتب، لأن قروض صندوق النقد الدولي تذهب حصرا إلى المشاريع الاستثمارية، في حين لا تزال الصناديق الاستثمارية القطرية والإماراتية «مجرد حبر على ورق»، بسبب ما وصفه بـ«العقلية الميليشياوية التي تطرد الاستثمار».
وقال عضو اللجنة المالية إن العراق يعيش حاليا وضعا أمنيا نسبيا، لكن البنك المركزي يضغط باتجاه تعظيم الموارد، معتبرا أنه، بين خيار انهيار الدولة أو السحب من الاحتياطي النقدي، سيمضي البنك في السماح بالسحب لمنع وقوع «انتفاضة البطون الجائعة».
وأشار إلى أن توقف التصدير عبر مضيق هرمز وميناء أم قصر جعل العراق غير قادر على بيع أكثر من مليون برميل يوميا، ما يولد عجزا كبيرا مقارنة بالمستوى الطبيعي المقدر بثلاثة ملايين و250 ألف برميل، مضيفا أن التصدير «اليوم يعني 850 ألف برميل، بإنتاج متذبذب».
وخلص كوجر إلى أن الحكومة ستظل في أزمة خانقة مدة شهرين على الأقل، حتى في حال بيع النفط الآن، لأن الإيرادات تُستلم بعد شهرين إلى ثلاثة أشهر، معتبرا أن الخيار الأكثر أمانا حاليا هو طباعة العملة، رغم مخاطرها، لتجنب تلكؤ صرف الرواتب.
وفي وقت يرى فيه مشرعون أن الخيارات التشغيلية باتت محصورة، يحذر متخصصون ماليون من المساس بالاستقرار النقدي، ويدعون إلى استثمار مكامن القوة المالية المتاحة.
وقال المتخصص في الشأن الاقتصادي جليل اللامي، في حديث لـ«المدى»، إن الاقتصاد العراقي يمر بأزمة سيولة خانقة تكشف عن خلل هيكلي عميق في إدارة المالية العامة، مؤكدا أن العراق ليس دولة مفلسة، لامتلاكه مصدات مالية صلبة تتمثل في احتياطيات أجنبية تبلغ نحو 97 مليار دولار، وأكثر من 130 طنا من الذهب، واحتياطي نفطي يتجاوز 140 مليار برميل، يضعه في المرتبة الخامسة عالميا.
وبيّن اللامي أن الأزمة تكمن في اعتماد العراق على النفط لتمويل أكثر من 90‌% من إيرادات الموازنة، مقابل إيرادات غير نفطية لا تتجاوز 10‌%، إلى جانب توجيه أكثر من 70‌% من الإنفاق العام إلى الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية، بما يقارب 80 تريليون دينار سنويا، الأمر الذي يؤدي إلى انكماش التدفقات النقدية فور تراجع الأسعار أو الصادرات نتيجة التوترات الإقليمية.
وأشار إلى أن تراجع التصدير بسبب التوترات الإقليمية يجفف التدفقات النقدية سريعا، مستعرضا خيارات قال إنها واقعية لتأمين السيولة من دون المساس بالنقد، في مقدمتها الاقتراض الداخلي عبر حوالات الخزينة والسندات الحكومية، كما حدث خلال أزمة عام 2020.
وأضاف أن الحكومة تستطيع إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وتأجيل المشاريع غير الضرورية، مع ضمان النفقات الأساسية، فضلا عن تفعيل الجباية الإلكترونية والجمارك والضرائب.
وبحسب اللامي، فإن استئناف تصدير النفط عبر ميناء جيهان بمعدل 300 ألف برميل يوميا، وبسعر 70 دولارا للبرميل، يوفر نحو 21 مليون دولار يوميا، وأكثر من 630 مليون دولار شهريا، ونحو سبعة مليارات دولار سنويا.
وأوضح أن كل زيادة في الصادرات بمقدار 100 ألف برميل يوميا ترفد الخزينة بنحو 2.5 مليار دولار سنويا، معتبرا أن هذه المبالغ كفيلة بإبعاد خيار طباعة العملة، الذي وصفه بأنه «ليس حلا، بل خطوة تجر إلى أزمة أعمق».
وحذر اللامي من أن طباعة 10 تريليونات دينار، على سبيل المثال، من دون زيادة في الإنتاج الحقيقي، ستؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية وخلق «تضخم وحشي» وارتفاع في الأسعار.
وأشار إلى أن الاقتصادات الريعية الاستيرادية، مثل الاقتصاد العراقي، أكثر تأثرا بتداعيات طباعة النقود من الاقتصادات الصناعية، مستذكرا السيناريوهات الكارثية التي شهدتها زيمبابوي وفنزويلا، حين انهارت عملتاهما الوطنيتان نتيجة هذا الإجراء.
وتابع أن زيادة الكتلة النقدية سترفع الطلب على الدولار لتغطية استيرادات الغذاء والصناعة، ما يؤدي إلى خفض قيمة الدينار في السوق الموازية، ورفع أسعار السلع، وتقويض القوة الشرائية.
واستذكر ما حدث في نهاية عام 2020، عندما خُفض سعر الدينار إلى 1460 دينارا مقابل الدولار وارتفعت الأسعار بصورة حادة، معتبرا أن طباعة العملة ستؤدي إلى فقدان الثقة بالعملة الوطنية.
واختتم اللامي حديثه بالدعوة إلى إجراء إصلاحات مالية عاجلة لتجنب تكرار الأزمات، من خلال تقليل الاعتماد على النفط، وإعادة هيكلة ملف الرواتب، وتخفيض الامتيازات، والحد من الفساد والهدر المالي الذي قال إنه كلف عشرات الملايين سابقا.
كما دعا إلى تأسيس صندوق سيادي لادخار الفوائض النفطية، على غرار النموذج النرويجي، الذي أشار إلى أن قيمته تبلغ 1.8 تريليون دولار، والاستفادة من التجارب الخليجية، إلى جانب تنشيط القطاع الخاص لتحصين الاقتصاد من تقلبات أسعار النفط الخام.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات